الخميس 5 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

«القاهرة - أنقرة» ترسمان خريطة السلام

فى لحظة إقليمية فارقة، استقبلت القاهرة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، فى زيارة تتجاوز الطابع البروتوكولى، وتفتح مسارًا جديدًا فى العلاقات «المصرية–التركية»، فى ظل انفجار «جيوسياسي» يُعيد تشكيل الشرق الأوسط، وتصاعد غير مسبوق فى الأزمات الممتدة من غزة إلى السودان، ومن شرق المتوسط إلى القرن الإفريقي.



من جانبه، يرى اللواء أحمد الشهابى، رئيس المركز الوطنى للدراسات، أن زيارة الرئيس أردوغان للقاهرة فى هذا التوقيت الحرج تمثل «إعلانًا رسميًا عن ولادة محور استقرار» فى منطقة تموج بالاضطرابات، مؤكدًا أن القاهرة وأنقرة انتقلتا من مرحلة «التنافس الصفري» إلى مستوى «التكامل الاستراتيجى المدروس»، مضيفًا أن هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانفجار الجيوسياسى المتوقع، الذى يعيد رسم خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط، خاصة أن ما يجرى هو عملية «هندسة مصالح» بين أكبر قوتين عسكريتين وبشريتين فى شرق المتوسط، بعد أن أدرك الطرفان أن استمرار الخلاف بينهما كان يمثل «منحة استراتيجية» لقوى إقليمية أخرى سعت للهيمنة على الإقليم.

ويشير «الشهابي» إلى أن التنسيق «المصري–التركي» لعب دورًا مباشرًا فى كبح الطموحات الخارجية فى عدد من الملفات الساخنة، وفى مقدمتها الملف الليبى، حيث انتقلت المنطقة من خطر المواجهة المباشرة عند خط «سرت – الجفرة» إلى مسار التنسيق لتوحيد المؤسسة العسكرية وتأمين تدفقات الطاقة.

وعلى مستوى التعاون العسكرى، يؤكد «الشهابي»، أن الشراكة بين القاهرة وأنقرة تجاوزت صفقات التسليح التقليدية، لتنتقل إلى التركيز على «السيادة التكنولوجية»، مشيرًا إلى أن انخراط مصر فى مباحثات تتعلق بالمقاتلة الشبحية التركية (KAAN) يمثل ردًا استراتيجيًا على محاولات الإخلال بالتوازن الجوى فى المنطقة، إلى جانب توطين صناعة الطائرات المسيرة المتطورة داخل المصانع الحربية المصرية، بما يمنح القاهرة استقلالية عملياتية وسياسية كاملة.

من جانبه، يؤكد الدكتور ولاء عراقيب، الخبير القانونى والمستشار الدولى، أن زيارة الرئيس التركى للقاهرة لا تقتصر على كونها مشاركة فى الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، بل تمثل خطوة أساسية فى صياغة «عقد سياسى جديد» بين القاهرة وأنقرة، يهدف إلى إعادة التوازن فى منطقة تعانى من صراعات مفتوحة ومشاريع تفكيك.

ويشير «عراقيب»، إلى أن الزيارة تأتى فى إطار تحالف «الضرورة»، الذى تفرضه الملفات المشتعلة من غزة إلى الخرطوم، موضحًا أن هذا التحالف لا يقوم على المجاملات، بل على إدراك استراتيجى بأن استقرار الدول الكبرى هو المدخل الوحيد لاستقرار الإقليم.

ويعتبر «عراقيب»، أن الملف السودانى يمثل الاختبار الحقيقى لهذا التقارب، مشيرًا إلى أن القاهرة وأنقرة تتحركان فى اتجاه دعم مفهوم «الدولة الوطنية» فى مواجهة سيناريوهات الفوضى والمليشيات.

 

 

 

وأوضح أن التنسيق «المصري–التركي» يستهدف منع تحول السودان إلى دولة فاشلة تهدد العمق الحيوى المصرى والمصالح التركية فى القارة الإفريقية، مؤكدًا أن هذا التنسيق يقوم على الحفاظ على وحدة الأراضى السودانية وسلامة مؤسساتها الوطنية ورفض أى سيناريوهات للتقسيم.

وفيما يتعلق بالملف الليبى، يوضح أن القاهرة وأنقرة انتقلتا من مرحلة المواجهة المباشرة عند خط (سرت – الجفرة) إلى مرحلة التنسيق السياسى والأمنى، بما يسهم فى توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، ومنع تحويل ليبيا إلى ساحة صراع مفتوحة، خاصة أن هذا التحول لعب دورًا مباشرًا فى كبح الطموحات الخارجية التى كانت تعتمد على الخلاف المصري–التركى لإعادة تشكيل المشهد الليبى بما يخدم مصالحها.

بينما، يؤكد وليد عتلم، الكاتب والباحث بالمركز الوطنى للدراسات، أن زيارة الرئيس التركى إلى القاهرة تمثل عملية «إعادة ضبط مصنع» لموازين القوى فى شرق المتوسط والشرق الأوسط، فى توقيت بالغ الحساسية تشهد فيه المنطقة تداخل أزمات غير مسبوقة.

