الخميس 22 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
جامعة الغذاء  أم وحدة القرار؟

جامعة الغذاء أم وحدة القرار؟

فى حديثنا الزراعة المصرية بين تحديات التنسيق وفرص التكامل الوطنى فى المراحل الفاصلة من مسيرة الدول، لا يقتصر التحدى على طرح الأفكار الطموحة، بل يمتد إلى كيفية إدارتها، ومواءمتها مع ما هو قائم، وضمان تكاملها داخل الإطار الوطنى الأشمل. 



ومصر، وهى تمضى بخطى جادة فى مسار التنمية الشاملة، تطرح اليوم فكرة إنشاء جامعة متخصصة فى علوم الغذاء، وهى فكرة تحمل الكثير من الإيجابيات والدوافع المشروعة، لكنها فى الوقت ذاته تفتح بابًا مهمًا للنقاش الهادئ والمسئول:

هل الأولوية لإنشاء كيان جديد؟

أم لتعزيز التنسيق، وتوحيد الرؤية، والاستفادة المثلى من الإمكانات القائمة؟

إن طرح هذا التساؤل لا يعنى رفض التطوير، ولا التقليل من قيمة التخصص، بل ينطلق من حرص وطنى صادق على أن تتحول الأفكار الجيدة إلى إضافة حقيقية، لا إلى ازدواجية غير مقصودة، وأن يكون الاستثمار فى الإنسان والمؤسسة بأعلى قدر من الكفاءة.

أولًا: مصر الزراعية.. رصيد تاريخى ومؤسسى كبير

تمتلك مصر منظومة زراعية وتعليمية عريقة، تمتد جذورها لعقود طويلة، وتغطى مختلف أقاليم الجمهورية. فكليات الزراعة الحكومية، التابعة لوزارة التعليم العالى، تنتشر من الإسكندرية إلى أسوان، وتضم :آلافًا من أعضاء هيئة التدريس، وعشرات الآلاف من الطلاب سنويًا، وتخصصات متنوعة تشمل الإنتاج النباتى والحيوانى، الاقتصاد الزراعى، الصناعات الغذائية، وقاية النبات، الأراضى والمياه، والتكنولوجيا الحيوية وغيرها.

وبالتوازى، تمتلك وزارة الزراعة واستصلاح الأراضى بنية بحثية وتنفيذية مهمة، فى مقدمتها:

مركز البحوث الزراعية ومعاهده المتخصصة .ومحطات البحوث والإنتاج .والأجهزة الإرشادية والخدمية.

ومع هذا الزخم المؤسسى، يظل التساؤل المشروع مطروحًا:

كيف يمكن تعظيم الاستفادة من هذا الرصيد، وتعزيز أثره على الأداء الزراعى، والأمن الغذائى، ومستقبل الخريج؟

ثانيًا: جامعة الغذاء.. فكرة واعدة وسياق يحتاج إلى دراسة

لا شك أن الدعوة لإنشاء جامعة متخصصة فى علوم الغذاء تعكس استجابة لتحديات حقيقية، من بينها:

-1 اتساع الفجوة الغذائية، وتأثيرات التغير المناخى، وارتفاع معدلات الفقد والهدر.

-2 الحاجة إلى كوادر قادرة على إدارة سلاسل القيمة الغذائية من الإنتاج إلى الاستهلاك.

غير أن النقاش الموضوعى يقتضى النظر ليس فقط إلى وجاهة الفكرة، بل إلى الإطار المؤسسى الذى ستعمل من خلاله، وكيفية ضمان تكاملها مع المؤسسات القائمة، بحيث تكون إضافة نوعية، لا تكرارًا غير مقصود، ولا عبئًا إداريًا أو ماليًا.

إن الهدف المنشود هو أن تُسهم أى مؤسسة جديدة فى دعم المنظومة، وتعزيز التعاون، وتوسيع قاعدة الكفاءة، بما يخدم المصلحة العامة.

