الجمعة 18 سبتمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
عبد الصادق الشوربجي
رئيس التحرير
احمد باشا

صدرت عن الهيئة العامة للكتاب

«شعر الطبيعة».. رحلة فى عوالم البيئة ملهمة المبدعين

استولى الموحدون على الأندلس بعد عبور جيوشهم من المغرب سنة 541 هـ إلى الأندلس، وأخضعوا الكثير من البلاد الأندلسية مثل: باجة، ولبلة، وشلب، وأشبيلية، وقرطبة، وشريش، وكانت الخلافة الموحدية حريصة على توطيد العدل وقمع الظلم.



وقد ازدهرت الحياة الأدبية والفكرية فى عهد الموحدين، فكانت نتيجة طبيعية منسجمة مع الاهتمام البالغ الذى أولاه الحكام أنفسهم للفكر والأدب والعلم والعلماء, وباتت الأندلس منارة للعلم والعلماء، حيث كانت أشبيلية آنذاك هى المدينة التى يقصدها العلماء والأدباء لطلب العلم من كل أرجاء العالم، بعد ان كانت قرطبة هى التى تحتل المكانة والمنزلة بين المراكز الثقافية فى الأندلس على عهد بنى أمية فى القرن الرابع الهجرى .ويكاد يتفق النقاد أن الطبيعة والإبداع الفنى وجهان لعملة واحدة، فالطبيعة هى المعشوق الملهم الذى يثلج جماله صدر كل شاعر فيناجيه ويحاكيه ويبث شكواه إليها .

وقد صدرت مؤخرًا دراسة حديثة بعنوان» شعر الطبيعة فى عصر الموحدين.. دراسة أسلوبية» عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقد أعدّها الدكتور محمد عبدالله الشال، أستاذ الأدب الأندلسى بجامعة الزقازيق.ويؤكد الباحث أن البيئة الأندلسية كانت من أهم العوامل التى ساعدت على ازدهار شعر الطبيعة هناك.فقد عكس شعر الطبيعة هذه البيئة كما عكس الارتباط الشديد من قِبَل الأندلسيين بها، والتعلق بمظاهر الجمال فى البلاد.كما أن العامل النفسى للشاعر فيما يلاقيه من متاعب الحياة وتدهور الحال بالأندلس، بعدما تساقطت المدن الواحدة تلو الأخرى، كان عاملا من عوامل اتجاه الشعراء إلى الطبيعة وبث شكواهم فيها.

فيقول الشاعر الرصافى البلنسى فى قصيدة الصنوبرة» النافورة «فى العصر الحديث:

وجدولٍ كاللٌّجَيْن سَائلْ 

صافى الحَشَا أزْرق الغلائلْ

عليه شَكْلُ صنوبريُّ 

 ُيقْتَلٌ من مائهِ خَلاخٍلْ

فهذا النهر الصغير، ذو الماء الأزرق الصافى يحفه الشجر الأخضر من كل اتجاه، كالخلخال مجتمعة حول النهر . ويقول مالك بن المُرحّل الأندلسى (604- 699هـ):

فَعُجْ يا حَمامَ الأيك لسْتُ بغافلٍ 

فخفضْ ولا طالَ المدَى فَنَسِيتُ

فالشاعر يستبطئ عودة الحمام إلى مقره، ويطلب منه أن يعود؛ويمرعلى مكان كان يألفه والشاعر ليس بغافل عن بعده ولم ينس يوماً أنه كان فى هذا المكان، وليس بساه عن كل شيء حوله أو مهمل فيه ولكنه يتغاضى عن بعض الأمور التى يعرفها.

ويتشوق الشاعر حازم القرطاجنى إلى مُرسِيه فى بلاد الأندلس فيقول:

مٌرْسِىَ كم ناعمٍ وكم جَذْل

بينَ الرياحين فيكِ والرَّاحِ

فالشاعر يذكر (مُرسية) ويعدد محاسنها وجمالها؛من ورود ورياحين، وأغصان، وعيشة منعمة، وشرب للخمر بين هذه الحدائق والمتنزهات التى باتت بعيدة عن الشاعر وقت أن ترك مُرسيه.

