الثلاثاء 11 أغسطس 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا
الأخلاق والقانون

الأخلاق والقانون

أحيانا ما تصبنا الدهشة والحيرة عندما نلقى نظرةً على النظم التشريعية بدول العالم، والتى تبدو من أول وهلة أنها جامعة مانعة تغطى جميع جوانب الحياة وكافية لتنظيم سلوك البشر، ولكننا نفاجأ بأن الواقع يخبرنا بأنها فى بعض الدول لا تعدو أن تكون مجرد حبر على ورق أو أداة فى يد المفسدين والمهتزين، فى حين أنها يُكَنُّ لها كل التبجيل والتوقير والسمو فى دولٍ أخرى.. فما السر وراء ذلك؟!



فالشاهد أن البشر عندما ابتدعوا القانون فإنما كان الغرض منه تنظيم العلاقات والسلوك بصورة مجردة، فبدايته معروفة تاريخياً فقد كانت تأتى من السلطة الأعلى فى صورة قواعد إلى الدهماء أو العامة، ثم تطورت هذه القواعد بعد ذلك حتى صارت ما صارت إليه الآن بالنظم الديمقراطية لتأتى من الشعب باعتباره مصدر السلطات، ولكن - إذا كان الحال كذلك -  وإذا كان السؤال مازال مطروحاً؛ فلمَ يتفاوت احترام القانون من دولة إلى أخرى وكذلك لِمَا تتفاوت مسألة إنفاذ القانون من دولة إلى أخرى؟.. للإجابة عن هذه الأسئلة دعونا - قبل أى شىء - نلتفت عن العقبات والأسباب التى تؤثر فى مسألة تطبيق القانون والتى تتباين من دولة إلى أخرى.. ونستسلم لخيالنا فنفترض أن هناك بقعة من الأرض يعيش من فيها من البشر بأخلاق رفيعة  وقيم راسخة فى بساطة ووئام ومحبة وتعاون فيما بينها على الخير وتنبذ كل ما يشذ عن منظومة الأخلاق التى تنعم بظلالها، فى حين أن بقعة أخرى ليست ببعيدة عنها تتمتع بالقوة والنفوذ، ولكن منظومة الأخلاق فيها باتت تحتل موقعاً متأخرا ومتدنياً ضمن أولويتها، فأيهما برأيك يمكن للإنسان أن يفضل؟.. الواقع يخبرنا أن النموذج الأول سوف يكون بيئة صالحة للتقدم والازدهار والرخاء وأن القانون سيكون ضمانةً للتصدى لأى سلوك منحرف عن الطريق المستقيم، وقطعاً فى هذا المجتمع سوف تجد كل فئاته تتعاون وتتكاتف على إنفاذ القانون باعتباره ضمانة أساسية للتعايش فى استقرار وأمان تحت مظلة أخلاقية رفيعة يحرصون عليها حرصهم على الحياة، وسوف تعتبر مسألة اختراق القوانين فى هذا المجتمع أمراً ممقوتاً ومرفوضاً من أفراده وسوف تجده مجتمعاً شديد الحساسية لأى ظاهرة إجرامية ومن ثم تجده يسارع لوأدها بجميع الوسائل قبل استفحالها، أما النموذج الثانى، فغالباً ما تجد أن القانون لديه ما هو إلا وسيلة حماية وقتية لواقعة ما، إذ لا يلقى أفراد هذا النموذج بالاً بالقوانين إلا حينما تمسهم مسألة ما ترتبط بأحد قواعده؛ فيلقون عليه نظرة عابرة، وتجدهم لا يهتمون بتوسيع مداركهم وثقافاتهم القانونية بل أحيانا يلتمسون السلوك المخالف للقانون لإتباعه فيما اعتاد الناس ويعارضون بشدة من يعترضهم عندما يأتون هذه السلوك عن جهل.. ولكن ماذا يعنى ذلك؟

 ذلك يعنى بكل بساطة أنه إذا أرد مجتمع ما أن يحترم أفراده القانون فلتقم منظومة الأخلاق قبل منظومة القانون أو يسير فى كلاهما فى خطين متوازيين فلا يمكن الاستغناء بمنظومة القانون عن منظومة الأخلاق، إذ يتوهم من يظن أن منظومة القانون كافية لتحقيق ما نصبوا إليه من رقى فى السلوك وتحضر، فمنظومة القانون لا يمكن أن تغنى عن منظومة الأخلاق ولا يمكن أن تكون بديلاً لها.