ثالثًا: التحدى الحقيقى.. تعزيز التكامل المؤسسى

تُظهر التجربة المصرية أن التحدى الأساسى لم يكن فى نقص المؤسسات، بقدر ما كان فى الحاجة إلى مزيد من التنسيق بين التعليم والبحث والتطبيق، وربط الجهد العلمى باحتياجات الواقع، وتوضيح المسارات المهنية للخريجين، وتوحيد المرجعيات.

فمصر تمتلك كليات تُدرّس، ومراكز تُجرى البحوث، وجهات تُطبق، لكن المطلوب هو تعزيز الجسور المؤسسية التى تجمع هذه الأطراف فى إطار واحد ذى أهداف واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.

رابعًا: الأمن الغذائى.. قضية شاملة تتطلب رؤية موحدة

الأمن الغذائى قضية وطنية شاملة، ترتبط بالإنتاج، والتصنيع، والتخزين، والتسويق، والاستهلاك. وكل حلقة من هذه السلسلة تحتاج إلى تعليم متطور، وبحث تطبيقى، وسياسات متناسقة، وآليات تنفيذ فعالة.

ومن هذا المنطلق، فإن أى مبادرة تعليمية أو بحثية جديدة يكون نجاحها الحقيقى مرهونًا بقدرتها على الاندماج فى المنظومة، والإضافة إليها، والعمل فى إطار رؤية وطنية موحدة.

خامسًا: خيار التكامل.. مسار وطنى رشيد

قد يكون المسار الأكثر اتزانًا هو البناء على ما هو قائم، من خلال:

-1 تطوير كليات الزراعة الحالية، بتحديث المناهج، وربطها بسوق العمل، وتعزيز التدريب التطبيقى، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص.

-2 تعميق الشراكة المؤسسية مع وزارة الزراعة، بحيث تصبح المزارع ومحطات البحوث بيئة تدريب وبحث مفتوحة، ويُربط العمل الأكاديمى بتحديات الحقل.

-3 إنشاء كيان تنسيقى وطنى، يعمل كمظلة جامعة، دون أن يكون بديلًا أو منافسًا للمؤسسات القائمة.

سادسًا: أهمية المظلة التنسيقية العليا

تُظهر التجارب الدولية أن القضايا الاستراتيجية الكبرى تستفيد من وجود أطر تنسيقية عليا، تعمل على توحيد الرؤية، وتنسيق الأدوار، وتوجيه الموارد وفق أولويات واضحة، وقياس الأثر الفعلى على الأرض.

وفى هذا السياق، فإن التفكير فى مظلة وطنية جامعة للبحث والتعليم والتطبيق فى مجال الغذاء والزراعة يمكن أن يكون خطوة داعمة لمسار التنمية، إذا صُممت بروح الشراكة والتكامل.

سابعًا: التعاون طريق النجاح

مصر اليوم فى حاجة إلى تعزيز التعاون بين مؤسساتها، وتوحيد الجهود، والاستثمار الأمثل فى الكفاءات والخبرات. فالتحديات كبيرة، والفرص كذلك، وما يميز الدول الناجحة هو قدرتها على العمل بروح الفريق، وتقديم المصلحة الوطنية الجامعة.

ختامًا: رسالة تقدير وحرص إلى صانع القرار:

إن الزراعة المصرية، بما تمتلكه من تاريخ وإمكانات بشرية ومؤسسية، قادرة على تحقيق نقلة نوعية حقيقية، إذا ما تم البناء على التكامل، وتعزيز التنسيق، وتغليب الرؤية الشاملة.

فليكن شعار المرحلة: التكامل قبل التوسع، والتنسيق قبل التعدد، والمنظومة قبل الكيان. بهذا النهج، تنجح المؤسسات، وتزدهر المبادرات، ويتحقق الأمن الغذائى كحق أصيل لكل مواطن.

إنه طريق يتطلب جهدًا وتعاونًا.. لكنه الطريق الذى يليق بمصر.