السبت 4 أبريل 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
قلم إحسان عندما يغضب ويضحك ويرضى!

قلم إحسان عندما يغضب ويضحك ويرضى!

غالبية أبناء هذا الجيل من الزملاء والزميلات - وغيرهم - ما عادوا يستخدمون «القلم» فى كتابة موضوعاتهم ومقالاتهم الصحفية، والمؤكد أنهم لا يعرفون أنواع الأقلام التى كانت سائدة فى جيلى وزمنى، من القلم الحبر والقلم الرصاص إلى الأقلام الجاف والفلوماستر!!



إنهم جيل الكمبيوتر والآيباد والزراير والنقر عليها بسرعة فائقة دون أن يخطئوا فى الإملاء والهجاء، ولذلك لن يشعروا بعذاب أن يضيع «قلمه» فلا يدرى ماذا يفعل!!، ولم يجربوا تلك العلاقة الحميمة بين القلم والورق سواء، كان ورق دشت الصحف أو الورق الفاخر!!

ولمن لم يعش هذه التجربة أروى له «تجربة ومشاعر الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس» عندما ضاع قلمه وفقده فى مقال رائع عنوانه «قلمى» كتبه فى «روزاليوسف» فى سبتمبر 1947 قال فيه:

ضاع منى قلمى ضاع القلم الذى عاش معى خمس سنوات كاملات، وكنت أضمه بين أصابعى كل صباح ومساء وأهمس إليه بخواطرى وأبثه بشكواى.. القلم الذى كان يئن معى ويضحك معى ويغضب إذا غضبت ويرضى إذا رضيت دون أن يسألنى لماذا غضبت ولماذا رضيت؟!

ضاع قلمى الذى حمل قلبى إلى السيدة الوحيدة التى أحببتها وكان رسولًا أمينًا لغرام أمين، ثم تولى عنى توقيع وثيقة زواجى بمن أحببت ووقفت بجانبى مخلصًا حتى تولى توقيع شهادة ميلاد ابن الحب الذى رعاه!!

ضاع القلم الذى هاجم معى اللورد «كيلرن» - المندوب السامى البريطانى - ثم لم يرض أحد أن يشاركنى السجن إلا هو.. القلم الذى لم يكن يخاف قانونًا ولا يخاف إنسانًا طالما أنه معى وفى يدى!! القلم الذى طاف بى فلسطين وسوريا ولبنان وفرنسا وإنجلترا.. ولم يكن ينام إلا إذا نمت، فإذا استيقظت كان بين يدى عبدًا مطيعًا بل صديقًا مخلصًا!!

ولم يكن قلمى جميلًا بل كان قلمًا هرمًا مغضن الوجه مفكك الأوصال ولكن بما له كان فى قوة احتماله وفى قلبه الطيب وفى قناعته، فهو لا يسأل أبدًا عن مزيد من الحبر فالقليل منه يكفيه، ولا يسألك أبدًا أن تحمله إلى محل تصليح أو تجميل فهو دائمًا على استعداد لأن يقوم بواجبه مهما تراكمت عليه السنون!

ولم أكن أنا صاحبه الأول بل عاش مع الأستاذ «محمد التابعى» سنوات لم يتخل فيها عنه، بل الأستاذ «التابعى» هو الذى تخلى عنه ووهبه لى كما يوهب العبيد!!

ولم يتذمر القلم وهو ينتقل من يد كاتب كبير إلى يد كاتب صغير لا يزال يحبو على صفحات الصحف، بل رعا صاحبه الجديد وتحمل شططه وسخافاته حتى استطاع أخيرًا أن يقف به على قدميه ويدفع به إلى الصفحة الأولى.

وقد ضاع القلم فى الأسبوع الماضى، وراحت جهودى التى بذلتها فى البحث عنه سدى.. وربما مات بعد أن أنهكته السنون، وأشفق على أن يموت فى يدى فآثر أن يموت بعيدًا عنى فى مكان ما حتى لا أتألم وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وأبكيه!!

وبين يدى الآن قلم جديد أهداه لى زملائى أفراد أسرة «روزاليوسف» إنه قلم جميل، ولكن لا أرتاح إليه.. إنى أحس به وهو بين يدى وكأنى أحتضن زوجة صديقى!!

أو كأنى أغازل امرأة لا أعرفها إنى أحس به لا يستقر بين أصابعى وكأنه عروسة فى ليلة الدخلة زوجوها بلا حب وبلا مقدمات وإنى أخاف أن أثور به فيتخلى عنى فى منتصف الطريق ولا يعبر عن ثورتى بأمانة، وأخاف أن أهمس له بأسرارى فيفضحني!!

وينهى «إحسان» مقاله البديع قائلاً: «وربما أخلص لى قلمى الجديد، وهو يسمع الآن قصة إخلاصى وحبى وغيرتى على قلمى القديم.

مقال الأستاذ إحسان جعلنى أتساءل: هل أبناء هذا الزمن يحسون هذه الأحاسيس والمشاعر تجاه جهاز اللاب توب إذا تعطل لسبب ما ولم يستطيعوا الكتابة؟! 

وللحكاية بقية!