الأربعاء 25 نوفمبر 2020
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
«بيرسوفيليا» الثقافة الفارسية فى المشهد العالمى

«بيرسوفيليا» الثقافة الفارسية فى المشهد العالمى

بات من الطبيعى أن تجد فى معاجم اللغات وفى متون الدراسات والمقالات مصطلحات تعنى الهوس أو الحب المفرط لحضارة ما أو لثقافة شعب ما.. فتجد مثلا المصطلح الشهير Egyptomania  أيجيبتومانيا أى الولع بالحضارة المصرية فى كل عصورها وتجد أيضا  Persophilia البرسوفيليا أى عشق الحضارة الفارسية وهكذا على سبيل المثال لا الحصر.. لكن الغريب أن حالات الولع بثقافة ما أو بحضارة ما لا تتعلق من قريب أو من بعيد بالحضارة الغربية بشكل شبه كلى فكل مصطلحات الولع بأنواع الثقافة هى فى مجملها ولع بنوعيات من الثقافات الشرقية بالتحديد حتى وإن جاز لنا ضم الحضارة الإغريقية وحضارات البحر الإيجى القديمة إلى منظومة الحضارات الشرقية من حيث الجذور والتأثر.. إذن فليس هناك ولع ظاهر أو غرام يصل لحد الولع بالحضارات الغربية المعروفة والتى تجثم الآن فوق صدورنا وتدعى أنها تقود العالم فكرًا وعلمًا.



وربما نسوق هذه الفرضية لمناقشة عمل كبير لمفكر كبير أيضًا, حيث صدرت الطبعة الثانية عن مطبوعات جامعة هارفارد من كتاب - بيرسوفيليا الثقافة الفارسية فى المشهد العالمى – وكلمة بيرسوفيليا كما ذكرنا هى عشق الثقافة الفارسية كما يمكن أن نترجمها أيضا بمخاض الثقافة الفارسية فى ضمير الحضارة الغربية والثقافة العالمية، والكتاب للمفكر الكبير دكتور حميد دباشى الأمريكى الإيرانى الأصل أستاذ الحضارة الفارسية والأدب المقارن فى جامعة كولومبيا فى الولايات المتحدة الأمريكية والذى ذاع صيته كمستشار وناصح فى كل الأعمال السينمائية الحديثة التى تناولت الحضارة الإسلامية سواء القديمة أو الحديثة.

الحقيقة أننا لن نكون فى حالة عرض للكتاب لكننا بالأحرى سوف نلقى الضوء على موضوع الكتاب ونرد كل فكرة فيه لجذور الفعل التاريخى التى نتجت عنه.. وفى البداية فإن الطفرة التى خلقت الحضارة الفارسية القديمة كان أهم دعائمها الظروف المحيطة بهذه الهضبة الصغيرة المعروفة بهضبة بارثوا والتى أخذت منها الحضارة الفارسية نسبها على مر العصور ولعلنا نختصر قليلا ونصل للميلاد الحقيقى للحضارة الفارسية حيث يعتبر معظم المؤرخين أن الذى قاد شعب بارثوا للصفحات التاريخ الحقيقة هو الملك كيروس (قورش) فى القرن السادس قبل الميلاد والذى نظر بعين الخبير للملكة الشرقية التى على حدود مملكة ليديا والتى باتت ضعيفة للغاية تحت إمرة ملكها الشديد الثراء والمعروف بكيروس أو الملك السعيد والتى احتلت بعد ذلك فارس مملكته مما أدى للصدام الفعلى والتاريخى بين الفرس والإغريق بداية فى أيونيا – آسيا الصغرى – والتى كانت وطن اليونانيين الشرقيين ثم تطور الصدام إلى أيونيا أى فى اليونان الوطن الأم.

ولعل الصراع الفارسى الإغريقى هو أول أهم حدث تاريخى فى التاريخ القديم يخص الحضارة الفارسية فهو أول صراع معلن بين الشرق والغرب أو بمعنى أدق أول صراع بين جنس آرى يمثل الفرس وبين جنس غير آرى يمثل الإغريق وهذا الصدام أدى لعدة نتائج أهمها أن شخصية الفارسى الشرقى أصبح لها ملمح فى الحضارة الأوروبية من خلال نقل الإغريق أحداث الصراع بين الفرس والإغريق فى الحروب التى دامت ما يقرب من 300 عام عرفت باسم (الميديات) وظهرت شخصية الفارسى فى الأدب بعد أن كتب إيسخولوس مسرحيته الشهيرة (الفرس) والتى تحدث فيها عن هزيمة الفرس فى معركة الماراثون الشهيرة أمام الاثينيين ويصور فيها إيسخولوس الفرس حضارة عظيمة وتعتبر الملكة الأم هى العنصر التراجيدى الأهم قوة فى المسرحية كما يظهر حياد إيسخولوس ألذى يمثل عدوة ليس بصورة بربرية كما درج تصوير الغرب للرجل الشرقى لكنه يمثل عدوة بكل نبل ورقى.

