الجمعة 29 مايو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

غانم فتحى كثير من الحب.. كثير من الأدب

«معرفة الماضى الذى فات أسهل كثيرا من معرفة الحاضر الذى يقع أمامك، وتراه بعينك ، وتسمعه بأذنيك وتشارك فى أحداثه”.. لم يكن غريباً أن تصدر هذه الكلمات عنه وهو أحد أهم العلامات البارزة الأدبية من خلفوا ورائهم تاريخاً وإرثاً للمكتبة العربية من الروايات التى جسدتها السينما والتليفزيون لمست قلوب وعقول المجتمع العربى إبداع حمل توقيع فتحى غانم الذى تحل ذكرى رحيله الحادية والعشرين خلال الشهر الجارى لذا تحتفى به روزاليوسف وهو أحد أبنائها وتنشر صفحات من حياة الكاتب والأديب  فتحى غانم.



ولد فتحى غانم فى 24 مارس 1924 بالقاهرة لأسرة بسيطة، وتخرج من كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول عام 1944، بدأ حياته العملية بالصحافة بمؤسسة روزاليوسف وانتقل إلى جريدة الجمهورية أو مؤسسة دار التحرير رئيسًا لمجلس الإدارة والتحرير، ثم عاد مرة أخرى إلى روزاليوسف حتى وفاته عام 1999 عن خمسة وسبعين عامًا. بدأ غانم رحلته فى عالم الأدب بكتابة العديد من القصص القصيرة وكان يكتب المقالات الفنية بجانب عمله الصحفى وكانت تنشر فى العديد من المجلات والصحف. أصدر فتحى غانم أول رواياته «الجبل» فى عام 1959 وكان فى ذلك الوقت قد حقق شهرة فى الوسط الثقافى المصرى والعربي، وتعتبر أشهر رواياته «تلك الأيام» التى كانت تنشر بشكل متسلسل فى مجلة «صباح الخير» عام 1963 ثم تم إصدارها فى كتاب عام 1966، وتحولت إلى فيلم سينمائى يحمل نفس الاسم فى عام 2010 أهم أعمال غانم أول روايات غانم هى رواية «الجبل» عام 1959من قلب صعيد مصر نجح  وقتها فى تصوير حياة أبناء الصعيد ووصف البيئة الجلية التى يعيش فيها الكثير من أبناء الجنوب فى مصر ، وعن رفض فئة منهم ان يتركوا بيوتهم وسط الجبال والمعيشة فى بيوت جديدة بنيت لهم فى قرية على طراز حديث ، وقدمتها السينما والتليفزيون بنفس الأسم . رواية «زينب والعرش» من روائع غانم التى أثرت لعقود فى الأسرة العربية بشكل كبير ، قد كتبها بعبقرية وحينما تم تنفيذها كمسلسل تلفزيونى عام 1979 م قد أحدثت ضجة كبرى فى الشارع العربى لما بها من الحياة التى يعيشها الناس بشكل يومى من التحام رائع ما بين الحياة الاجتماعية والعاطفية والنفسية .كذلك رواية «قليل من الحب كثير من العنف» من الأعمال الأدبية التى انتقلت أيضا إلى ساحة عام 1995م ، الجميل وأنت تقرأ الرواية سوف تلهث جاهدا لمعرفة النهاية التى كتبها الكاتب لبطل الرواية يونس ، حتى وان كان الرواية قد تحولت إلى فيلم سينمائى إلا انه يبقى لقراءة الرواية طابع خاص . ومن الأعمال التى كانت مطمعاً لأهل الفن رواية «بنت من شبرا» والتى تحولت إلى مسلسل عام 2004م ، تميزت الرواية بالمزج الرائع ما بين الثقافة المصرية الأصيلة فى أبناء شبرا وبين الثقافة الايطالية حيث ماريا الشابة الكاثوليكية الايطالية الأصل الجميلة التى أصبحت بنتا من بنات شبرا الأصيلات. من أقدم روايات غانم بأجزائها «الرجل الذى فقط ظله» إذ أبدع كاتبها فى كيفية تصوير وتجسيد شخصية الشاب الفقير الذى يتحول حينما تأتى له الفرصة إلى أن يكون شخصا انتهازيا ووصوليا من أجل تحقيق الثروات والشهوات. لم ينفصل أبدا غانم عن قضايا مجتمعه وتجسد ذلك فى روايته «الأفيال «والتى  تضمنت الإرهاب فى المجتمع العربى  أما «حكاية تو» فقد تناولت الأحداث البوليسية التى انتشرت بعد ثورة 1952 م فى مصر والتى استخدم فيها مراكز القوى القمع والتعذيب مع المعارضين للنظام ، وتم تحويلها إلى فيلم سينمائى بطولة فريد شوقى تم إنتاجه عام 1989م