الثلاثاء 10 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
كيف تحمى مصر أمنها الغذائى وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

كيف تحمى مصر أمنها الغذائى وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؟

فى عالمٍ تتشابك فيه الأزمات السياسية مع الأسواق الاقتصادية، لم يعد الأمن الغذائى ملفًا زراعيًا أو تموينيًا فحسب، بل أصبح ركيزة من ركائز الأمن القومي. ومع تصاعد التوترات الإقليمية، واندلاع الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران، تتجدد المخاوف العالمية من اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، بما ينعكس مباشرة على الدول المستوردة للغذاء، وفى مقدمتها مصر.



هذه الحرب  كغيرها من الصراعات الكبرى لا تقف آثارها عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد إلى الموانئ والمضايق البحرية وأسواق الحبوب العالمية وشركات التأمين والنقل، لتفرض واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا على العالم كله. وفى هذا السياق المعقّد، تبرز التجربة المصرية باعتبارها نموذجًا لدولة تستعد قبل الأزمة، وتتحرك أثنائها، وتخطط لما بعدها.

أولًا: الحرب الإقليمية وسلاسل الإمداد… كيف يتأثر الغذاء عالميًا؟

اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يحمل تداعيات مباشرة وغير مباشرة على الأمن الغذائى العالمي، أبرزها:

اضطراب سلاسل الإمداد الدولية نتيجة التوتر فى الممرات البحرية الحيوية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، زيادة أسعار القمح والحبوب والزيوت فى البورصات العالمية، نتيجة المخاوف والمضاربات وتقليص المعروض، ضغط متزايد على الدول المستوردة للغذاء، خاصة تلك التى تعتمد على الاستيراد لتأمين جزء كبير من احتياجاتها، تداخل أزمة الغذاء مع أزمة الطاقة، حيث يؤثر ارتفاع أسعار الوقود على تكلفة الزراعة والنقل والتصنيع.

هذه العوامل مجتمعة تجعل من ملف الأمن الغذائى معركة وعى وتخطيط وإدارة، لا تقل أهمية عن أى معركة سياسية أو عسكرية.

ثانيًا: رؤية الدولة المصرية.. من رد الفعل إلى الفعل الاستباقى

اللافت فى التجربة المصرية خلال السنوات الأخيرة، أنها انتقلت من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة مرنة قادرة على امتصاص الصدمات، ومع تصاعد الأزمات الدولية منذ جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية–الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات الحالية، تعاملت الدولة مع الغذاء باعتباره أولوية قصوى.

وتقوم هذه الرؤية على ثلاثة محاور رئيسية:

1 - تعزيز الإنتاج المحلى.

2 - تأمين الاحتياطى الاستراتيجي.

3 -؛ضبط الأسواق وحماية المواطن.

ثالثًا: القمح أولًا… معركة الاكتفاء النسبى..

1 - زيادة الإنتاج المحلى بالأرقام

يُعد القمح حجر الزاوية فى الأمن الغذائى المصري. وحتى عام 2026، نجحت الدولة فى تحقيق قفزات ملموسة فى هذا الملف:

أ)- زيادة المساحة المنزرعة بالقمح لتتجاوز 3.6 مليون فدان.

ب)- ارتفاع متوسط الإنتاجية إلى نحو 18–19 إردبًا للفدان فى العديد من المحافظات.

ج)- وصول إجمالى الإنتاج المحلى إلى قرابة 10 ملايين طن سنويًا، وهى أعلى مستويات تاريخية.

2 -  سياسات تحفيز الفلاح.

لم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل نتيجة سياسات واضحة:

أ)- إعلان سعر ضمان مجزٍ قبل موسم الزراعة، يفوق الأسعار العالمية فى كثير من الأحيان، لحماية الفلاح من تقلبات السوق.

ب)- توفير التقاوى المعتمدة والأسمدة المدعومة.

ج)- التوسع فى الإرشاد الزراعى واستخدام الأصناف عالية الإنتاجية.

3 - تعزيز  منظومة التوريد من خلال:

أ)- تنظيم أكثر من 420 نقطة تجميع على مستوى الجمهورية.

ب)- تسهيل إجراءات التوريد وسرعة صرف المستحقات.

ج)- تقليل الفاقد وتحقيق أعلى كفاءة فى جمع المحصول.

