د.عزة بدر
«أنا وهيبة» رواية حياة
تمر فى حياتنا نماذج إنسانية فريدة، صنعت أسطورتها، ومضت فى صمت نبيل، نماذج لأبطال وبطلات تنبض شخصياتهم برواء الحياة الثرى، ومسيرتهم تستحق أن تكون روايات تُحكى.
وفن السيرة الروائية هو أقرب أشكال السرد لتناول هذه النماذج الإنسانية، وتجسيد أسطورتهم الخاصة من خلال مزج الحقيقة والخيال، وثقافة السارد الفنية، وذائقته الجمالية، وفنه فى إذكاء روح الحكاية.
رواية «أنا وهيبة» للكاتبة فاطمة العوا، تنتمى إلى فن السيرة الروائية، وقد صدرت حديثا عن دار السراج للنشر والتوزيع.. تمزج الكاتبة حكمة الحياة بحبكة الفن فتصوغ سيرة جدتها «وهيبة» بما امتلكت من حقائق عن حياتها، وبما اعتمدت عليه من عتبات سردية، تمثلت فى استعانتها بمقتطفات من كلمات لبهاء طاهر - فى روايتيه: «واحة الغروب»، و«نقطة النور» - والمقتطفات تعزز الفكرة فهى عندما تتذكر جدتها تتذكر كلمات يقول فيها بهاء طاهر فى روايته «واحة الغروب»: «لم أفهم معنى ذلك الموت، لا أفهم معنى للموت، لكن ما دام محتمًا فلنفعل شيئا يبرر حياتنا، فلنترك بصمة على هذه الأرض قبل أن نغادرها» وقد تركت السيدة «وهيبة» بصمتها الخاصة، وشجعت بنات عائلتها على التعلم والدراسة، فى أوائل أربعينيات القرن الماضى، وكانت «وهيبة» من أوائل الفتيات اللواتى التحقن بمدرسة «طما» للبنات بصعيد مصر، وانضمت لمدرسة المعلمات فى أسيوط، وعملت فى السلك التعليمى، كما درست التمريض وحصلت على شهادة عالية فيه وتهتم هذه السيرة الروائية برصد أحوال تعليم البنات فى الصعيد، وخاصة فى «طما» فتقول الساردة إن مدرسة «الست» كما يُطلق عليها المحبون لهذه المدرسة، ولشخصية السيدة «هيلين فورهوفة» التى أسستها وهى هولندية جاءت إلى مصر فى ثلاثينيات القرن الماضى عام 1937، وأنشأت مدرسة للبنات فى «طما» بسوهاج، وعملت بها، كما أنشأت مدارس لمحو الأمية، ومدارس تطريز وخياطة، ومدارس أحد وظلت «هيلين» تعيش فى مصر حتى عام 2014، وتوفيت عن عمر يناهز المائة عام، ودُفنت فى «طما» حسب وصيتها، فى مدافن كنيسة الشهيد «أبوفام».
وتصف الساردة فى تأملاتها ذلك النهر، نهر العطاء الذى كانت تغرف منه الجدة، وتفيض بخيره على الآخرين.
فامتد عطاؤها إلى حياة الأبناء والأحفاد، وها هى تصف تأثيرها على الأحفاد، وخاصة ابنتها فتقول: «وجدت ابنتى» وهى تقود «السكيت بورد» مثبتا فى قدميها بينما تقفز، وترتفع فى الهواء، يتحد لون ما ترتديه «التى شيرت» فتصبح كأنها قطعة منها، صافية بصفاء السماء، قوية بقوة عمدانها التى لا نراها، «وهيبة» لن تموت، حريتها وانطلاقها عَبَرا من جدتها إلى أمى «أسمهان»، وسيمران من جيل إلى جيل، ولن توقفهما أية قوة، رضيتُ، قَرّ قلبى، ولماذا كانت رحلتى مع «وهيبة» للأمل، لليقين، وأنه مهما كان مصيرى فالنهر مستمر فى الجريان، شق مجراه منذ زمن، والمياه تجرى فيه، ولن تتوقف بمغادرة أى منا، لم توقفها مغادرة «وهيبة»، ولا مغادرة أمى من بعدها، وترسم الساردة صورة فى مخيلتها للجدة «وهيبة»، ومسيرتها، وتقدم لذلك بكلمات لبهاء طاهر من روايته «حب فى المنفى»: «أية نعمة أن أراها هناك آتية من آخر الطريق، تخطو وبسرعة كعادتها لا تمشى بل تطفو، وفوق أثير لا يُرى».
ومن نِعَم جدتها أنها كانت وراء تعليم كل بنات الأسرة، ودائما ما تنصح كل بنت بأن تكمل تعليمها قبل الزواج بل أن يكون إكمال التعليم شرطا للزواج.
وتأمل الساردة أن تحصل ابنتها على الحرية المسئولة نفسها التى حصلت عليها الجدة فوصلت بها إلى آفاق أرحب وأغنى وأعمق، وتنصحها بأن تكمل الطريق، وألا يقطعه عليها قاطع وتتذكر مقولة لبهاء طاهر عن قيمة الحرية - من مجموعته القصصية: «لم أكن أعرف أن الطواويس تطير»: «عن نفسى، إذا كان ثمن المساعدة هو حريتى، فلا أريد أن يساعدنى أحد، لا أريد وصاية من أحد».
لقد امتلكت الجدة «وهيبة» حريتها المسئولة، ورغم أن القوانين حينذاك كانت تقضى بعدم زواج المعلمات قبل سن الثلاثين، لكنها تمكنت من الزواج مبكرا، وعاش كل منهما هى وزوجها فى مدينة حسب التوزيع الوظيفى، كلٌ فى بلد مختلف عن الآخر، وكان يلتقيان فى الإجازة الصيفية ونهاية الأسبوع، ثم عملت الجدة «وهيبة» بعد ذلك مديرة لمدرسة البنات فى «نجع حمادى»، وعمل زوجها مديرا لمدرسة البنين فيها.
وتختتم الساردة روايتها لتطل علينا الجدة نموذجا إنسانيا فريدا، عاشت الحياة بحلوها ومُرها، وصنعت أسطورتها الخاصة فى التعلم والتدريس، وفى الزواج والأمومة وتمتعت بالقدرة على التغلب على الصعاب.
فن الرواية هو الذى يستطيع أن ينقل إلينا خبرات الحياة، وتجاربها، ويُعرفنا على نماذج إنسانية فريدة، لم نكن لنعرفها لولا هذا الفن الجميل الذى يعزف على أوتار القلوب، ويقدم لنا أبطالا نعيش معهم، ويصبحون حاضرين فى ذاكرتنا، وكأن الرواية قد أصبحت ديوان حياتنا اليومية.









