مصر قيادة فاعلة لمجلس السلم والأمن الإفريقى فى مرحلة شديدة الحساسية
أمانى عزام
فى مرحلة شديدة الحساسية تمر بها القارة الإفريقية، تتولى مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقى وسط تصاعد غير مسبوق فى بؤر الصراع، وتداخل معقد للتحديات الأمنية والسياسية والإنسانية، الممتدة من السودان إلى منطقة الساحل الإفريقى، ومن القرن الإفريقى إلى ليبيا ووسط القارة. وتأتى هذه الرئاسة فى ظل آمال إفريقية واسعة، تعوّل على الخبرة المصرية المتراكمة سياسيًا ودبلوماسيًا وتنمويًا، لتحويل شعار «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية» من إطار نظرى إلى مسارات عملية قادرة على احتواء الأزمات ومنع اندلاع صراعات جديدة.
ويجمع الخبراء الذين تحدثوا لجريدة «روزاليوسف» على أن رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن تمثل محطة فارقة فى مسار العمل الإفريقى المشترك، واختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات القارية على التحرك المستقل والفاعل فى مواجهة أزمات ممتدة. وبين الدبلوماسية الوقائية، وخبرات حفظ السلام، والربط الوثيق بين الأمن والتنمية، تعتمد القاهرة على مقاربة شاملة تستهدف معالجة جذور الصراعات بدل الاكتفاء بالتعامل مع مظاهرها، بما يعيد الاعتبار لإفريقيا كفاعل رئيسى قادر على حماية أمنه وصياغة مستقبله بإرادته الذاتية.
مسئولية إفريقية جسيمة
أكد السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن تولى مصر رئاسة مجلس السلم والأمن الإفريقى يمثل مسئولية قارية كبرى فى توقيت بالغ الحساسية، فى ظل تعدد بؤر التوتر وتشابك التحديات الأمنية والسياسية والإنسانية، الأمر الذى يفرض ضرورة تبنى مقاربات إفريقية واقعية وقابلة للتطبيق.
وأوضح أن القارة تواجه حاليًا أزمات معقدة، يأتى فى مقدمتها استمرار الصراع فى السودان وما يترتب عليه من تداعيات إنسانية وأمنية خطيرة على دول الإقليم، إلى جانب تفاقم حالة عدم الاستقرار فى منطقة الساحل نتيجة تمدد التنظيمات الإرهابية وضعف مؤسسات الدولة الوطنية، فضلًا عن التحديات المتنامية فى القرن الإفريقى، وما يرتبط بها من صراعات داخلية وتدخلات خارجية تؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر وطرق الملاحة الدولية.
وأضاف أن عددًا من الدول الإفريقية يعانى من هشاشة الانتقالات السياسية وتكرار التغييرات غير الدستورية للحكم، ما يضع مجلس السلم والأمن أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين دعم الشرعية الدستورية والحفاظ على استقرار الدول ومنع انهيار مؤسساتها.
وأشار إلى أن الرؤية المصرية تنطلق من إيمان راسخ بتفعيل مبدأ «الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية»، عبر دعم جهود الوساطة فى مناطق النزاع، وتعزيز آليات الإنذار المبكر ومنع الصراعات، وتكثيف التنسيق مع التجمعات الإقليمية، بما يضمن معالجة الأسباب الجذرية للأزمات بدل الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
وأكد أن مصر تولى اهتمامًا خاصًا للتحديات العابرة للحدود، وفى مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، إلى جانب تأثيرات التغير المناخى على الأمن الغذائى والمائى، باعتبارها عوامل رئيسية فى تأجيج الصراعات وتهديد الاستقرار طويل الأمد فى القارة.
طبيعة الدور المصرى
من جانبه، قال السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الاتحاد الإفريقى، منذ أن كان فى إطار منظمة الوحدة الإفريقية، يمتلك خبرة متراكمة فى مجال حفظ السلام، من خلال مشاركة العديد من الدول الإفريقية بقوات فى بعثات حفظ السلام داخل القارة، بالتعاون مع الاتحاد الإفريقى والأمم المتحدة.
