الجمعة 16 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
حقبة برلمانية جديدة

النواب يواجه التحدى

حقبة برلمانية جديدة

بمنتهى الإيجاز، نحن أمام حقبة برلمانية جديدة، من حقب الحياة النيابية المصرية التى يبلغ عمرها 160 عامًا منذ ميلاد مجلس شورى النواب عام 1866 م، فى عهد الخديو إسماعيل.



 

حقبة برلمانية جديدة، لها خصائصها، وسماتها، وسوابقها، وعتبتها التاريخية، وتحدياتها، ولها ما بعدها ويمكن إجمالها فى النقاط التالية: 

 

أولًا: هى الانتخابات الأطول فى تاريخ الاستحقاقات النيابية المصرية، امتدت 95 يومًا منذ فتح الهيئة الوطنية للانتخابات باب الترشح فى 8 أكتوبر 2025، وحتى إعلان نتائج جولة الإعادة فى 28 دائرة انتخابية.

 

لتلك السابقة أسبابها الظاهرية، ممثلة فى إلغاء انتخابات 49 دائرة بالجولة الأولى، 19 منها ما انتهت إليه الهيئة الوطنية للانتخابات بعد فحص التظلمات، بينما 30 دائرة نفاذًا لأحكام المحكمة الإدارية العليا.

 

بينما واقعيًا، امتداد الانتخابات لثمانى جولات، نتيجة صراع بين من حاولوا العبث بإرادة الناخبين بحثًا عن مغانم شخصية، عبر تجاوزات مضاعفة، لو سمح بمرورها لكانت ردة عن الديمقراطية، تهدد استقرار الوطن، وبين إرادة سياسية إصلاحية تستهدف العبور بسفينة الوطن إلى بر الأمان فى محيط متلاطم الأمواج إقليميا ودوليًا.

 

تجلت تلك الإرادة السياسية الإصلاحية، فى أبهى صورها فى سابقة تاريخية، بتدوينة الرئيس عبدالفتاح السيسى، التى دعا خلالها الهيئة الوطنية للانتخابات، بوصفها الجهة المستقلة المهيمنة على العملية الانتخابية، عدم التردد فى اتخاذ ما يلزم لضمان الحفاظ على إرادة الناخبين، وإلغاء بعض أو كل الدوائر حال تعذر التحقق من تلك الإرادة.

 

وكان لهذه التدوينة ما بعدها، فهى إشارة إلى حيادية الدولة ممثلة فى رئيسها، ومن ثم أداء مؤسساتها لدورها الهادف إلى إنجاز الاستحقاق بما يضمن تعبيرا صادقا عن إرادة الناخب.

 

فى حقب سابقة بلغت ذروتها فى انتخابات عام 2010، كانت مؤسسات الدولة متهمة بالانحياز للحزب الوطنى الحاكم، ومساندته فى تزييف إرادة الناخبين، وفى أول انتخابات تالية على العام 2011، استغل تجار الدين السيولة السياسية، وضعف البنية الحزبية، للسطو على أغلبة المقاعد ولم تخل من تزييف إرادة البسطاء بـ«الكراتين». 

 

بدأ الإصلاح السياسى فى دورتى 2015، 2020، تفهم الشعب خطورة المرحلة، وانخرط فى إنجاز التشريعات المكملة للدستور، وإقرار ما صدر من قوانين بمراسيم رئاسية فى مرحلة انتقالية، وفصل تشريعى ثان تصدى خلاله المجلس لتحديات وتشريعات بالغة الأهمية.

 

ثانيًا: عتبة تاريخية واستقرار داخلى 

 

تأتى انتخابات الفصل التشريعى الثالث، مع نهاية ربع القرن الأول من العقد الأول من الألفية الثالثة، وبداية ربع القرن الثانى، وقد استقرت مصر سياسيًا، وأمنيًا واقتصاديًا، بعد أن حققت إنجازات فى الملف الأمنى بالقضاء على الإرهاب، واستقرارًا سياسيًا، ونموًا اقتصاديًا، ونجاحات مبينة فى ملفات السياسة الخارجية.

