الثلاثاء 2 مارس 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا
مجموعاته تعدت الـ800 عمل أغرقت الولايات المتحدة الأمريكية

مجموعاته تعدت الـ800 عمل أغرقت الولايات المتحدة الأمريكية

(إذا لم تجهد نفسك بالنظر حولك فإنك لن تستطيع أن ترى المعجزات) هكذا كان يقول الفنان الكبير مارك شاجال وهذه النصيحة ليست فقط للفنان والمبدع بشكل عام لكنها أيضا تنطبق على المتلقى والناقد فى نفس الوقت وهذا بالتحديد ما نريد أن نقوله فى معرض كلامنا عن فنان اليوم فهو بكل المقاييس فنان عميق وعبقرى لكنه غير معروف فى أوساط المتابعين العاديين أو حتى الفنانين العاديين بالرغم من شهرته الواسعة بين المتخصصين وعلى الرغم من أن الفنان الأمريكى الكبير ماكس جينسبيرج هو أحد أيقونات الفن الواقعى والأليستريشن فى العالم إلا أن عدم انتشاره فى طبقات المتلقى العادى تعود لعدة أمور أهمها أن النقد الأمريكى فى الثلاثين عاما الماضية أصبح ضعيفا لدرجة كبيرة حتى أنه لا يصل بالمرة إلى أوروبا فهو يتسم بتوصيفية عاجزة عن النفاذ للب وفلسفة العمل التشكيلى لذا فهو لا يتجاوز الحدود الإقليمية ولا يصل إلى أوروبا من هنا فإن العديد من فناني أمريكا الذين ليس لهم غير ملعب النقد الأمريكى قد ظُلموا لأنهم لم يجدوا من ينقلهم إلى باقى العالم كما يفعل نقاد أوروبا بفنانيها، الأمر الثانى هو أن الفن التشكيلى الأمريكى منذ ثلاثة عقود انغلق على ذاته حتى إن معظم الإنتاج الحالى في الفن التشكيلى أصبح لا يتجاوز كلمة – إقليمى- ولعل فكرة الاستعلاء فى السياسة الأمريكية ساهمت فى هذه الحالة بشكل كبير فلن يذكر القارئ بعد بولوك فنانا أمريكيا أصيلا خرج بفن عالمي إذا استثنينا الإكاديميين وأصحاب القدرات التعليمية والنظرية، وهذا ما يدفعنا أن نقول إن الفن التشكيلى الأمريكى يعيش فى كوكب أمريكا المنغلق على ذاته وربما أيضا قلة عدد المتلقين مقارنة بعدد السكان هو الذى خلق هذه الحالة فأنت كفنان إما أن تهاجر لأوروبا لتنتشر أو تموت بين براثن المحلية.



هذا ما جعل فنانا عملاقا بحجم ماكس جينسبيرج يتوارى عن عيون عشاق الفن لفترة كبيرة وخصوصا إذا عرفنا أن جينسبيرج من جيل الرواد فهو من مواليد 1931 وجينسبيرج ليس أمريكيا محضا فهو من مواليد باريس ومن أصول أوروبية شرقية كما يظهر من اسمه لكنه تربى منذ صغره فى أمريكا ولم يغادرها إلا نادرا، ونستطيع أن نطلق عليه ملك الواقعية الأمريكية فى الفن التشكيلى فهو أهم وأكثر الفنانين انتشارا فى أمريكا على الأقل فى الثلاثين عاما الأخيرة، ونحن نقول الواقعية لأن جينسبيرج لم يكن فى الأساس فنان رسوم توضيحية او إليستريشن أو رساما صحفيا لكنه اتجه لهذا الخط فى اوائل الثمانينيات من القرن العشرين لأسباب تجارية وليعزز انتشاره فلا يستطيع القارئ أن يتخيل أن فنانا بحجم ماكس جينسبيرج لم يكن معروفا بما يليق بفنه قبل أواخر السبعينيات على الرغم من أن العديد من الفنانين الكبار أشادوا به وتنبأوا له بمستقبل باهر فى الفن التشكيلى وأهمهم بيكاسو والذى كان يزور وكيلا له فى نيويورك فى أواخر الستينيات ووجد عملا لماكس جينسبيرج معروضا فسأل صاحب الصالة عن صاحبه فقال له شاب اسمه ماكس جينسبيرج وهو للاسف لا يعرض كثيرا فأجاب بيكاسو رائع أنه لا يعرض كثيرا لأن أمثال هؤلاء من المحترفين قد يغطون على ما نفعل.. وبغض النظر عن أن بيكاسو ليس الناقد الوحيد الذى يحكم على الفن التشكيلى إلا أن هذا الموقف شهادة لجينسبيرج التصقت به وجعلته فى نطاق المطلوبين تجاريا لكن أبى ان يتفرغ للفن والحرفة وانشغل فى التدريس وتعليم الأجيال الجديدة أصول الفن الصحيح فهو مدرس محترف فى أكاديمية الفنون فى نيويورك منذ عام 1960 وحتى عام 1982 ثم من 84 وحتى 2000 مدرسا فى مدرسة الفنون البصرية فى نيويورك ، ونستطيع أن نقول إن انشغال ماكس جينسبيرج فى التدريس قد أخر أنتشاره أيضا، إلا أنه قرر فى بداية الثمانينيات أن يبدأ حقبة جديدة يركز فيها على القيم التجارية دون الإخلال بقناعته الفنية وحتى يتسنى للناس أن ترى فنه بشكل واسع، وبالفعل بدأ ماكس جينسبيرج يكثف العمل فى الإليستريشن سواء فى الصحافة أو أغلفة الكتب واسعة الانتشار وتعتبر هذه الخطوة أكثر اتساقا مع عالم الفن التشكيلى الأمريكى لأن حركة الفن التشكيلى الأمريكى فى اغلبها تنصب على فنون الحفر والطباعة والأليستريشن والبورتريه بشكل تجارى ونستطيع أن نستثنى النحت الأمريكى من هذه الحسبة لأنه مر بمراحل كثيرة توهج فيها وكان مثاليا لكنه ظل أسير الكلاسيكية فى معظم الأحوال.