واهتم الأندلسيون كذلك بالحشائش الخضراء، فكان لهذه المساحات الشاسعة الخضراء أثر كبير فى نفوسهم، كما كانت لها فائدة اجتماعية كبيرة؛ حيث تعمل على إيجاد التقارب بين الناس والتقائهم بعضهم مع بعض، وكثرة المجالس الأدبية والفكرية فيما بينهم، كما أن اللون الأخضر- وهو لون النباتات الحية- يُعطى شعوراً بالراحة النفسية والأمل فى المستقبل والسرور والبهجة والتفاؤل لذا نرى أبا الطيب الرُّندى يصور التُّرٌنْجَان (نوع من الحشائش) ويصفه بلون الفستق الأخضر، وهذا اللون وهذه الحشائش بجمالها وحسنها، تبعث فى العيون جمالاً وراحة نفسية فيقول:

وأخْضَرَ فُسْتُقيَّ اللَّون غَضُّ

يَروُقُ بحُسنِ َمنْظَرهِ العُيُونا

أغارَ على التُّرُنْجِ وقد حكاه

فَزَاد على اسْمِهِ أَلِفا ونُونا.

ومن التشبيهات الطريفة التى تناولها شعراء عصر الموحدين قول أبى الحجاج يوسف المنصفى فى وصف زورق: وسابحٍ بات لا يَثْنى قوائِمهُ

كالصقَّرِ يَنْحَطٌّ مَذْعٌوراً لِعِقْبان.

كأنًّهُ مُقلَةُ للجو شاخِصةُ 

 

ومن مجَاذِيفِهِ أهْدابُ أجْفانِ

فالشاعر يصف زورقاً على صفحة نهر متلاطم الأمواج، يسبح هذا الزورق فى مائه مثل الصقر الذى ينثنى بقوائمه حتى ينقض على فريسته، ولكنه عندما يرى طيور العقبان تدنو نحوه؛ يهرب ويهرع بعيداً عنها، مخافة أن تنقض عليه وتلتهمه (لكبر حجمها وقوتها) فالزورق يسبح يميناً ويساراً وسط الأمواج المرتفعة، فى خوف من أن يبتلعه البحر.وفى البيت الثانى شبه الزورق- بصغر حجمه- بمقلة العين البارزة فى الجو، الذى يحيط به الماء من كل اتجاه، وقد اتخذ الشاعر الأهداب (الرموش) من عينيه مجاذيف تحركه، ليبرز مدى التعاون بينه وبين من كان معه فى الزورق، ومدى خوفهما على أنفسهما، فقد كان صاحبه يغمض عينيه مخافة أن يغرق فى الماء.

وكان شعراء هذا العصر يتفننون فى وصف ممدوحيهم، فنجد ابن سهل يصف الجماهير من الناس حول ممدوحه( الوزير أبو عمرو بن الجدّ) فى كثرتهم بأسراب الجراد (رِجل الدَّبا)، فحالهم أشبه بالصائمين الذين يترقبون هلال شوال للإفطار وهذه الصورة العفوية تؤكد تعطش الجماهير لملاقاة الممدوح لنيل العطاء.

تَلْقى الجَماهير حَوْلهُ فَكَأنَّهُمْ

مِن كثرةِ وتضاؤُلٍ رِجْلُ الدَّبا.

كالصائِمينَ عَشيَّةَ الإفطار قد

مَدُّوا العُيونَ إلى الهِلال تَرَقُّبَا.

فالشواهد التى ذكرناها تظهر مدى الثراء اللغوى للمعجم الشعرى لشعراء هذا العصر، فقد عرفوا مدى أهمية الحقل الدلالى لدى المبدع، وكان هذا نتيجة للثقافة التى ازدهرت فى هذا العصر ونظرا للطبيعة الأندلسية الخلابة ومحاولتهم للتفوق على قرنائهم فى المشرق.