الجمعة 17 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

لماذا تراجع المسرح الشعرى؟

ارتبط فن المسرح منذ بداياته الأولى بالشعر الذى كان خير أداة فنية للتعبير عن المضامين المسرحية المختلفة.



«وكان ارسطو فى كتابه فن الشعر أول من قنن للعلاقة الوثيقة بين الشعر والمسرح حين قال إن الشعر فن من فنون المحاكاة كالموسيقى والرسم مثلا».

ثم قسم الشعر الى شعر سردى وآخر درامى. أما الشعر الدرامى قد يكون شعرا ملحميا أو شعرا مسرحيا، أما أرسطو فأنه يرى فيهما وجهين لعملة واحدة هى المسرح الشعرى، فهو يتحدث عن محاكاة الفن للطبيعة وعن الشعر أو الدراما كفن من فنون المحاكاة.

فالشعر بصفة عامة والشعر المسرحى بصفة خاصة عند أرسطو ما هما إلا تجسيد كل ما هو دائم وعام وحقيقى فى حياة الإنسان وأفكاره ولهذا كان الشعر أفضل من التاريخ. ويرجع نشوء الشعر إلى الميل ألى الايقاع والانسجام والتعلم وهذه المتعة لا تكتمل إلا بوجود طرفين الشاعر والمستمع او الشاعر المسرحى والمشاهد.

ولا يشترك الشعر والدراما فى عنصر الايقاع فحسب بل هناك عناصر مشتركة عديدة بينهما تجعل منهما منظومة عضوية واحدة حتى لو تخلى الشعر عن النظم أو الوزن التقليدى. فى الماضى، أفاض النقاد المصريون فى المقارنة والموازنة بين شوقى وبين شاعر المسرح الأول شكسبير. فى الحكم الذى يصدر فى ظل هذه الموازنة ثمة قدر من الجور، فشكسبير مارس التأليف المسرحى طوال النصف الثانى من حياته، أى ما يقرب من ربع قرن، وكان أيضاً ممثلاً فى دار من دور التمثيل المشهورة فى لندن، بينما لم يكن شوقى كذلك. فقد عانى التأليف المسرحى فى السنوات الخمس الأخيرة من حياته عندما أصبح من أنضاء الركب المتعب. ومع ذلك يبقى إنجازه المسرحى رائعاً أولاً فى فضل الريادة، وثانياً فى فضل القيادة. فشوقى لا يزال رأس الذين أتوا بعده ومارسوا الفن المسرحى الشعرى، هو لا يزال إمام من ألهمهم فنّه المسرحى بعد موته، مثل عزيز أباظة الذى أشرنا إليه، ومثل صلاح عبدالصبور الذى حذا حذوه فى تخصيص واحدة من مسرحياته الشعرية لموضوع ليلى والمجنون، وهو موضوع مسرحية شعرية خالدة له. أما «الطابع الغنائى» لمسرحيات شوقى الشعرية، وهو ما يختصر به ماهر شفيق فريد جهد شوقى فى هذه المسرحيات، فإنه لا ينقص ويعيب هذه المسرحيات فغنائيات شوقى فى «مجنون ليلى» و«مصرع كيلوباترا»، غنائيات خالدة باقية إلى أن يرث الله الأرض وما عليها كما يعبر الناقد، ولكنها ليست الميزة الأساسية أو الوحيدة فى المسرحيات الشوقية. فهناك ميزات أخرى كثيرة ولكن يتعين علينا محاولة تفسير حفاوة شوقى بالغنائيات فى مسرحه. فمما لا شك فيه أن شوقى كان حريصاً على الوصول إلى الجمهور المصرى المشاهد.

وكان أقرب المسالك إلى ذلك بنظره هو هذا العنصر الغنائى القوى فى مسرحه، ولولاه لنفر هذا الجمهور المشاهد منه وأعرض عنه. وهناك أيضاً إيمان شوقى بأن هذه الغنائيات تضمن لمسرحه عمراً ثانياً على خشبة المسرح الغنائى.

ثم إن هذا المسرح الشوقى خطاب فنى لجمهور له أبعاد ثلاثة مهمة: فهو مصرى وهو عربى وهو مسلم. وإدراك شوقى لتركيب جمهوره الثلاثى هذا، أملى عليه قواعد كثيرة التزم بها فى تأليف مسرحه.