وأوضح أن هذه الخبرة لا تقتصر على الجوانب العسكرية، بل تمتد إلى الجهود الدبلوماسية، سواء عبر الدبلوماسية الوقائية الهادفة إلى منع الخلافات السياسية من التحول إلى صراعات مسلحة، أو من خلال دبلوماسية تسوية النزاعات بالتعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن هذه الخبرات سيتم توظيفها خلال فترة رئاسة مصر لمجلس السلم والأمن، الممتدة حتى نهاية شهر فبراير، بما يتيح للقاهرة الإسهام بفاعلية فى معالجة عدد من الملفات الساخنة فى القارة.
وأضاف أن إفريقيا تشهد حاليًا العديد من بؤر التوتر، من بينها استمرار الحرب فى السودان، وتصاعد التوتر فى جمهورية جنوب السودان، رغم محدودية التغطية الإعلامية، فضلًا عن التحديات الأمنية فى الصومال، واستمرار الأزمة الليبية منذ عام 2011 حتى الآن.
ولفت إلى وجود خلافات قائمة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب تنامى خطر الجماعات الإرهابية فى دول الساحل وغرب إفريقيا، بما يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليمى.
وأكد أن مصر، بما تمتلكه من خبرة طويلة فى التعامل مع هذه الملفات المعقدة، تتعاون بشكل وثيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مشيرًا إلى مشاركتها فى اللجنة الرباعية المعنية بالأزمة السودانية، إلى جانب استضافة وعقد اجتماعات لدول الجوار الليبى بحضور المبعوثة الأممية هانا تيتيه، لبحث سبل التوصل إلى حل سياسى شامل للأزمة.
الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة
بدوره، أكد الدكتور محمد عبد الغفار، رئيس المجلس الاقتصادى الإفريقى ورئيس مفوضية عموم إفريقيا العالمية وسفيرها لدى دول شمال إفريقيا والعالم العربى، أن تولى مصر رئاسة مجلس السلم والأمن يمثل فرصة استراتيجية لتعزيز الجهود الإفريقية الرامية إلى إنهاء الصراعات، من خلال مقاربة شاملة تربط بين الأمن والتنمية والتكامل الاقتصادى.
وأوضح أن مصر، منذ فجر التاريخ، حرصت على ترسيخ علاقاتها مع محيطها الإفريقى وتعميق روابطها الجغرافية والإنسانية، مستندة إلى مقومات طبيعية وتاريخية، وفى مقدمتها نهر النيل، الذى شكّل شريان حياة جامعًا لشعوب القارة، ما رسّخ قناعة راسخة بأن استقرار إفريقيا يمثل أولوية أصيلة للأمن القومى المصرى.
وأشار إلى أن هذا التوجه تجسد فى دعم القضايا الحقوقية والسياسية الإفريقية، واحتضان حركات التحرر الوطنى فى مواجهة الاستعمار، الذى استنزف ثروات القارة وأضعف بنيتها المؤسسية.
وأكد أن الدولة المصرية، منذ تولى حكومة الثلاثين من يونيو عام 2013، وضعت تقديم الحلول الأمنية والسياسية المستدامة فى صدارة أولوياتها، بالتوازى مع تعزيز سياسات الاندماج والتكامل الاقتصادى، وتعظيم القيمة المضافة للموارد الطبيعية، وتشجيع الاستثمارات التنموية غير الاستنزافية، وتوطين الصناعات التحويلية للوصول إلى منتجات نهائية عالية العائد.
وأضاف أن هذه السياسات تستهدف خلق مناخ استثمارى عادل قائم على التنافسية والكفاءة وعدالة توزيع العائد، بما يخفف الأعباء عن الحكومات، ويوجه الموارد لتطوير البنية الأساسية والخدمات العامة، وخلق فرص عمل تقلل من الهجرة غير الشرعية وتعزز الانتماء الوطنى.
وأوضح أن الرؤية المصرية تسعى كذلك إلى تحييد الدول الإفريقية النامية عن دوائر النزاعات والحروب، التى تعود جذورها فى كثير من الأحيان إلى التقسيمات الاستعمارية المصطنعة للحدود، مؤكدًا أن مبدأ «الحلول الإفريقية للأزمات الإفريقية» يمثل حجر الزاوية فى هذا التوجه الاستراتيجى.










