أيمن عبد المجيد
عيد الشرطة.. انتصار الإرادة
إن إرادة المصريين لا تلين، ومصدر قوة الوطن اصطفاف نسيجه الوطنى شعبًا وقيادة وجيشًا وشرطة.
شعب مصر لا يعرف المستحيل، ومعى بهذا شاهد ودليل:
الزمان: فجر الجمعة 25 يناير 1952.
المكان: مبنى محافظة الإسماعيلية.
الحدث: قوات الاحتلال البريطانى تحاصر مبنى المحافظة بالأسلحة الثقيلة والدبابات.
فارق هائل فى القوة عددًا وتسليحًا.. ضابط ومجموعة من جنود الشرطة المصريين، ببنادق محدودة القدرة والذخيرة، فى مواجهة حصار قوات بريطانية بأسلحة ثقيلة.. مدافع ودبابات، وظهير فى معسكرات مدن القناة يتجاوز 80 ألف مقاتل.
الجنرال ماتيوس قائد قوات الاحتلال المهاجمة، يطالب اليوزباشى مصطفى رفعت، قائد قوات البوليس المصرى بالمحافظة بتسليم نفسه ورجاله وإلقاء سلاحهم.
البطل ورجاله يرفضون إخلاء مبنى المحافظة، فالهدف إجبارهم على مغادرة مدن القناة إلى القاهرة، بعد أن تصاعدت عمليات المقاومة الشعبية، لإجبار الاحتلال على الجلاء التام عن مصر.
فبعد سبعة عقود من مقاومة المحتل الذى بدأ باحتلال الإسكندرية 11 يوليو 1882، بلغت ذروتها بمعاهدة 1936 التى أجلت الاحتلال عن مصر باستثناء مدن القناة، وإلغاء الجلاء التام عن كامل الأرض المصرية.. قاطع العمال المصريون معسكرات الاحتلال، وتصاعدت المقاومة الشعبية.
استدعى «البريجادير إكسهام» القائد البريطانى بمنطقة القناة، ضابط الاتصال المصرى لتسليمه إنذارًا، يطلب من قوات الشرطة المصرية بالإسماعيلية تسليم أسلحتها للقوات البريطانية، واستقلال القطار المتجه إلى القاهرة فجر الجمعة 25 يناير 1952.
رفض اللواء أحمد رائف، قائد قوات البوليس المصرى بالإسماعيلية، الإنذار، وسط إصرار رجال الشرطة المصرية، على التمسك بأرضهم، وإدراكهم أن الهدف من إجلائهم من مدن القناة، هو تمكين الاحتلال من تصفية الفدائيين والمدنيين، بعد تأكدهم من أن الشرطة المصرية تدعم المقاومة الشعبية وتوفر الحماية للفدائيين.
أجرى اللواء أحمد رائف اتصالًا بمكتب وزير الداخلية فؤاد باشا سراج الدين، لإطلاعه على الموقف، وتلقى الأوامر، وتم تحويل الاتصال إلى الوزير.
قال رائف: «قوات الاحتلال وجّهت إلينا إنذارًا تطلب إخلاء مقراتنا بالإسماعيلية وتسليم أسلحتنا يا فندم ونحن رافضون وقررنا المقاومة، وننتظر تعليمات سيادتك».
الوزير: تقدروا يا أحمد؟
رائف: سندافع عن أرضنا حتى آخر نفس يا فندم.
الوزير: استمروا فى المقاومة.
فجر الجمعة.. قوات الاحتلال تحاصر مبنى المحافظة، بالمدفعية والدبابات، تطالب اليوزباشى مصطفى رفعت قائد البوليس المصرى بمبنى المحافظة، بتسليم السلاح والاستسلام، يرفض رفعت، ويقرر ورجاله المقاومة دفاعًا عن الأرض وشعب الإسماعيلية، فالمحتل هو من عليه أن يرحل.
وجه المحتل قذيفة دبابة للمحافظة، استشهد عامل السويتش، ودارت رحى المعركة، استبسل القادة والجنود المصريون، وتكبد الاحتلال خسائر فادحة، وصمد أبطال مصر والفدائيون حتى آخر طلقة ذخيرة بحوزتهم، وانتهت المعركة الأسطورية باستشهاد خمسين من أبطال الشرطة وأصيب ثمانون بطلًا.
أبهرت المقاومة الباسلة، الجنرال ماتيوس قائد قوات الاحتلال المهاجمة، كيف لجنود بأسلحة خفيفة يقاومون جيش بريطانيا العظمى، ويوقعون به خسائر فادحة، طلب لقاء البطل مصطفى رفعت الذى تفاوض على الخروج بكرامة، إسعاف الجرحى وخروج الجنود مرفوعى الرأس، فأعطت قوات الاحتلال التحية العسكرية لمن قاتلوا بشرف دفاعًا عن أرضهم.
إنها الإرادة يا سادة، وكانت تلك شرارة القضاء التام على الاحتلال، وثورة ضباط الجيش الأحرار، والجلاء التام للاحتلال.
بهذه الإرادة الفولاذية، واصل الأحفاد بطولات الأجداد، وقضت مصر جيشًا وشرطة، على الإرهاب، وبات الأمن فى مصر مضرب الأمثال، والتجربة المصرية تدرس فى مجابهة التحديات.
الاصطفاف الشعبى خلف القيادة والمؤسسات، عبرت بمصر التحديات، وأخطرها تحدى ما بعد 25 يناير 2011، يوم أن حاولت قوى الشر السطو على محاولة الإصلاح والتغيير لشباب وطنى، والانحراف به إلى تخريب وتدمير.
لكنه الشعب الذكى، سرعان ما واجه العدوان على مؤسسات الدولة، بهتاف «الشعب والجيش والشرطة إيد واحدة» مصححًا مسيرته.
التاريخ يحتاح إلى كتابة صادقة، للأجيال القادمة، نعم كانت هناك مطالب بالإصلاح والتغيير من أنقياء، وكان هناك مندسون خبثاء، استغلوا حراك الإصلاح والتغيير إلى تخريب وتدمير، كانت هناك أخطاء نظام سابق، وكانت هناك مؤامرات، وكان هناك شرفاء.
واليوم تنامت قدرة مصر، بوعى شعبها وقوة مؤسساتها، تضع خطوطا حمراء لا يمكن لأى كائن من كان تجاوزها، فمصر تملك القدرة، وتتخذ من الإجراءات -بعون الله- ما يكفل حماية جبهتها الداخلية، وأمنها القومى على جميع محاوره الاستراتيجية.
كل عام وشعب مصر وقيادته ورجال الشرطة المصرية بخير فى ذكرى البطولة والفداء









