الجمعة 17 سبتمبر 2021
رئيس مجلس الإدارة
أيمن فتحي توفيق
رئيس التحرير
احمد باشا

قصة قصيرة.. نكبة الحُب

الأعمال للفنان محمد إسحق قطب



يسيل بجوار النيل فى بر مصر نهر آخر من الإبداع.. يشق مجراه بالكلمات عبر السنين.. تنتقل فنونه عبر الأجيال والأنجال.. فى سلسلة لم تنقطع.. وكأن كل جيل يودع سره فى الآخر.. ناشرا السحر الحلال.. والحكمة فى أجمل أثوابها.. فى هذه الصفحة نجمع شذرات  من هذا السحر.. من الشعر.. سيد فنون القول.. ومن القصص القصيرة.. بعوالمها وطلاسمها.. تجرى الكلمات على ألسنة شابة موهوبة.. تتلمس طريقها بين الحارات والأزقة.. تطرق أبواب العشاق والمريدين.  إن كنت تمتلك موهبة الكتابة والإبداع.. شارك مع فريق  «روزاليوسف» فى تحرير هذه الصفحة  بإرسال  مشاركتك  من قصائد أو قصص قصيرة أو خواطر «على ألا تتعدى 550 كلمة» مرفقا بها صورة شخصية على الإيميل التالى:

 

فوقَ الرّصيفِ، جَلَست تَجترّ همومها فى صمتٍ كصمتِ الموتى، ليست كأترابِها اللاتى تناثرن بين الطُرقاتِ ؛ يَعتَرضن المَارّة، فى سَخفٍ واِلحَاح، من بعيدٍ تلتمعُ عيناها كقطرِ النّدى الوضّاء، رغم اسمالها المُهلهلة، تستجلى من الوهلةِ الأولى أنقاض نعمة عابرة، وبصيص من كرامةٍ ذاهبة، رأيتها لأولِ  وهلةٍ تفترشُ الأرضَ إلى جوارِ المقهى، ترمقُ السّماءَ بعينينِ حالمتين، تفيضان وداعة ولطفا، تشيع على قسماتها ابتسامة كئيبة خرساء، تقدّمت منى على استحياءٍ، تُشرِقُ بوجهها، مدّت يدها النّحيلة ترتعش، فى جزعٍ  وتردد، قائلة: حاجة لله يا بيه.

جعلت أُطالعُ فى سكونٍ  هيئة الملاك المُهمل أمامي، وقد رسبت فى قرارةِ نفسى حُثالة من الألمِ، ووخز الضّمير، احملقُ فى غيرِ فتورٍ أو ملل، حرّكت يدى فى هدوءٍ، انتزعُ قطعة العملة، دفعتها إليها فى تحنّنٍ، طفحَ وجهها بِشرا، تحيطنى بهالةٍ من بسماتها اللّطاف، مضت تيّاهة تتخطّر فى سعادةٍ، وعلى شفتيها تُصلصل الضحكات، ثم انخرطت مع أقرانها فى حديثٍ هامسٍ، كان منظرها قد غزا مناطق تفكيري، عُدتُ إلى البيتِ مشدوها بما جرى، قضيتُ ليلة ليلاء، مهتاج النّفس لا املك لأوصالى من قرارٍ، يلفنى صمت وسهوم، ينفض عنى فتور المنام، اتقلّبُ على جمرٍ حتى لاحت طلائع الفجر، وانصدعَ عمود الصُّبح، طوعا قصدت المقهى، لحظات واقبلن فى مرائى البؤسِ والشّحاذة، فيهن الفتاة بدت متعبة منهوكة، جاهدت كى تتحاشى نظراتى الوجلة، وعلى حينِ  فجأةٍ جعلَ القلقُ يضطرِبُ فى ناظريها، لم اترك لها من خَيارٍ، امسكت بيدها المعرّقة، قالت بشيءٍ من التّهيبِ: لم افعل شيئا يا بيه صدقتى !، دفعت إليها قطعة النّقد، انجاب الشّكّ عن فؤادها، وعاد إليها رواؤها وحسن سمتها، هكذا مرّت الأيام بيننا، حتى توطّدت الأُلفة بينى وبينَ الشّريدةِ، لكنّها ظلّت فى نظرى موضع الرِّيبة، ومَثارَ الشّك، حتى عرفت أنّها سليلة أسرة كريمة قعدها الدّهر، غافلتها ذاتَ مساءٍ، حتى خبرت مكمنها، راعتنى الصّدمةُ، لقد كانت فتاتى ابنة لأرملةٍ من أعرقِ البيوتِ ثراءً، هَرَبت من بيتِ أسرتها ؛ لتتزوّج  من ابن البستانى، اسَدلَ الزّمن عليها سَجفه وحُجبه، ولمّا ذهبَ عنى الرّوع ، عُدتُ أدراجى هائما فى الطُّرقاتِ بلا هدايةٍ، أبكى تصاريف الزَّمن العمياء، واندِب حَظَّ المُحبين العاثِر.