على أن الحضارة الفارسية لم يظهر لها هذا التأثير الخلاب فى الثقافة الغربية إلا بعد أن استقبلت العنصر العربى بعد الفتح الإسلامى لها فلم تظهر أعاظم الأعمال الفارسية التى أججت قريحة الأدب الغربى إلا بعد أن أصبحت فارس إقليما من أقاليم الإمبراطورية الإسلامية وهذا ما مهد لظهور الأدب الفارسى الذى شكل معينا شرقيا سائغا للحضارة الغربية المتعطشة منذ نشأتها للحكمة والرصانة فظهرت الشاهنامة التى كتبها الفردوسى الطوسى وظهر الشعر الفارسى بكل غزلياته وتصوفه ورمزيته التى تقترب لحد الفلسفة والإغراق فى عوالم الروح ما بين حافظ الشيرازى وبين عمر الخيام النيسابورى وظهر الرومى بصوفيته الخالصة ثم ظهرت الرواية الشعرية التى لولا القصص القرآنى والشعر العربى وحكاياته لم تكن فى فارس قط فظهر نظامى الكنجوى بمخمساته وظهر الخلوص الصوفى فى العشق بين ليلى والمجنون فى صيغتها الفارسية ويوسف وزليخة وشرين وخسرو، والسؤال هنا لماذا انتظرت فارس الحضارة الفترة الإسلامية حتى تفرز هذا النتاج العظيم من الأدب والفكر؟ فى وجهة نظرنا أن المسألة كانت مثل الخلطة الكيمائية أو الإكسير فلقد كانت الحضارة الفارسية تختزل داخلها مقومات كثيرة وخبرات من حضارات مثل الفرعونية والفارسية نفسها والإغريقية والهندية والبلقانية لكن هذا الخليط لم يكتمل إلا بإضافة العنصر العربى وبكل ما يحمله من حضارة بدوية وأسبقية فى الشعر والبلاغة والفروسية فاكتملت الرؤيا وخرج هذا الإكسير الخالد الذى عُرف بالحضارة الفارسية فى أوج تألقها فأصبحت الفارسية تكتب بالحروف العربية وأعتنق العالم الغزل مع حافظ الشيرازى وترجمت غزلياته لأكثر من 60 لغة وطافت رباعيات الخيام أرجاء الكون بأربع وثمانين لغة وأصبح الفن التشكيلى يدور فوق صحف موشاة من الفن الفارسى وضم التراث العالمى الشاهنامة للفردوسى الطوسى لمصادر التاريخ القديم والفكر والسرد معاً, كذلك لا نستطيع أن ننكر أن التدجين بين الحضارة الفارسية والحضارة العربية الوليدة أدى لنمو عقل الأخيرة وفكرها بشكل كبير حيث كانت الحضارة الفارسية ناقلة ومعبرة للحضارة الهندية التى أخذت منها الكثير وصدرته للحضارة العربية كذلك الفكر الإغريقى الذى احتضنته فارس من الموات بعد أن كفرته مسيحية اليونان وأغلقت مدارس أثينا الفلسفية فاستضافها كسرى آنوشروان وبنى لها مدينة نيشابور خصيصا فأفاضت بالفلسفة الإغريقية على الفكر الفارسى قبيل أن تدنو فارس للعرب.

إذا كما شارك الفتح الإسلامى فى تلميع وثقل درة فارس أيضا كان للفرس دور كبير فى تغذية الحضارة العربية بخبرات الأمم السابقة عليها , وعلينا أيضا ان نسلم بأن الحضارة الفارسية هى صورة من أنضج صور الحضارات الشرقية وأنها أحدى وجوه الحضارة الإسلامية دون أدنى شك ، فالغرب يعرف الرومى على أنه متصوف مسلم أولًا ثم فارسيًا ثانيًا كذلك الخيام والعطار وغيرهم ودائما ما تصاحب فى الذهن الغربى اتساق صورة الحضارة الفارسية مع العربية بشكل وثيق.