الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
باقُون.. رسائل مصرية قوية فى مواجهة الهمجية

فلسطين عربية وعاصمتها القدس.. والاحتلال إلى زوال ما لم يرضخ لحل الدولتين

باقُون.. رسائل مصرية قوية فى مواجهة الهمجية

«كان ياما كان فيه زمان بلد أصيلة، عشنا فى أرضها كل أحلامنا الجميلة، نعمة السلام والوئام والأمان، كنا فى البلد دى من سنين كتير طويلة، فجأة كل حاجة تبدلت لشكل تاني: بيتنا والشوارع واللغة وحتى الأغاني، لما جه غريب سرق حرق أخد مكانى، صوت الطائرات وهى بتضرب المبانى..»..



 

 

بهذه الكلمات شدت الفنانة هلا رشدى، أغنية «باقُون»، فى احتفال عيد الفطر المبارك، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى، مع أسر الشهداء وكبار رجال الدولة، بالمنارة عقب صلاة عيد الفطر فى مسجد المشير محمد حسين طنطاوى.

 

 

 

وقبلها بدقائق كانت فلسطين حاضرة فى خطبة عيد الفطر بمسجد المشير، مع تأكيد على وقوف الشعب كالبنيان المرصوص خلف قيادته السياسية، دعمًا للقضية الفلسطينية، ذلك البنيان المرصوص عكسه خروج عشرات الآلاف رافعين لافتات عقب صلاة عيد الفطر معلنين  دعمهم للموقف المصري الرسمي المناصر للحق الفلسطينى فى مواجهة الهمجية الصهيونية. «كان ياما كان فيه زمان بلد أصيلة، عشنا فى أرضها كل أحلامنا الجميلة»، أم فلسطينية تروى لطفلها حكاية وطنها، وبالتزامن مع ذلك تعرض مشاهد للدولة الفلسطينية مصحوبة بتعليقات تشير إلى أنها فى ثلاثينيات القرن الماضي، وهى رسالة قوية تعرض للمشاهد العربى وترجمة للمشاهد الأجنبى الحقيقة مجردة.

 

 

تلك الحقيقة التي تقولها المشاهد.. فلسطين.. دولة عربية كانت مزدهرة بأهلها قبل الاحتلال الصهيونى عام 1948، «نعمة السلام والوئام والأمان كنا فى البلد دى من سنين كتير طويلة»، كانت تنعم بالسلام والأمان منذ مئات السنين، قبل الاحتلال البريطانى الذي مهد للاحتلال الصهيوني، فأعطى جيمس  بلفور وزير الحرب البريطانى ما لا يملك لمن لا يستحق.

 

 

فمن رحم الاستعمار الفرنسى ولدت فكرة خلق كيان وظيفى مُعادٍ للعرب  1798، يؤدى  دور الحاجز البشرى المحقق لأهداف الاستعمار فى حماية طرق تجارته وفصل مصر عن امتدادها العربى بالشام.

 

 

 

ولم يجد نابليون من يهود العالم آذانًا مصغية حينها، واضطر بعد فشل حملته لجر أذيال الخيبة والرحيل، ليلتقط الاحتلال البريطانى الخيط بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وتنامى دور المشرق العربي، وظهرت الحركة الصهيونية الحديثة فتلاقت الأهداف.

 

 

استدعى آرثر جيمس بلفور وزير الحرب البريطانى مخطط نابليون بخلق حاجز بشرى صهيونى موالٍ لبريطانيا على حدود مصر، لتحقيق هدفين: الأول حماية الحدود الشرقية المؤدية لقناة السويس من أى عدوان لقوى منافسة قادمة عبر الشام، والثانى تحقيق مصالح الاحتلال البريطانى وحماية طرق تجارته.

 

 

استغل تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية،  المصالح البريطانية، وسعى إلى  قيادة الإمبراطورية، للضغط على مصر عبر المعتمد البريطانى اللورد كرومر 1903، للحصول على موافقة الملك والحكومة المصرية على السماح لهم بإقامة مستوطنات صهيونية فى سيناء بتوقيع ميثاق استعمارى يمنحهم ضمانات استغلال النفط والثروات لمدة 99 عامًا.

 

 

جاء رد الحكومة المصرية بالرفض، وباءت ضغوط بريطانيا بالفشل، فبعث اللورد كرومر بالرد: «نأسف لعدم استطاعتنا الضغط أكثر من ذلك على الحكومة المصرية، لدفعها لتغيير موقفها» كان ذلك نص برقية الخارجية البريطانية إلى «تيودور هرتزل».