فجاء مرآة ذات ثلاثة سطوح تعكس التركيب الثلاثى لجمهوره، مصرياً عربياً إسلامياً. جاء مصرياً فى كثير من موضوعاته، وفى غنائياته، وفى إشاراته، ورسائله السياسية. وجاء عربياً كذلك فى موضوعاته، وفى التيار الخلقى الذى يجرى فيه وفى رسالته السياسية - كما فى مسرحية عنترة، وجاء إسلامياً فى شكل من أشكال صراعه، وكان هذا يأتلف مع ضمير شوقى وعامله الفكرى. كان شوقى شاعر التراث، ومن هذا التراث انتزع أبعاداً متنوعة، وهنا يكمن جانب من عبقريته فى التكييف والاستصلاح، وهو الطريقة المثلى للوصول الفنى إلى جمهور لم يألف هذا الجنس الأدبى.

ولكن مهما قيل فى مواطن الضعف المسرحى عند شوقي، فإن إنجازه يبقى كبيراً لا سيما وأنه لم يكن أمامه نماذج للمسرح الشعرى العربى يحتذيها أو ينسج على منوالها  اما الدكتور أسامة أبوطالب  فيشيد بتجربة صلاح عبد الصبور فيقول:

بعد نكبة يونيو 1967 يتوهج إبداع الشاعر فيتمخض عن خصوبة مسرحية متدفقة؛ أربع درامات جديدة فذة لم ير الشعر المسرحى العربى مثيلا لها حتى الآن - هى: مسافر ليل – نشرت فى شهر يوينو 1969 . والأميرة تنتظر – فى شهر سبتمبر من نفس العام ثم ليلى والمجنون عام 1970 وبعد أن يموت الملك عام 1973. حيث تعد تلك الفترة من أخصب فترات حياته الفنية على الإطلاق . كما تكشف أعماله تلك عن موقف سياسى كان مدعاة للتساؤل.. فهذا هو الآن يكشف عن رأيه ومعتقده ولا أحد يستطيع أن يطالبه بأكثر من ذلك حتى تبدأ مرحلة تغيير ملامح الوطن بعد حرب أكتوبر 1973 وانتظار تحقيق إنجازات يستحقها المنتصرون، لكن تحولات لم تكن أبدا متوقعة تنتاب الوطن وتلفّه فى دواماتها حيث يبدو تحقيق حلم الديمقراطية للمنتصرين أشد عسرا على التحقيق من إسقاط خط بارليف وتدمير الساتر الترابى وإذلال أسطورة التفوق العسكرى لإسرائيل بل وتحطيمها!. انحسر المسرحُ الشعريُّ العربيُّ منذ بضعة عقودٍ عن ساحة التأليف والعروض المسرحية، عموماً، ومازلنا نتساءل: لم حصل ذلك؟ وكيف يمكن عودته؟ ومن أجل إجابةٍ صحيحةٍ، لا بد من تشخيص حقيقتين تاريخيتين تصفان طبيعة المسرح الشعرى العربى فى القرن العشرين وهما: أولاً: اعتمد المسرحُ الشعريًّ العربى منذ بداية القرن العشرين وحتى منتصفه على شعر الشطرين (أو ما يعرف بعمود الشعر)، وقد مثله خير تمثيل الشعراء أحمد شوقى وعزيز أباظة وعلى أحمد باكثير وخالد الشواف. ثانياً: اعتمد المسرح الشعرى العربى منذ منتصف القرن العشرين على شعر التفعيلة الذى كان قد ظهر فى نهاية الأربعينيات فيما كان يعرف بالشعر الحر وقصيدة التفعيلة، وقد مثله خير تمثيل الشعراء صلاح عبدالصبور وعبدالرحمن الشرقاوى ونجيب سرور، التبدلات النوعية ظل مفهوم المسرح الشعرى، حتى يومنا هذا، مرتبطاً بطريقة الوزن الشعرى سواء كان عمودياً أو تفعيلةً، أى أننا يجب أن نتوافر على نصٍّ مسرحيّ مكتوبٍ بطريقة الوزن الشعرى أو لنقل النظم الشعرى لكى نعتبره مسرحاً شعرياً، وهنا تكمن فى رأينا الأزمة الحقيقية للمسرح الشعرى العربي.