 

كل ذلك يعنى أنها حقبة برلمانية، فى حقبة تاريخية وظروف داخلية مغايرة، لما شهدته مصر من تحديات الإرهاب وتبعات المرحلة الانتقالية فى الفصلين التشريعيين السابقين.

 

حقبة تبدأ مع استقرار سياسى وعبور تحديات اقتصادية خانقة، وتغلب على محاولات حصار مصر دبلوماسيًا، وانتصار الإرادة المصرية، بإحباط مخطط التهجير، واعتراف أمريكا بكون جماعة الإخوان إرهابية، وتحول مواقف الدول الداعمة للإرهاب واقتناع أطراف إقليمية بأهمية الحفاظ على الدولة الوطنية والحلول السلمية للدول التى تشهد صراعات داخلية.

 

كل ذلك يعنى منح ملف الإصلاح الديمقراطى، أولوية والتصدى الحازم لأى تجاوزات تعيق ذلك المسار وهو ما حدث برعاية الرئيس عبدالفتاح السيسى.

 

ثالثًا: حقبة جديدة.. تشكيل ومقر وعاصمة وجمهورية 

 

أسفر المسار الإصلاحى عن تشكيل جديد لمجلس النواب، بخريطة جديدة للقوى السياسية، المستقلون فيها الكتلة الثانية بـ 106 مقاعد، وهو ما تنبأت به فى انفراد تحليلى فى هذه المساحة بمقال 4 ديسمبر الماضى، بينما احتفظ بالمركز الأول حزب مستقبل وطن.

 

والملاحظ هنا أن المستقلين حصدوا 42% من إجمالى المقاعد المتنافس عليها فرديًا، وتشكل نسبتهم 18.4% من إجمالى أعضاء المجلس البالغ عددهم 568 مقعدًا.

 

فيما حصد حزب مستقبل وطن 227 مقعدًا 106 فردى و121 قوائم، بما يمثل 39.9% من إجمالى مقاعد المجلس، فيما حصد المستقلون 105 مقاعد بنسبة تصل إلى 18.4%.

 

وهنا البرلمان بلا أغلبية يسيطر عليها حزب بمفرده، وإن كانت ثلاثة أحزاب فقط من ائتلاف الجبهة الوطنية تحالفها يتجاوز الأغلبية، وهى مستقبل وطن وحماة وطن والجبهة الوطنية. 

 

ومع تنامى نسبة المستقلين إلا أن التمثيل الحزبى متنوع حيث ضمت الخريطة 15 حزبًا، 7 منهم مؤيدون و8 معارضة بإجمالى عدد مقاعد 53 مقعدًا، أكثرهم تمثيلًا المصرى الديمقراطى والعدل بواقع 11 مقعدًا لكل منهم، يلى ذلك الوفد والإصلاح والتنمية بواقع 9 مقاعد لكل منهما، وأقل الأحزاب تمثيلًا بمقعد واحد لكل من المحافظين والوعى.

 

ذلك التنوع غير مقتصر على الانتماء الحزبى والسياسى، بل الفئات العمرية، والخبرات المهنية والأكاديمية، وبدا ذلك بوضوح فى الجلسة الافتتاحية الإجرائية فقد ترأس الجلسة الإجرائية فى سابقة تاريخيّة ثلاث نائبات، وفق المادة 276 من اللائحة الداخلية بترأس الجلسة الإجرائية بشكل مؤقت أكبر الأعضاء الحاضرين سنًا، وهى النائبة عبلة الهوارى 79 عامًا، ويعاونها أصغر عضوين من الأعضاء، وهما النائبة سامية الحديدى والنائبة سجى هندى 25 عامًا.

 

فصل تشريعى جديد، فى مقر جديد لمجلس النواب، فى العاصمة الجديدة بالجمهورية الجديدة، وهو دلالة أخرى على سمات تلك الحقبة النيابية، التى انتقل فيها المجلس بشكل كامل إلى المقر الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة

 

هذا الإنجاز الذى يعكسه البنيان والعمران، والتنمية قطعًا يضع النواب والحكومة أى السلطتين التشريعية والتنفيذية فى تحدى المسئولية أمام الشعب.

