عصام عبد الجواد
خيرُ أجناد الأرض
بعد الهزيمة القاسية فى حرب يونيو 1967 التى عرفت بالنكسة، عاش الشعب المصرى والشعوب العربية والإسلامية حالة من الانكسار النفسى والسياسى، فقدت مصر سيناء وسقطت غزة والضفة الغربية والقدس، واحتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية، ولكن وسط هذا الظلام، بدأت مصر مرحلة جديدة من المقاومة أطلق عليها حرب الاستنزاف، والتى استمرت منذ عام 1968 حتى عام 1970 وكانت بمثابة تدريب عملى على الصمود والردع، خاصة أن الجيش المصرى طوال هذا الوقت كان يبنى قواته العسكرية بشكل أكبر بكثير عما كان عليه فى الماضى، وبدأ التخطيط لعملية عسكرية غير مسبوقة تعيد للعرب ثقتهم بأنفسهم، فلم يكن اختيار يوم السادس من أكتوبر العاشر من رمضان صدفة بل كان نتاج دراسة دقيقة للظروف النفسية والدينية للعدو، الذى يحتفل فى هذا اليوم بأقدس أعيادهم، وهو نفس اليوم الذى انتصر فيه المسلمون على كفار قريش فى غزوة بدر، والتى كانت بداية تثبيت العقيدة الإسلامية، وبداية هزيمة كفار قريش والقضاء على عبادة الأصنام فى الجزيرة العربية، وانطلاق دعوة الإسلام فى كل ربوع الأرض،لينير لنا الطريق إلى عبادة الواحد الأحد والتخلص من العادات القديمة، مثل وأد البنات والقضاء على أكل الحرام، ونشر العدل والمحبة بين البشر فى كل أنحاء العالم.
فمن أعظم ما ميز حرب أكتوبر، أنها اندلعت فى شهر رمضان، شهر الصيام والعبادة والتقوى، شهر النصر، وكأنها رسالة من السماء بأن النصر لا يقاس فقط بعدد الدبابات والطائرات بل بصدق النية وقوة الإيمان بعد أن خاض الجنود المصريون المعركة وهم صائمون يحملون فى قلوبهم يقينًا لا يتزعزع بأن الله معهم، وأن الأرض التى يدافعون عنها ليست مجرد تراب، بل عرض وكرامة وتاريخ، ولم يكن الصيام بالنسبة لهم عائقًا بل كان قوة روحية تمدهم بالطاقة ويزرع فيهم الصبر والثبات فى وجه العدو المدجج بأحدث الأسلحة، وقد أثبتت هذه الحرب أن الإيمان ليس مجرد شعور داخلى، بل قوة عملية تترجم إلى شجاعة وتضحية، وأن الجندى المؤمن يستطيع أن يصنع المعجزات حين يوقن أن الله لا يخذل من يقاتل فى سبيل الحق.
فإذا نظرنا إلى غزوة بدر وحرب أكتوبر 1973 فنجد صيام المجاهدين ونصر المؤمنين متشابهان فى كل الظروف، ففى التاريخ الإسلامى تظل غزوة بدر رمزًا خالدًا لانتصار القلة المؤمنة على الكثرة المدججة بكل أنواع القوة من سلاح وعتاد ومؤن وتأييد من كل القبائل، لكن قوة الإيمان وعزيمة المجاهدين حققت النصر وهو ما حدث بالضبط فى حرب العاشر من رمضان عام 1973 عندما ظهر الجندى المصرى على حقيقته، فهو خير أجناد الأرض، استطاع الجيش المصرى العظيم أن يحقق أعظم وأهم انتصارات الأمة العربية فى العصر الحديث على العدو الغاشم الذى أطلق على جيشه بأنه الجيش الذى لا يقهر، فهزم من الجيش المصرى فى ست ساعات فقط، بل كانت المعجزة الحقيقية التى وقف أمامها كل خبراء الحروب صامتين، وهى تحطيم خط بارليف الحصين الذى يعد أقوى مانع مائى محصن بكل أنواع المواد المتفجرة التى يستحيل أن يفكر أحد فى اقتحامها والتى تحول المجرى المائى إلى جحيم، لكن العقول المصرية وبعزيمة أبنائها وقوة جيشها استطاعت أن تحطم وتقضى على هذه الأسطورة، وأن تدك حصون العدو، مما جعله يستنجد بكل القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن شعروا بأن نهايتهم أصبحت على المحك، وأن الجيش المصرى قد حطم كل النظريات العسكرية، وتخطى المستحيل، وأصبح فى طريقه للقضاء على هذا العدو المحتمل، حتى أصبح يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر هو اليوم الأسود على تل أبيب، وهو يوم الانتصار العظيم لجيش مصر الباسل وجنوده الأفذاذ خير أجناد الأرض.. حفظهم الله ورعاهم وجعلهم العين الساهرة لحماية وطننا الغالى.
حفظ الله مصر قيادة وشعبًا وجيشًا.







