أيمن عبد المجيد
حرب الأثمان الباهظة والمسار المصرى
من جديد قُرعت طبول الحرب فى المشرق العربى، ليدفع الجميع أثمانها الباهظة، دون اشتراط أن يكون له فيها ناقة ولا جمل.
بالمناسبة «حرب لا ناقة لى فيها ولا جمل» عبارة قالها الحارث بن عباد.. فارس وحكيم فى العصر الجاهلى، ردًا على دعوة الزير سالم له للاشتراك معه فى قتال أبناء عمومته، فى حرب البسوس التى امتدت 40 عامًا، انتقامًا لمقتل شقيقه كليب بن ربيعة بن وائل زعيم قبيلة بكر وأول ملك فى عدنان، بيد جساس ابن عمه جساس بن مرة.
البسوس هى ناقة كانت ترعى فى أرض كليب، فأمر بإبعادها وأقسم أن يقتلها إن عادت فبرّ بقسمه، فرد جساس بقتله، وجاهد الحارث لاحتواء الصراع، محذرًا من تبعاته طارحًا حلولًا تستعيد الحق سلميًا، لكنه لم يجد استجابة بل دعوة للاشتراك فى القتال فرد قائلًا:« أعتزل هذه الحرب فلا ناقة لى فيها ولا جمل».
اعتزل ابن عباد الحرب، لكن نيرانها أبت أن تتركه، فبعد 40 عامًا من القتال، الذى كانت شرارته الأولى ناقة، عاود ابن عباد جهود الوساطة، وكان قد اقترب من الموت، فأرسل ابنه الوحيد برسالة إلى كليب فاحتد عليه وقتله.
فالتهمت نيران الحرب - التى لا ناقة لابن عباد فيها ولا جمل - نجله الوحيد، ليضطر اضطرارًا لدخول الحرب ثأرًا لابنه الوحيد، وينهى تلك الحرب بإصابة كليب بكسر فى عموده الفقرى ومقتل العشرات من فرسانه.
وما بين حرب البسوس فى صحراء العرب القاحلة منذ أكثر من 1500 عام، وتلك الحرب الجديدة التى أشعلها الكيان الصهيونى حليف أمريكا فى المنطقة باستهداف إيران، تبقى القاعدة لا خير فى حرب، ولا فرصة لمن شارك فيها أو اعتزلها لتجنب تبعاتها وتحمل ولو جزء من أثمانها الباهظة.
وفى عالمنا الحديث المترابط كقرية واحدة، الآثار تطال الجميع، أزمات اقتصادية وتضخم فى الأسعار، فضلًا عن التحديات والتهديدات الجيوسياسية، وإعاقة سلاسل الإمداد وغيرها من الآثار متعددة الأبعاد.
وهنا أسئلة بالغة الأهمية تتيح الإجابة عنها فرصة لقراءة المشهد:
-1 ما أسباب تلك الحرب التى قرع الحلف الصهيو أمريكى طبولها صبيحة السبت الماضى، وهل لها أهداف خفية؟
-2 كيف تؤثر تلك الحرب على الأمن القومى العربى، وماذا يحاك للعرب من أهدافها الخفية؟
-3 ما الموقف المصرى ورؤية التعاطى مع تطورات أحداثها واتساع رقعة نيرانها؟
-4 هل يستطيع من أشعلها إطفاءها، وما المحددات والمؤثرات التى قد تدفع لأن تضع الحرب أوزارها؟
ونبدأ بالإجابة عن السؤال الأول:
حاول ترامب ونتنياهو ترويج سردية أن هذه الحرب هدفها إسقاط نظام الملالى فى إيران، لتعثر استجابته لمفاوضات وقف العمل على إنتاج السلاح النووى، وظن ترامب أنه باغتيال على خامنئى سينهار النظام سريعًا، وتنتهى الحرب الخاطفة.
حقق الهجوم الأول نتائج عملياتية، باغتيال المرشد الإيرانى الأعلى على خامنئى، المرجعية الشيعية، واغتيال قيادات الصف الأول العسكرى، وزير الدفاع وقائد الحرس الثورى وغيرهم، لكنها لم تحقق حتى الآن أهدافها السياسية بإسقاط النظام.