 

 

فالقضية منذ البداية، مصر وطرق التجارة العالمية، جوهرها استبدال الاستعمار القديم بالوكيل الصهيوني، لتحقيق الأهداف ذاتها، فالانتداب البريطانى 1920- 1948، سعى لتهجير الصهاينة من أوروبا وروسيا إلى فلسطين، ليعلن الكيان الصهيونى دولته المزعومة فى اليوم التالى على انتهاء الانتداب البريطاني.

 

 

ذهب الاحتلال الفرنسي، وحل البريطاني، وقبل أن يرحل غرس الصهيوني، وتبدل اليوم الراعى البريطانى للوكيل الصهيوني، بالراعى الأمريكي، وتظل المعادلة ذاتها قائمة تلاقى مصالح الأمريكان والصهاينة.

 

 

تتلاقى مصالح الإدارة الأمريكية، الساعية للسطو على قطاع غزة لأهداف تجارية اقتصادية، مع المصالح الصهيونية، التي تستهدف فى المُقابل التهام الضفة الغربية، وكما كان البدء شعارات «أرض الميعاد»، يواصلون اليوم تغليف مخططاتهم بالمسيحية الصهيونية.

 

 

فقد أثارت صور وزير الدفاع الأمريكى فى إدارة ترامب بيت هيجسيث، نشرها  من قاعدة أمريكية خلال أدائه تمارين لياقة بدنية جدلًا واسعًا عالميًا، لما أظهرته من وشم على ذراعيه، لما حملته من دلالات وكلمات «كافر»، «الصليب القدسي»، الذي كان رمزًا للحملات الصليبية.

 

 

فما يشهده العالم من تصعيد للهمجية، يغلف بشعارات دينية، تستدعى من عصور الظلام، وتعكس توظيفا دينيا لخدمة أجندات سياسية اقتصادية، مع سيطرة اليمين المتطرف على الحركة الصهيونية، والإدارة الأمريكية.

 

 

وهذا ظهر مع التصريحات الصهيونية المتجددة بالتمسك بمخطط التهجير الصهيو أمريكي، والذي يصب فى صالح مشروع الممر الاقتصادى الأمريكى الهندى «طريق البخور»، فى مواجهة مشروع الحزام والطريق الصينى العالمى «طريق الحرير». 

 

 

 

وكما كانت الحروب الصليبية «1096- 1221»، ذات أهداف اقتصادية بالأساس، مغلفة بشعارات دينية، لخداع البسطاء الذين يساقون إلى حتفهم.  فإن الصهيونية العالمية وما يُحاك الآن بالمنطقة، يُغلف بشعارات دينية ومزاعم وعود التوراة المحرفة.

 

 

ومن هنا كانت الرسائل المصرية بالغة القوة مُباشرة لا تخطئها عين، فى عيد الفطر، وفى ظل احتفالنا لم ننس فلسطين، ولم نتراجع قيد أنملة عن موقفنا التاريخى الداعم للقضية الفلسطينية.

 

 

الرسالة فلسطين عربية، وما عرض من مشاهد خلال أغنية «باقون»، يقطع بالدليل وينشط الذاكرة لحقائق حاول الاحتلال تزييفها، فها هى فلسطين عربية ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وها هى القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وها هى يافا وحيفا وها هى مزارع الفلسطينيين وتجارتهم، وها هو المجتمع المتحضر والمدنية.

 

 

هذه هى الدولة الفلسطينية، قبل الاحتلال الذي اغتصب الأرض وأقام «الكيان» على ركام العمران الفلسطيني، وها هى أم تغرس فى الجيل القادم حقيقة الأرض والمحتل، تتحدث عن اختبار تعرض له الشعب الفلسطينى وكان «قد الاختبار»، صمد وتقاسم رغيف الخبز وتقاسم الخيمة، وعاد لأرضه يعيش على الركام.

 

 

تعطى الأم لابنها «المفتاح»، فكل المهجرين يحتفظون بمفاتيح منازلهم، يتوارثها الأبناء جيلا بعد جيل، فالحق لا بد أن يعود لأصحابه.