إذن اتخذ ماكس جينسبيرج الجو السائد حتى يوسع من دائرة مشاهديه ومتابعيه فبدأ برسم لوحات توصيفية لأغلفة الكتب ومنها روايات الكاتبة الكبيرة شديدة الشعبية فى أمريكا ميلدريد تايلور فأصبحت رسومات جينسبيرج تفتح شهية القارئ للقراءة وتذوق الفن معا وبدأ القراء يبحثون عن أعماله التى بدأت تطبع وتوزع بشكل كبير فى نيويورك وسائر ولايات أمريكا حتى ان أعماله المطبوعة والمعدة فى شكل بوسترز أو كارت بوستال بلغت 800 عمل وهذا بالطبع رقم أكبر من ضخم بالنسبة لفنان تشكيلى.

تتميز أعمال ماكس جينسبيرج بأنها مغرقة فى الواقعية وبالتحديد فى واقعية أهل نيويورك التى تميز معظم موضوعاته وليس هذا غريبا فهو يصف نفسه بأنه (نيويوركى حتى النخاع تربيت هنا وعشت كل حياتى هنا) وموضوعاته معظمها تميل لسكون اللقطة المرصودة والحركة الدرامية متباينة فى أجزائها فهى تنشط فى بعض الأجزاء وتكون فى أجزاء أخرى شبه منعدمة فى ذات اللوحة الواحدة فأذا قارنا لوحته – محطة مترو الأنفاق بلوحته - الحجز أو الرهن – وجدنا تباينا واسعا فى أداء الشخوص فلوحة مترو الأنفاق الأشخاص فيها فى معظم اللوحة فى حالة سكون بالرغم من أنهم فى أوضاع حركية لكن معظمهم يبدو وكأنه فى وضعية جاهزة للتصوير أما فى لوحة الرهن أو وفاء الدين فنجد أن كل الأشخاص فى حالة درامية وديناميكية كبيرة حتى أن كل شخص فى اللوحة يشكل لوحة بمفرده وعلى الرغم من ان معظم الشخصيات فى اللوحة تتخذ اتجاهات متضادة من الناحية الحركية إلا ان ذلك لم يشتت انتباه المتلقى ويرجع ذلك لحرفية وعبقرية ماكس جينسبيرج.

ولكى نصل لوجهة نظر تحليلية لأعمال ماكس جينسبيرج علينا أن نتمتع بذاكرة بصرية شديدة الدقة فنكتشف سريعا أن وجوه جينسبيرج شديدة الالتصاق بوجوه الإيطالى كارفاجيو وخلفياته السوداء فى اللوحات غير الصحفية هى خلفيات جويا مع استخدام تقنياته فى إضاءة اللوحة أما مجمل نظرياته التشريحية وأسلوبه فى التشريح فيتطابق مع الفنانة الألمانية الرائدة روث كلوفيتز وجينسبيرج نفسه فى أحاديث كثيرة يعترف بتأثيرها عليه.

يكره جينسبيرج الظلم وويلات الحرب كما يقول عن نفسه ولعل ذلك تسرب إلى لوحاته بشكل ملفت وخصوصا لوحة العذراء الأسيانة التى رسمها بأسلوبه فبدل فيها يسوع بجندى محتضر ملقى على الأرض تحتضنه العذراء وفى الخلفية النيران والدمار التى خلفتها الحرب، كذلك لوحته عن فظائع التعذيب فى سجن أبوغريب. 

ولد جينسبيرج فى باريس عام 1931 وهاجرت عائلته إلى نيويورك ودرس منذ عام 1945 وحتى 49 فى المدرسة الثانوية للفنون والموسيقي فى نيويورك ثم فى جامعة سيراكوزا فى نيويورك ثم سيتى كوليج، كما درس على يد الفنان الكبير إبراهام جينسبيرج لسنوات عديدة ودرس أيضا فى ورش خاصة لمهارات الفن التشكيلى تعدت الـ15 ورشة على مدار حياته وله أكثر من 10 معارض خاصة والعشرات من المعارض المشتركة ، حصل على أهم جوائز فى الفن التشكيلى فى أمريكا من بينها الميدالية الذهبية من رابطة رسامى الإليستريشن الأمريكية – جائزة إيمى من رابطة كتاب الرواية الأمريكية – كريستوفر أوورد فى الفن الواقعى – جائزة ميريت من رابطة رسامى ومصممى الجرائد الأمريكية – جائزة النيويورك تايمز أحسن غلاف 

أعماله منتشرة فى كل الجرائد والمجلات الأمريكية وأغلفة كتب الجيب كذلك تباع أعماله فى مجموعات مطبوعة فى منافذ البيع فى كل أنحاء نيويورك.