ولعل خريطة أهداف موجات العدوان الصهيو أمريكى، تعكس هدف شل القدرة العسكرية الدفاعية، وتصفية المنظومة الصاروخية الهجومية باستهداف منصات الإطلاق، وتدمير منشآت وقدرات الأمن الداخلى والحرس الثورى، للتشجيع على حراك داخلى للإطاحة بالنظام الإيرانى.
وقد فوجئ ترامب بصمود ورد الفعل الإيرانى والتصعيد المتسارع، مع انعدام الاستجابة الفورية لدعوته لشعب إيران لانتهاز فرصة اغتيال خامنئى لإسقاط النظام من الداخل، لكنه لم يدرك حقيقة مهمة تتمثل فى تعقيد الحالة الإيرانية، فضلًا عن أن الدول ذات الحضارات تميل القطاعات الأكبر من شعوبها إلى التلاحم فى حالات العدوان الخارجى.
الأهداف الخفية للحرب:
خلف هذه الحرب هدف خفى، وهو إعادة رسم خارطة النفوذ العالمى، فى ظل تنامى الصراع بين أمريكا والغرب والصين وروسيا وحلفائهما.
ويتلاقى هذا الهدف مع تفكيك الشرق الأوسط وإعادة رسم موازين القوى به لصالح تفوق نفوذ الكيان الصهيونى، لتعزيز قدرته على تنفيذ أدواره الوظيفية فى المنطقة.
ومن يقف على حقائق التاريخ، يُدرك أن فكرة إقامة الكيان الصهيونى، ولدت من رحم الاستعمار الفرنسى، على يد نابليون بونابرت، عندما اقترح عام 1798م على خلفية حملته على مصر والمشرق، إقامة كيان موالٍ للإمبراطورية الفرنسية، معادٍ لمحيطه العربى، لضمان حماية طرق التجارة بين المستعمرات الفرنسية فى آسيا وإفريقيا ووجد فى شتات اليهود ما يحقق هدفه، ويخلص أوروبا من سوءاتهم.
وفى 1807 عقد نابليون مجمعا يهوديا «سانهروان»، يجمع الحاخامات وقيادات طوائف اليهود حول العالم، تحت شعار «لم شمل الأمة اليهودية»! فصدر القرار رقم 3 عن مجمعهم الأول: «إيقاظ وعى اليهود حول العالم إلى حاجتهم إلى التدريب العسكرى لكى يتمكنوا من أداء واجبهم المُقدس الذى يحتاج إليه دينهم».
فشلت الحملة الفرنسية، ورحلت عن المنطقة، لتحل محلها الإمبراطورية البريطانية، بعد عقود ملتقطة، استراتيجية صناعة الميليشيات العميلة، والدولة المعلبة، ففى مذكرة 17 فبراير 1841 أعلن رئيس وزراء بريطانيا اللورد بالمرستون أن «بريطانيا تعتبر نفسها مسئولة عن مشروع استيطان اليهود فى فلسطين».
وكان هنرى كامبل رئيس وزراء بريطانيا شكل لجنة عام 1907 لاقتراح الوسائل والتدابير التى تحافظ بها الإمبراطورية البريطانية العظمى فى آسيا وإفريقيا على بسط نفوذها فى البلدان التى تسيطر عليها مع تنامى حركات التحرر.
وكان أهم ما جاء من توصيات فى تقرير تلك اللجنة، ضرورة تشكيل حاجز بشرى قوى فى المنطقة على مقربة من قناة السويس، يكون صديقًا لبريطانيا وعدوًا فى الوقت ذاته لسكان المنطقة، لتنفيذ مهمة الفصل بين الجزءين الإفريقى والآسيوى من الوطن العربى، ويقطع الامتداد البرى بين مصر والشام.
وكان وعد بلفور وما تلا ذلك من تأسيس الكيان الصهيونى، وما أشعله من حروب فى المنطقة أولها حرب 1948.