 

رابعًا: النواب والحكومة فى تحدى المسئولية 

 

بدأ المجلس أعماله بجلسة إجرائية مُشرفة، مقر أكثر اتّساعًا وإمكانيات، وتنظيم جلس فيه النواب وفق أرقام عضويتهم بلا أفضلية، وانتخابات على مقعد الرئاسة ومقعدى الوكيلين شهدا تنافسية.

 

فاز بالرئاسة شخصية قانونية تمتلك تاريخًا قضائيًا وتنفيذيًا مشرفًا، المستشار هشام بدوى، بنسبة 91.4% من إجمالى الأصوات 521 صوتًا من إجمالى 570 صوتًا، فيما حصل منافسه النائب محمد سامى الإمام نائب رئيس حزب الشعب الجمهورى على 49 صوتًا، وفاز بمقعدى الوكيلين الدكتور عاصم الجزار والدكتور محمد الوحش.

 

فى تلك الجلسة الافتتاحية، أكد رئيس المجلس على أنه سيعمل على تحقيق المساواة بين الأعضاء، وإعمال الدستور والقانون، داعيًا النواب لأداء مهامهم التشريعية والرقابية، فى ضوء الدستور والقانون.

 

المستشار هشام بدوى
المستشار هشام بدوى

 

 

ربما أراد المستشار هشام بدوى رئيس البرلمان، أن يبعث برسائل تشير إلى أن المجلس فى انتظار أداء برلمانى مُشرف، بتأكيده العمل على الحفاظ على كرامة البرلمان وأعضائه، وأهمية تفعيل آلياته التشريعية والرقابية والمحاسبية لصالح الوطن والمواطن، بلا مغالاة وبلغة عقلانية.. بلا شعارات حماسية.

 

فى المقابل بعثت السلطة التنفيذية، برسائلها التى عبر عنها المستشار محمود فوزى، وزير الشئون القانونية، والمجالس النيابية والتواصل السياسى، فى أول خطابات الحكومة بالجلسة الافتتاحية الإجرائية، الذى مثل رؤية استراتجية، تنطلق من الواقع إلى رؤية مستقبلية لدور المجلس، والشراكة فى تحقيق مصلحة الوطن والمواطن.

 

كانت الرسالة الأولى أن الرئيس عبدالفتاح السيسى، لم يتقبل أن تمر الانتخابات إلا بالانتصار لإرادة الشعب، إيمانًا بأن تحقيق العدالة هو حائط الصد وهو الوجهة التى تحمى السفينة من الجنوح.. وأن البرلمان والحكومة يتكاملان فى أداء دورهما الوطنى لخدمة المواطن.

 

وتوالت الرسائل المؤكدة على التعاون التام، والشفافية، وتطلع الحكومة للاستفادة من ممارسة أعضاء البرلمان لأدواتهم الرقابية فى التعرف على ما يواجه الشعب من مشكلات، وهى رسائل فى مجملها تنبئ بفصل تشريعى أكثر فاعلية، يمثل حقبة نيابية جديدة، يتحمل فيها النواب مسئوليتهم الدستورية، يفعلون فيه أدواتهم التشريعية والرقابية، لخدمة المواطن، بما يعزز الثقة والشفافية، والمشاركة السياسية.

 

خامسًا: ماذا يريد المواطن من البرلمان والحكومة؟ 

 

الشعب يريد برلمانا فاعلا، يمتلك من المهارة والحرفية ما يجعله يؤدى دوره الدستورى بكفاءة تحقق مصلحة المواطن التى هى مصلحة الوطن فلا تناقض بينهما.

 

يريد الشعب برلمانا يصدر تشريعات تعزز النسيج والوطنى، بما تحققه من عدالة اجتماعية، وتنمية اقتصادية تنعكس على حياة المواطن إيجابيًا، يريد برلمانا يقر السياسة العامة للدولة بمناقشة واعية، لا يقر خطط الحكومة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية إلا إذا وجدها محققة فعليًا لأقصى ما يمكن تحقيقه فى صالح المواطن فى ضوء الإمكانيات والتحديات.

 

حفظ الله مصر