السبت 4 يوليو 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
فرق السرعات

فرق السرعات

منذ أن بدأ وعينا يتشكل ونحن نستمع دائمًا إلى وصف لعصرنا بأنه «عصر السرعة».... اتذكر لقاء تليفزيونيًا للولد الشقى عمنا الأستاذ محمود السعدنى يصف عصرنا بنفس الصفة...ربما اللقاء كان فى الثمانينيات من القرن الماضي...أى منذ مالا يقل عن 35 عامًا.... دلل الأستاذ بظرفه المعهود على أن العصر الحالى هو عصر السرعة مقارنة بالخمسينيات بانه قد قطع المسافة من الإسماعيلية الى القاهرة فى شهر...30 يومًا بالتمام والكمال...البرنامج اسمه «قصر النجوم» والمذيع هو الكابتن مدحت شلبى ويمكن لك عزيزى القارئ البحث عن اللقاء  على موقع اليوتيوب والاستمتاع به كاملا.



العامل الأساسى هو سرعة وسائل النقل ودرجة تعبيد الطرق أو وعورتها....بداية من استخدام الحيوانات والسفن وصولًا إلى الطائرات النفاثة والصواريخ....من استخدام الأفراد فى نقل الرسائل...مرورًا بالحمام الزاجل...وصولا إلى انتقال المعلومات من خلال شبكة الإنترنت....بالمناسبة فإن سرعة انتقال البيانات والمعلومات من خلال شبكة الإنترنت حاليًا هى تقريبًا نفس سرعة الضوء وهى أعلى سرعة معروفة طبقًا لما أفاد به العالم ألبرت أينشتاين فى نظرية النسبية وربطه لسرعة الضوء بالزمن  وفرضية تراجع الزمن إن استطعنا التحرك بسرعة أكبر من سرعة الضوء وهى فرضية خيالية ولكنها تأتى نتيجة المعادلات الرياضية الموضوعة وتلك قضية أخرى.

تلك السرعات الكبيرة فى انتقال السلع والخدمات ومنها خدمات المعلومات أدت الى المساهمة فى تعميق وفرض قواعد العولمة على كل أرجاء الأرض.... انتقال الأخبار أصبح مهولًا.... مقارنة ذلك على سبيل المثال مع الماضى ...منذ مئة عام احتاج الأمر إلى عدة أيام لتعلم كل بلدان الأرض بنشوب الحرب العالمية الأولى .... ثم استغرق الأمر دقائق  ليعرف العالم كله باغتيال الرئيس الأمريكى جون كينيدي...ثم ثوانى معدودة ليعرف العالم كله بتوجيه ضربة من قوات التحالف على مدينة بغداد....كل هذا قبل انتشار شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعى والتى سيطرت فى العشر سنوات الماضية على كل الأخبار والأفكار وتم استخدامها فى أغراض اقتصادية وسياسية ودينية بواسطة وكالات الانباء ودور النشر والصحافة و أيضا الحكومات والقطاع الأكاديمى وشركات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنى والمنظمات السرية والجماعات الإرهابية والأفراد ذوى التوجهات المختلفة والعديد من التقسيمات الأخرى.

التواصل الاجتماعى السريع والمستمر أدى أيضا إلى اختصار الزمن المستغرق فى الفهم وتكوين القناعات... ربما فى الماضى كنت تحتاج إلى عشر سنوات أو أكثر  لتتعرف على أيديولوجية دولة أو جماعة أو فرقة أو تتعرف على توجهات صديق أو قريب ...أما الآن فإن الأمر لا يحتاج الى الكثير من الوقت لتتصفح ما هو متاح فى النطاق العلنى Public Domain  لتتعرف على تلك التوجهات وتعرف كيف تتعامل مع هذا الشخص أو تلك الشركة أو تتعرف على  مدى صدق واتساق تلك الشخصية العامة كما تعيد أيضًا تعديل قناعاتك الدينية وتمتلك الشجاعة على نقد ما لا ترتاح له ولا يطمئن له قلبك مقارنة بحالة الاستسلام التى كانت تفرضها علينا قلة المعلومات وبطء تدفقها.

أتصور أن الخطوة التالية لتشكيل الوعى هى خطوة العمل بما علمنا...لا أن نستمر أسرى دائرة تشكيل الوعى أو الترفيه والتسلية.... فالعمل هو الوسيلة الوحيدة للحصول على النتائج...تلك النتائج التى حتما ستأتى لترسيخ قناعات ذلك الوعي.