ويوضح «عتلم» أن الزيارة تأتى فى لحظة لا تزال فيها الحرب مفتوحة فى غزة، مع تصعيد خطير فى التوتر مع إيران، وتمدد إسرائيلى متسارع فى البحر الأحمر والقرن الإفريقى، إلى جانب اضطراب عالمى فى سلاسل الإمداد وتباطؤ اقتصادى، وهو ما فرض على القاهرة وأنقرة إعادة التموضع الاستراتيجي.

ويتابع: «التقارب المصري–التركى يعكس إدراكًا متبادلًا بأن مرحلة الصدام والاستقطاب قد استنفدت أغراضها، وأن كلفة التنافس غير المنضبط أصبحت أعلى من أى مكاسب محتملة، ما يجعل التنسيق ضرورة لحماية المصالح الاستراتيجية للطرفين فى ملفات شرق المتوسط وغزة وليبيا والقرن الإفريقى وإفريقيا جنوب الصحراء»، مشيرًا إلى أن الشق الاقتصادى يحتل مقدمة الأجندة المشتركة، حيث تستهدف الدولتان رفع حجم التبادل التجارى إلى نحو 15 مليار دولار، مع توجيه استثمارات تركية جديدة تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار لقطاعات الصناعات المغذية والتقنية، التى تخدم الاقتصاد المدنى والإنتاج الحربى معًا.

ويشير إلى أن القاهرة وأنقرة تسعيان للانتقال من مرحلة التبادل التجارى التقليدى إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية، عبر إنشاء مدن صناعية تركية فى مصر، وتوطين التكنولوجيا، واستخدام الموانئ المصرية كبوابة لوجستية للمنتجات التركية نحو إفريقيا، مقابل فتح السوق الأوروبية وآسيا الوسطى أمام الصادرات المصرية عبر تركيا.

وعلى المستوى الإقليمى، يوضح «عتلم» أن التنسيق المصري–التركى يمنع انفراد أى طرف بفرض وقائع استراتيجية جديدة فى غزة، ويخلق ثقلًا موازنًا للضغوط الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، كما يشكل ضرورة استراتيجية فى مواجهة محاولات اختراق أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

وختاما تعكس زيارة الرئيس التركى إلى القاهرة تحولًا استراتيجيًا عميقًا فى طبيعة العلاقات المصرية–التركية، من إدارة الخلاف إلى تنسيق المصالح، ومن التنافس إلى التكامل الوظيفي.

وبحسب تقديرات الخبراء، فإن هذا التقارب يضع القاهرة فى قلب معادلة التوازن الإقليمى، ويؤسس لمحور واقعى قادر على التعامل مع أخطر ملفات المنطقة فى مرحلة شديدة الاضطراب.

بينما، يؤكد الدكتور عبد الهادى القصبى، رئيس لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعى بمجلس الشيوخ، أن  زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة تعكس المكانة المحورية للدولة المصرية ودورها الإقليمى المتوازن، وتؤكد أن مصر كانت ولا تزال ركيزة أساسية للاستقرار فى المنطقة.

ويضيف «القصبي»، أن هذه الزيارة تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز مسارات التعاون المشترك بين مصر وتركيا، خاصة فى ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة، مشيرًا إلى أن الحوار المباشر بين القيادتين يعكس حرص الدولة المصرية على ترسيخ مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، باعتبارها أسسًا حاكمة لأى شراكات ناجحة.

 

 

 

ويوضح رئيس لجنة حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعى بمجلس الشيوخ، أن مصر تتعامل مع ملفات المنطقة برؤية شاملة تضع حقوق الإنسان والتنمية والاستقرار الاجتماعى فى صدارة أولوياتها، مؤكدًا أن الانفتاح المدروس فى العلاقات الإقليمية يعزز فرص السلام والتنمية، ويصب فى صالح شعوب المنطقة.

ويشدد على أن الدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، تتحرك وفق سياسة خارجية رشيدة ومتزنة، تقوم على تحقيق المصالح الوطنية العليا، ودعم جهود التهدئة، وتعزيز التعاون القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

ومن جانبه وأكد رئيس مجلس الأعمال المصرى التركي، عادل اللمعي، أن الاستثمارات التركية فى مصر شهدت نموًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، سواء من خلال ضخ استثمارات جديدة أو التوسع فى مشروعات قائمة، مشيرًا إلى أن نحو 70% منها يتركز فى قطاع الغزل والنسيج والملابس، إلى جانب استثمارات فى مجالات الرعاية الصحية والبتروكيماويات.

وأوضح أن عدد الشركات التركية العاملة فى مصر يبلغ نحو 1700 شركة، من بينها 200 مصنع فى صناعات الغزل والنسيج والملابس والكيماويات، مشيرًا إلى أن هذه الاستثمارات، التى بدأت منذ عام 2007، أصبحت من أكبر الاستثمارات الأجنبية من حيث حجم الإنتاج والتصدير، وتمثل نموذجًا ناجحًا لجذب المزيد من المستثمرين، فى ظل توافر العمالة الماهرة والتكلفة التنافسية.