رابعًا: الصوامع والمخازن... من الهدر إلى الأمان الاستراتيجي

أدركت الدولة مبكرًا أن الإنتاج وحده لا يكفى دون بنية تخزين حديثة، لذلك شهد ملف الصوامع نقلة نوعية:

1 - إنشاء نحو 50 صومعة حديثة موزعة على 17 محافظة.

2 - إضافة طاقات تخزينية تقارب 1.5 مليون طن.

3 - وصول إجمالى السعة التخزينية للحبوب إلى أكثر من 6 ملايين طن.

هذه الصوامع:

1 - خفّضت فاقد التخزين من أكثر من %10 إلى أقل من %2.

2 - حسّنت جودة القمح المخزّن.

3 - منحت الدولة مرونة زمنية فى الشراء والتوزيع.

كما تلقت مصر دعمًا دوليًا فى هذا الملف، من بينها اتفاقيات تمويل مع بنك الاستثمار الأوروبى بقيمة تقارب 90 مليون يورو؛ لدعم صمود منظومة القمح والبنية التحتية المرتبطة به.

خامسًا: المخزون الاستراتيجي… أمان لعدة شهور..

حتى عام 2026، تؤكد البيانات الرسمية أن:

1 - المخزون الاستراتيجى من القمح يكفى أكثر من 6 أشهر، فالسكر والزيوت والأرز والسلع التموينية الأساسية فى مستويات آمنة.

2 - هناك تنويع حقيقى فى مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر الجيوسياسية.

هذا المخزون لا يهدف فقط إلى التوافر، بل إلى:كبح جماح الأسعار.

ومنع حدوث فجوات مفاجئة فى السوق. وطمأنة المواطن وتقليل الهلع الشرائي.

سادسًا: ضبط الأسواق.. معركة لا تقل أهمية

فى زمن الأزمات، لا تقل خطورة الاحتكار والشائعات عن نقص السلع. ولذلك تتحرك الدولة على عدة مسارات:

1 - تكثيف الرقابة على الأسواق والمخازن.

2 - التوسع فى معارض «أهلاً رمضان» و«سوق اليوم الواحد».

3 - زيادة المنافذ الحكومية والتابعة للقوات المسلحة والشرطة.

4 - تشديد العقوبات على الاحتكار والتلاعب بالأسعار.

والهدف واضح: أن تصل السلعة للمواطن بسعر عادل وجودة مناسبة.

سابعًا: الدور المطلوب من الدولة فى المرحلة الراهنة..

فى ظل الحرب الإقليمية الحالية وتداعياتها المحتملة، يبرز عدد من الأولويات: مواصلة دعم الفلاح والمنتج المحلي، الإسراع فى مشروعات التوسع الأفقى والرأسي، تعزيز الشفافية فى الإعلان عن المخزون والأسعار، تطوير نظم الإنذار المبكر للأزمات، الاستثمار فى التصنيع الغذائى وتقليل الفاقد.

ثامنًا: المواطن شريك فى معركة الأمن الغذائى..

لا يكتمل نجاح أى سياسة دون وعى مجتمعي. ودور المواطن لا يقل أهمية عن دور الدولة، ويتمثل فى:

١- عدم الانسياق وراء الشائعات.

ترشيد الاستهلاك وعدم التخزين المبالغ فيه.

٢- دعم المنتج المحلي.

٣- الإبلاغ عن الممارسات الاحتكارية.

٤-الأمن الغذائى مسئولية مشتركة، تبدأ من الحقل ولا تنتهى عند مائدة الطعام.

ختامًا: الأمل وسط العاصفة

وسط عالم مضطرب، وحرب تلقى بظلالها الثقيلة على الأسواق الدولية، تثبت مصر أنها دولة تتعلم من الأزمات ولا تُفاجأ بها. فبفضل التخطيط المبكر، والاستثمار فى الإنسان والبنية التحتية، وتعزيز الإنتاج المحلي، استطاعت أن تحوّل التحديات إلى فرص، والخوف إلى طمأنينة.

إن ما تحقق حتى عام 2026 فى ملف الأمن الغذائى ليس نهاية الطريق، بل أساس صلب لمرحلة أكثر استقرارًا. ومع استمرار العمل الجاد، وتكاتف الدولة والمواطن، ستظل مصر – بإذن الله – قادرة على حماية لقمة عيش أبنائها، مهما اشتدت العواصف من حولها.