كان فتحى غانم يهتم بالفنون بشكل عام وكتب للسينما أيضا بعض الأفلام بخلاف رواياته التى تحولت إلى أعمال فنية، ففى عام 1956 تعاون فى كتابة سيناريو وحوار للفيلم السينمائى «صوت من الماضي» مع محمد التابعى ويوسف عز الدين. وجوه أخرى لفتحى غانم صدر كتاب تكريمى لفتحى غانم بعنوان وجوه أخرى لفتحى غانم قدمه الشاعر شعبان يوسف ومما  يتضح فى الكتاب أن فتحى غانم خاض عدة معارك أدبية وفنية لا تخلو من السخونة ، ولا تبدو أنها حافظت دوما على الإطار الشكلى المهذب الذى يصفه غالى شكرى يتحدث غانم عن تلك المعارك فقال « عام 1952، فى روز اليوسف وفى باب «أدب» هاجمت بفرادة الكاتب المتبدئ: أحمد الصاوى محمد، وعبد الرحمن الخميسي، وهاجمنى الخميسى فى المصرى قائلاً إنى «ابن ذوات»! وأكتب قصصاً فاشلة. وفى عام 1954،كتبت سلسلة مقالات فى آخر ساعة بعنوان «طه حسين عقبة ضخمة فى طريق القصة القصيرة»، وقد أدخلتنى هذه المقالات فى معمعة مع فرقة كبيرة من الكُتاب.كذلك عام 1955، هاجمت أسلوب محمود أمين العالم فى النقد، وردّ محمود فى روز اليوسف بمقال «فتحى غانم والنقد الأسود»، وكان ذلك فى باب للنقد بآخر ساعة عنوانه «أدب وقلة أدب». الراقصتان ليز وتين ويتابع غانم سرد معاركه فقال «وفى عام 1955 – 1956، كتبت جملة مُشتركة مع د. رشاد رشدى عن كتاب القصة القصيرة فى آخر ساعة، وكتبت عن يوسف السباعى «التلميذ البليد يكتب فى فوائد الحديد»! وكتب يوسف السباعى عنى وعن رشاد رشدى «أننا – رشدى وفتحى – ثنائى الأدب، الراقصتان ليز و تين»! أما عام 1956، هاجمت قصص عبد الحليم عبدالله، الذى رد بمقال فى آخر ساعة «فتحى غانم وفرقة ساعة لقلبك»، وفى نفس العام هاجمت أسلوب نعمان عاشور فى القصة، كما هاجمت مضمونها، إنها سلسلة طويلة من المعارك التى خضتها، أو تورطت فيها، واضح أنك لم تسمع عنها!» ويورد شعبان يوسف تحليله لأسلوب غانم فى مواقفه الحياتية التى تجمع بين الموقف الأدبى الواضح الذى يتم التعبير عنه فى إطار لا يخرج عن انتماء غانم للطبقة الاجتماعية الرفيعة التى ينحدر منها، يقول :  التقريع الخفيف الذى قام به غانم تجاه غالى شكري، هو طريقته فى المعارك دوماً، فهو لا يهتف ولا يصرخ ولا يصيح، ولم يحاول إثارة أى زوابع حوله، والمتابع لمسيرته، فهو لم يكن منتمياً إلى جماعة أو شلة أو تيار أو اتجاه أيديولوجى ينظر له، وكان المغنى الأعظم خارج كل الأسراب السياسية والثقافية» ولم تكن معارك غانم على المستوى الأدبى والثقافى فقط، بل كانت على المستوى الفني، كتب عشرات المقالات فى السينما والمسرح والفن الشعبى والرقص والباليه، وكتب عن الفنانين أنفسهم، وهاجم كثيراً منهم، أو أبدى ملاحظاته الفنية العديدة على أداء البعض منهم.كما دافع غانم عن استقلال الفنون، واستقلال الثقافة عن القرارات السياسية. العنت والتهميش لأدبه  يكشف يوسف فى مقدمته  للكتاب أيضا أن فتحى غانم  حصل على قدر كبير من التهميش والعنت فى التهميش، بل ليس التهميش والتجاهل فحسب، بل كذلك تغليظ هذا التهميش الذى وصل إلى حالات من الأذى. ويوضح أيضا وجهة نظره بأن  هذه الضريبة يدفعها كل كاتب وفنان وأديب أراد أن يكون مستقلاً. ويقدم دليلا على هذا بما حدث لرواية غانم « تلك الأيام التى نُشرت فى روز اليوسف اعتباراً من 15 إبريل 1963، ولم تصدر إلا فى عام 1966 عن المؤسسة نفسها فى سلسلة «الكتاب الذهبي»، وتم حذف ما يزيد عن مائة وثلاثين صفحة من الرواية، إنها واقعة مهولة، ولو حدثت فى مثل هذه الأيام لقامت الدنيا كلها لتتهم وتشجب وتدين وتحتج، ولكن فتحى غانم لم يتكلم، إيماناً بأن الذى يريد أن يعود للنص الكامل فهو موجود فى المجلة نفسها كاملاً.