سيناريوهات «ترامب» لـ«تكفين» الناتو

ابتهال مخلوف
مع تهديدات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بالتخلى عن حلف شمال الأطلنطى «الناتو»، تواجه دول أوروبا كابوس انهيار الحلف، الذى احتكرت الولايات المتحدة قيادته 75 عامًا، لضمان الأمن الجماعى فى القارة البيضاء فى مواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتى ووريثته روسيا. ويهدد “ترامب” بانسحاب بلاده من حلف الناتو، الذى احتفل العام الماضى بالعيد الماسى لتأسيسه عام 1949، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين اقترحت أمريكا إبرام معاهدة أمنية مع دول غرب أوروبا بعيدًا عن مجلس الأمن الدولى، حيث كان الاتحاد السوفيتى يتمتع بحق النقض “الفيتو”، فخرج الحلف إلى النور.
ويهاجم “ترامب”، الحلف بسبب مساهمة بلاده الضخمة فى ميزانية الدفاع، مع الارتفاع المسبوق للإنفاق العسكرى عام 2023 إلى 11% ، ويطالب الأعضاء بدفع فاتورة استمرار أمريكا فى الدفاع عنهم ورفع حصة كل منها من 2% من الدخل القومى المحلى إلى 5%.
فهل سينفذ الرئيس الأمريكى تهديده بالانسحاب نهائيًا من الناتو تاركًا القارة العجوز وحيدة أمام مخالب الدب الروسى؟ أم سيلجأ لاستراتيجية أكثر دهاءً تدمر الحلف دون إعلان رسمى؟!
فيما طرحت مجلة “نيوزويك” الأمريكية سيناريوهات الإدارة الأمريكية المحتملة لـ”تكفين الناتو” أو تفكيكه دون جلبة الانسحاب الرسمى للالتفاف بدهاء على معضلتين:
الأولى: أن خروج واشنطن من الحلف يلزم إدارة ترامب بتقديم إشعار قبل عام، وفقًا للمادة 13 من ميثاق الحلف، للحكومة الأمريكية، ثم بعدها إبلاغ الدول الأخرى الأعضاء فى الحلف.
وذكر إدوارد هانتر كريستي، المسئول السابق فى الناتو، إنه سيتعين على واشنطن التشاور مع لجنة العلاقات الخارجية فى الكونجرس قبل إخطاره.
الثانية: أن الكونجرس أقر قانونًا عام 2023 يمنع أى رئيس أمريكى من انسحاب الولايات المتحدة من الناتو دون موافقة ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ.
فكيف سيراوغ ترامب لتخلى الولايات المتحدة من حلف الناتو؟، إذ أوضحت المجلة أن الرئيس الأمريكى سيتبنى استراتيجية لإضعاف الناتو أو تفكيكه بدون اللجوء للإجراءات الرسمية المعقدة للانسحاب من الناتو. وأكد ديفيد بلاجدن، أستاذ الأمن الدولى والاستراتيجية بجامعة إكستر البريطانية، أن إدارة “ترامب” تسعى لتدمير مصداقية الناتو، عبر رفض الالتزام بالمادة الخامسة من ميثاق الحلف، التى تلزم الدول الأعضاء بمساعدة أى عضو يتعرض لهجوم مسلح، بالرد الرادع المناسب.
وبالفعل، طوال 75 عامًا شكلت ترسانة الأسلحة النووية الأمريكية الهائلة، رادعًا قويًا لأى هجوم محتمل على دولة فى الناتو، فى مواجهة الترسانة العسكرية السوفيتية الهائلة، لذا سيلجأ ترامب للتشكيك فى هذا الدور وفى تجنب التدخل العسكرى الأمريكى مستقبلًا ولعل نموذج أوكرانيا دليلًا قويًا على نوايا ترامب.
وقد يلجأ أيضًا لسياسة العصا والجزرة، حيث يدافع فقط عن دول الناتو التى أنفقت ما تراه الإدارة كافيًا على ميزانية الدفاع فى الحلف، وهى استراتيجية تحمل فى طياتها بذور الفرقة.
من المرجح أن تواجه دول أوروبا سيناريو مرعبًا بإلغاء الوجود العسكرى الأمريكى الضخم فى القارة البيضاء، ما يثير قلق الدول المتاخمة للحدود الروسية مثل بولندا والمجر فى ظل التقارب الحالى بين “واشنطن” مع “موسكو” وإعادة تركيزه على الصين، ومن أوجه ذلك، تقليص تمركز عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين فى القارة وبالذات وسطها. ويخطط البيت الأبيض أيضُا للعب بسلاح المخابرات ودبلوماسية قطع المساعدات مع دول الناتو لإضعاف الحلف.