الأربعاء 21 أبريل 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

وحيد حامد الأسـتـاذ

المجد لا يُباع ويُشترى، المجد تصنعه النفوس الشجاعة، فمن السهل أن تكون شجاعاً من مسافة آمنة، لكن أن تتسلح بالصدق والجرأة وتدخل إلى الكهوف المظلمة لتنيرها بكلماتك، أن تكون حائطًا منيعًا فى مواجهة تيارات متطرفة أو مناقشة هموم المواطن  فى مراحل تحولات سياسية واجتماعية مهمة فى تاريخ مصر، تلك هى شجاعة كاتب مثل وحيد حامد الذى تحولت أعماله الفنية إلى علامات بارزة فى سجل الفن العربى.



■ ■

فى ستينيات القرن الماضى جاء القاهرة إلى ندوة نجيب محفوظ، جاء من قريته الصغيرة يمتلك خيالا حدوده السماء، وأزميلا من الأمل قرر أن يشق به جبال اليأس، فقد أمن أن من لديه حلم لا ييأس من تكرار البدايات، ولسان حاله يقول على هذه الأرض ما يستحق الحياة، أهل وأحبة، شمس دافئة، ومجد وحضارة صنعتها أيد مصرية مبدعة، فى تلك المرحلة  كانت حالة الزخم الثقافى التى تعيشها القاهرة تجبر أى شخص محدود الموهبة على أن يقدم إبداعا مقبولا، فما بالك بشاب أغواه شيطان الكتابة منذ طفولته فامتلك ناصيتها، وتماما كما الربيع ينبثق من الرماد، انطلق وحيد حامد إلى سماء النجومية يصور فى أعماله شخوصا من لحم ودم.

■ ■

لم يدخل عالم الكتابة على أنه «باب رزق»، فقد أخلص لكل كلمة كتبها وتعامل معها بحب شديد، فهذا نمط حياته كله، فالمصداقية كانت طريقه للعبور إلى وجدان القارئ، فقد أدرك أن الكاتب عندما يفرط فى مبادئه ويتنازل عن قناعاته يسقط من نظر القارئ وينصرف عنه، لذا لم ينافق أو يبيع ضميره يوما، ولم يستسلم أبدا لإحباطات واجهته.

■ ■

«عراف الدراما» بدا وكأنه قادم من المستقبل، قام ببناء عالم من الجمال العذب، لكنه فى نفس الوقت يحمل حزنا داخليا، وفى النهاية يتحقق الحلم وينتهى الحزن وتبدأ مرحلة الانتصار، هو انتصار وطن فى هيئة فرد،  فرد مهموم دائما بالمجتمع وقضاياه التى هى بالنسبة له مولدا من مولدات الطاقة  الإبداعية لديه، فتجعله قادرا على الفعل والكتابة، فقد استطاع أن يجعل من الهامش متنا، بعد أن وجد فى مسالك الكتابة ما مكنه من صهر القضايا الكبرى فى تفاصيل صغيرة، نراها فى اليومى والمعتاد، لذا لا يحتاج وحيد حامد إلى مشاهد من نوع خاص، فأعماله يستطيع الشخص العادى أن يتواصل معها، ويفهم الرسالة ويستمتع بها، لكنها فى نفس الوقت هى مثل الأرض، طبقات كلما تعمقت فيها أكثر كلما ظهرت كنوزها.    

■ ■

يؤمن أن وظيفة الفن هى إمتاع الناس ومناقشة قضاياهم والارتقاء بمشاعرهم والذوق العام،  لذا هو أحد أبرز أدوات قوة مصر الناعمة، فأعماله الدرامية والسينمائية كانت ضيفا دائما فى كل بيت عربى، بداية من مسلسل «أحلام الفتى الطائر» الذى كان بمثابة الإعلان عن ميلاد كاتب كبير، شغلته أفكار الانفتاح والتغيرات الاجتماعية التى أصابت المجتمع فى ذلك الوقت، واستمرت تلك المرحلة لديه حتى نهاية الثمانينيات، وطوال عقد التسعينيات قدم 12 فيلما كانت تتناول بجرأة أحداثا سياسية شائكة قضايا الفساد، فنرى خلال تلك الفترة أفلاما مثل: «اللعب مع الكبار»، «المنسى»، ثم «طيور الظلام»، لينهى هذه المرحلة بأحد أحب الأفلام إلى قلبه وهو»اضحك الصورة تطلع حلوة»،  ذو الطابع الاجتماعى الرقيق.

■ ■

هو صاحب مشروع تنويرى، يكتب بروح المفكر وبعين الفيلسوف، يرى أن الدراما تحمل رؤية وفكر وطابع المجتمع الذى تخرج منه، وأن الفن دون حرية يصبح شيئا آخر، والإنسان إذا قُيد لا يمكن أن يبدع والأفكار تموت، و الفن أساسا ينهض بالمجتمع ومع كل تطور يقدم حلولا، لذا قاد حربا شرسة ضد خفافيش الظلام وحذر من سيطرة الأصولية الدينية المتطرفة على المجتمعات، وقام بفضح جماعة الإخوان الإرهابية ومؤسسها حسن البنا  كاشفا أن تاريخهم مبنى بالأساس على الدم من خلال مسلسلى «العائلة» عام 1990  ثم «الجماعة» 2010 بأجزائه، ثم فيلم «دم الغزال».

■ ■

هو كاتب كبير يعيش بروح التفاؤل والأمل، هو محارب ضد الظلام، امتع الملايين بأعماله، فتحول إلى أيقونة الكتابة فى مصر والعالم العربى، هو متفرد لا يشبهه أحد فى أسلوب الكتابة، أحب وطنه فاتخذ لنفسه هدفا أن يقاوم الفساد بشتى صوره هو وحيد حامد.. لأجل هذا والكثير مما قدمه وجدناه عن جدارة أنه يستحق وسام الاحترام.