ومع تصدر الولايات المتحدة الأمريكية المشهد العالمى، كقوة عظمى بديلة عن الإمبراطورية الفرنسية والبريطانية، رعت هذا الكيان اللقيط، للاستفادة من أدواره الوظيفية التى رسمت له، وسعى قادة الصهيونية لمواصلة نفوذها داخل أمريكا والبلدان الغربية لاستثمار تلك الحاجة لتعزيز قدرات دولتهم وأوهامهم التوراتية فى إقامة ما يسمونه إسرائيل الكبرى.
وقديما قال السيناتور الأمريكى جو بايدن 1986: «لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان علينا خلقها لحماية المصالح الأمريكية فى المنطقة، دعمنا لها أهم استثمار أمريكى فى المنطقة».. وكرر وهو رئيس مع بدء العدوان على غزة: «لو لم تكن إسرائيل موجودة لاخترعناها».
جو بايدن تولى لاحقًا رئاسة أمريكا، ومن قبله وبعده دونالد ترامب، الذى تتلاقى أهدافه مع نتنياهو، لكنها أهداف أوسع اليوم، تلاقت فيها المصالح الأمريكية والصهيونية المتبادلة.
أمريكا تواجه نفوذ الصين الاقتصادى الجيوسياسى، الذى يستهدفه مشروع الحزام والطريق، وإسرائيل تستهدف استثمار ذلك الصراع على رسم خارطة النفوذ العالمى بتفكيك المنطقة لصالح تنامى نفوذها وقدراتها والتهام أراضٍ عربية جديدة.
إيران حليف صينى روسى ومتحكمة فى أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا مضيق هرمز، وغنية بثروات الطاقة والمعادن، وتعد جيوسياسيًا نقطة بالغة الأهمية فى مشروع الحزام والطريق، ومن ثم إسقاط نظامها واستبداله بنظام موالٍ لأمريكا، يعزز فرص الممر الاقتصادى الأمريكى البديل الذى يربط الهند بدول العالم فى مواجهة الحزام والطريق، أى مشروع «طريق البخور» الأمريكى الهندى فى مواجهة مشروع «طريق الحرير الصينى».
جزء من طريق البخور يمر من غزة، وهذا من أهداف وخطط التهجير الخفية، والتخلص من أذرع إيران مثل حزب الله والهدف هو تأمين الطريق المستهدف، وفى الوقت ذاته التمهيد للتخلص من النظام الإيرانى.
ننتقل لإجابة السؤال الثانى: تأثير تلك الحرب على الأمن القومى العربى.
أعتقد أن الهدف الثانى لإسرائيل هو إشعال حرب مذهبية بالمنطقة سنية شيعية، عبر جر دول الخليج لدخول الحرب فى مواجهة إيران ومن ثم تفتيت المنطقة.
من غير المستبعد تنفيذ عملاء إسرائيل وقواتها عمليات تستهدف منشآت اقتصادية فى دول الخليج وأهداف مدنية لجر السعودية والإمارات والبحرين والكويت لدخول الحرب هجوميًا.
فضلًا عن الآثار الاقتصادية المدمرة، ويقظة مصر والدول العربية، تحمى الأمن القومى العربى، فدول الخليج تكتفى بالدفاع لحماية أمنها القومى ومواطنيها من الهجمات الإيرانية وملاحقة العملاء.
والخلاصة هنا أن نظام الملالى لم يكن يومًا سوى أداة تستثمرها أمريكا والصهاينة، فقد أسس مليشيات فى بلدان عربية موالية لنظام الملالى، واليوم يستهدف الأمريكان والصهاينة القضاء عليه لأهداف جديدة وخطط جديدة لرسم معادلات القوى بالمنطقة، خطورتها مضاعفة وكما حافظت الدول العربية على توازن حمى الأمن القومى فى السابق لا ينبغى أن تقع فى فخ الحرب الجارية.
فالحرب أمريكية إسرائيلية إيرانية، وفى كل الحالات الخطر الأول والأكبر يأتى من الكيان الصهيونى.
الموقف المصرى
مصر تتخذ مسارا يتسم بالصدق والحكمة والإخلاص والاستنارة، مفاده الدعوة إلى احتواء الخلافات والصراعات بالطرق السلمية لتجنيب العالم والمنطقة ويلات الحرب وتبعاتها.