 

 

وفى ظل تصاعد التحديات، والهمجية التي تجتاح العالم، مهددة باتساع بؤر الصراع وتصاعد حدته، وتنامى احتمالات نشوب حرب عالمية، تبعث مصر برسائل قوية: 

 

 

١- مصر وفية، فها هى وفية لشهدائها، تحتضن نسل الشهداء، تكرم أسماءهم ترعى أبناءهم وأسرهم وتكرم وترعى المصابين وأسرهم.

 

 

 

وهو تقليد يحرص عليه الرئيس عبدالفتاح السيسي فى كل المناسبات والأعياد الوطنية، عيد الشهيد وانتصارات أكتوبر، فيما يحتفل مع أبناء الشهداء والمصابين فى أول أيام عيد الفطر كل عام.

 

 

وهى رسالة بليغة، تطمئن كل من يقف على ثغور الوطن حاميًا مدافعًا، عن حدوده وأمنه الداخلي، أن من يدفع حياته فداء للوطن، لا ينساه الوطن ولا يهمل أبناءه وأسرته.

 

 

رسالة الوفاء ممتدة من أبناء الوطن إلى الأشقاء فى فلسطين، فمصر تواصل ما بدأته من دعم للقضية الفلسطينية التي سالت على أرضها دماء الشهداء المصريين، فى مواجهة الحروب الصليبية، مرورًا بحروب العام 1948، وحتى 1973.

 

 

٢- لا للتهجير ونعم للتعمير .

 

 

تتمسك مصر بالتعمير بلا تهجير، ولا تسمح بالمساس بذرة من تراب سيناء، لا تسمح بتصفية القضية الفلسطينية، ولا سبيل للأمن والسلم إلا حل الدولتين، إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967،  وعاصمتها القدس الشرقية.

 

 

وما دون ذلك لن يتحقق السلم والأمن فى منطقة المشرق العربي، ولن يسمح للاحتلال بتصفية القضية.

 

 

هذا ليس موقف القيادة السياسية وحدها، بل موقف مصر شعبًا وحكومة وقيادة سياسية، وظهر ذلك فى اصطفاف الشعب خلف قيادته كالبنيان المرصوص، مجتمع مدنى وحكومة وأحزاب ومؤسسات.

 

 

٣- أى تهور من الأمريكان والصهاينة بأنهم يمكنهم فرض أمر واقع بالقوة وهم يتطلب تذكيرهم بدروس التاريخ.

 

 

وقد ذكرتهم مصر عبر عبارات بليغة للدكتور أسامة الأزهرى فى احتفال ليلة القدر بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسي، بأن لهذا الكون إلها يسير شؤونه، ويمهل الظالم بعض الوقت، لكنه لا يتركه يتمادى فى ظلمه، فعندما يأذن يناصر الحق على الباطل.

 

 

مستدعيًا درسا من دروس التاريخ، فترة عصيبة، منذ ألف عام، احتل الغرب القدس بشعارات دينية، 88 عامًا، حتى ظنت الأجيال حينها أنها النهاية، فإذ بالله يأذن بتحريرها على يد جند مصر بقيادة صلاح الدين الأيوبي، فانتصر المصريون فى معركة حطين.

 

 

وهذه رسالة للهمجية الصهيو أمريكية، ومن يستعيدون الشعارات الدينية من عصور الظلام، يغلفون بها مطامعهم السياسية والاقتصادية فى المنطقة، إن مصر دائمًا كانت مقبرة للغزاة، ودائمًا كانت الجولة الأخيرة للطامعين فى ثروات المنطقة العربية، على حدودها يدفن الغزاة من المغول والتتار والحملات الغربية والصهيونية.

 

 

لهذا الكون إله يسير شؤونه، ويأذن بانتصار الحق، طالما هناك رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، يرابطون على أرضهم يرفضون لا يعرفون إلا إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة.

 

 

ففى فلسطين بعث العمل الإبداعى «باقون» برسائل متنوعة جميعها تؤكد أن الشعب الفلسطينى باقً فى أرضه، إما أن يعيش فوقها أو يدفن فى باطنها: «باقُون ما بقى الزعتر والزيتون»، «لن نخرج منها إلا فى توابيت»… رسائل الشعب الفلسطينى الصامد.

 

 

ورسالة مصر: القضية الفلسطينية جزء من ضمير مصر، لا تفريط فى الحق ولا قبول بالظلم.

 

 

حفظ الله مصر وشعبها والأشقاء فى فلسطين