وهو ما عبر عنه الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال كلمته فى حفل إفطار القوات المسلحة المصرية الأحد الماضى، حيث أكد الرئيس أن مصر بذلت جهودًا مخلصة مستنيرة لاحتواء الصراع والحيلولة دون اندلاع تلك الحرب.
قال الرئيس عبدالفتاح السيسى: «حاولنا من خلال جهد مخلص خلال الأشهر الماضية تقريب وجهات النظر والوساطة بين الولايات المتحدة وايران للوصول لحل سلمى ومنع وصول الأوضاع لما وصلت إليه لأننا نعلم مخاطر الحرب.
جهد مخلص مستنير.. مخلص لا هدف له إلا منع الحرب.. ومستنير لأن لنا تقديرا صحيحا فالتقديرات الخاطئة دائمًا تترتب عليها نتائج خطيرة، وقد تخرج عن السيطرة».
وأضاف الرئيس السيسي: «كنا نرى أن للحروب دائمًا تأثيرا سلبيا على الدول التى تعانى من الحرب ودول الجوار خاصة مع تطور قدرات القتال».
وأشار الرئيس السيسى إلى دعم مصر للأشقاء فى دول الخليج قائلًا: «تحدثت مع الأشقاء فى الخليج.. السعودية والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان والأردن.. ومن الأخطاء فى تقديرى الاعتداء على دول الجوار تحت أى أسباب.. وأكدنا وقوفنا مع أشقائنا فى الأزمات».
ولقد بعث الرئيس السيسى برسالة طمأنة لشعب مصر: «اطمئنوا على مصر كويس محدش بفضل الله، بفضل الله، بفضل الله يقدر يقرب للبلد دى».
وتتخذ مصر من الإجراءات اللازمة لاحتواء تأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد وغيرها من التأثيرات الاقتصادية بما اتخذته داخليًا من إصلاحات ومخزون استراتيجى من السلع وما أنجز على مدار السنوات الماضية.
وتبقى الرسالة الأهم أن مصر حكومة ومؤسسات وشعبا قوتها فى وعى شعبها وبنيانه المرصوص، ودائمًا يؤكد الرئيس بفضل الله قبل كل شيء ووعى شعب مصر تحيا مصر محفوظة بإذن الله.
والإجابة عن السؤال الرابع: إطفاء نيران الحرب، تكمن فى عدة محددات، فقد أساء ترامب التقدير، ولم تتحقق أهدافه السريعة وخسائر أمريكا تزداد، وكذلك إيران ومن ثم طول أمد الحرب يجعل المعارضة الداخلية فى أمريكا تمارس ضغوطها.
مدى سعى الصين وروسيا لاستثمار هذه الحرب لتقديم دعم خفى لإيران لتعزيز قدراتها على الصمود واستنزاف أمريكا كما حدث مع روسيا فى أوكرانيا.
قدرة المنظومة الدولية على الضغط مع تنامى الخسائر الاقتصادية وإعاقة خطوط الملاحة وتأثيرات الحرب على إمدادات الغاز والنفط، وهنا أمريكا تسعى لدفع فرنسا وبريطانيا لدخول تلك الحرب، وبدأت تحركات عملية لذلك.
إذن قدرة إيران على الصمود وتوجيه ضربات موجعة للأمريكان والصهاينة لفترة أطول قد تدفع الأطراف للجلوس للتفاوض، وحال انهيار إيران داخليًا فقد تنتهى المعركة بسقوط النظام لكن تبعات ذلك ستستمر لسنوات، ومخططات الصهاينة فى تلك الحالة ستتجه لتحقيق أهداف أوسع بعدوان جديد، وفى مقدمته العودة إلى محاولة جديدة لتهجير أهالى غزة.
فمصلحة العرب الآن هى توقف الحرب بتوازن قوى دون أن تُهزم إيران، ولذا يجب الحذر من جر دول خليجية لدخول الحرب.
حفظ الله مصر والعرب






