مصر تحتفى بالمسرح العربى على أرضها
هند سلامة
أقيمت على أرض مصر للمرة الثانية فعاليات الدورة السادسة عشرة لمهرجان المسرح العربى الذى تنوعت فعالياته بين عروض مسرحية وورش وندوات فكرية، تنافست هذه العروض على جائزة الشيخ سلطان القاسمى لأفضل عرض.
الجائزة الكبرى للمهرجان والتى فاز بها العرض التونسى «الهاربات» للمخرجة وفاء طبوبى، لم يكن العمل الوحيد المميز بين عروض المهرجان بينما نافسته أعمال أخرى على رأسها «مأتم السيد الوالد» للمخرج مهند الهادى العراق، و«جاكرندا» تونس، كما شارك العديد من العروض ضمن فعاليات هذه الدورة منها «كيما اليوم» تونس، «كارمن» مصر، «مواطن اقتصادى» المغرب، «فريجيدير» الأردن، «من زاوية أخرى» الكويت، «الساعة التاسعة» قطر، «بابا» الإمارات، «طلاق مقدس» العراق، و«مرسل إلى» مصر.

«الهاربات»
استحق العرض المسرحى الجائزة حيث انفردت المخرجة وفاء طبوبى بتقديم حالة مسرحية جماعية تعبر عن واقع مأساوى لمجموعة من النساء المهمشات ورجل، مجموعة من النساء صاحبهن رجل يبحثن عن وجهه وملجأ آخر للهروب من واقعهن المرير غير عابئين بما خلفن وراءهن، يتعرضن للتيه والتفرقة خلال هذا الهروب لا يتمكن من النجاة أثناء هذا الفرار نتابع جهادهن فى البحث عن مخرج من ضلال الطريق، هربن من واقعهن الاجتماعى الفاشل سواء زواج أو ضياع مستقبل وحلم أو سيدة مسنة لم تجد من يرعاها، اعتمدت المخرجة على البطولة الجماعية لهؤلاء المهمشات الضائعات، اللاتى نبذهن المجتمع والواقع، انفرد هذا العرض بالأداء الحركى المتقن بالتصميم والأداء من مجموعة الممثلين اللاتى تحركن معا فى جماعات وتكتلات وكأنهن مجموعة من اللاجئين المهاجرين من أرضهم، ربما كان الأداء الحركى الجماعى شديد الاتقان أشد وأبلغ تعبيرا عن حالة الهجرة الجماعية والتيه فى الأرض، حيث تحركن فى تشكيلات موحية بحالة النبذ والافتراق والانتقال من حال إلى حال مع الجهل بالوجهة الفارين إليها، كان التعبير الحركى الصامت أعمق أثرا من الحوارات المطولة بالعرض، ربما اعتمد العرض على الكثير من مونولجات الحكى الطويلة تروى فيها كل بطلة أزمتها ومأزقها مع واقعها وجاءت فى كثير من الأحيان معادة لتكرر علينا نفس المعنى الذى سار فى تدفق ونعومة مع الأداء الحركى أكثر من الحوار والحكى بالكلام، وبالطبع كان للفنانة الكبيرة فاطمة السعيدى حضورا بليغا فى هذا العمل بين الشباب وكأنها قائد الأوركسترا لهذه المقطوعة المسرحية الغنية والناطقة بالجسد قبل الكلمات لم تكتف السعيدى بقدرتها على الحكى بالحوار والأداء التمثيلى الرفيع بينما امتلكت هذه السيدة قدرة خارقة على اتقان حركة الجسد بخفة ورشاقة واقتدار وكأنها شابة فى العشرين من عمرها.
«جاكرندا»
كان من الأعمال المنافسة بقوة على جائزة السلطان القاسمى العرض التونسى «جاكرندا» للمخرج نزار سعيدى والمؤلف عبد الحليم المسعودي، اتخذ سعيدى والمسعودى من ظاهرة زهور «الجاكرندا» إطارا للعرض المسرحى لنقد ومساءلة الواقع المعاصر، تلك الزهور الاستوائية الزاهية الخلابة التى تتميز بشدة جمالها وسرعة تساقطها، تدور أحداث العرض داخل «مركز اتصال» وهو المكان الذى يلجأ إليه العديد من الشباب للعمل وتغطية احتياجاتهم المهنية بينما يصبح هذا الملجأ هو نفسه موطن سقوط وتلاشى الأحلام التى تبدد سريعا على عتبة هذه الأماكن التى تحول الفرد إلى آلة منتجة فى نظام رأسمالى لا يرحم ولا يهتم سوى بتحقيق الأرباح على حساب آدمية الفرد، فى كتابه «الإنسان من أجل ذاته» تناول المفكر وعالم النفس الكبير إيريك فروم تحليل دقيق إلى سعى المرء وراء كل شيء إلا ذاته انطلق المخرج والمؤلف من هذا المعنى.. فالإنسان ينسى ذاته التى تبتلعها الحياة الاستهلاكية، ينسى أحلامه وشعوره، تتلاشى أحلام البطل هارون وتتشرذم أمامه وهنا يضعه المخرج والمؤلف فى مأزق «هاملت» حيث يتخذ صناع العمل من هاملت رمز لمحاكاة هذا البطل المأزوم فى إعادة صياغة سؤاله الوجودى «أكون أو لا أكون»، هاملت الذى يعاصرنا اليوم شخص غير قادر على الفعل أيضا يتردد ويطوف بين أحلامه وواقعه بلا جدوى أو قدرة على اتخاذ قرار وحسم موقفه من هذا الواقع الذى تتآكل على عتبته أحلامه وإنسانيته يرتدى البطل تنورة بيضاء أشبه براقصى التنورة الذين يطوفون حول الحياة بلا هدف أو جدوى أو الوصول إلى شيء سوى الاهتزاز والشعور الدائم بالدوار والتلاشى ومن ثم العجز عن الإدراك واليقظة، فى هذا العمل يغفل الجميع ما يتعرضون له من احتباس وضياع فوات الأشياء والفرص وعجزهم عن إدراك كل هذا، استخدم المخرج رموز وإشارات موحية بالديكور والملابس بتلك التنورة البيضاء وملابس البطلة الفستان الأحمر هذه ملابس خارج السياق.. فهما خارج سياق هذا الواقع المعاصر بينما يحيا كل منهما داخله تتوق الروح إلى الفرار بينما لا تملك سوى الاستسلام لقوانين الهدر والاستهلاك، الحبيبة ملابسها أقرب للثورة على الواقع والتمرد وبالتالى يفقدها حبيبها بينما هو أقرب إلى التراخى والتراجع، مزج بديع بين واقع الإنسان المعاصر المأزوم وبين استغلال أحد أعمال شكسبير واسعة المدى وممتدة الأثر فى التعبير عن واقع الإنسان المعاصر، هذه الخلطة المسرحية التى جمعت بين جودة الأداء التمثيلى والإخراج والسينوغرافيا تقديم توليفة معتبرة لنقد الواقع وإعادة النظر فيه والبحث عن معنى وجدوى لما نحن بصدد مواجهته ومواجهة ذواتنا مستقبلا.

«مأتم السيد الوالد»
يأتى عرض «مأتم السيد الوالد» إخراج مهند الهادى أيضا فى مقدمة العروض المنافسة والمستحقة هذه الجائزة عن جدارة، عمل مسرحى اكتملت عناصره الفنية بين الإبداع فى تصميم الديكور واستغلاله فى لحظات الصمت وتأجج الصراع بين الأبطال الذين اجتمعوا يوم مأتم أبيهم ينتظرون المعزين ولم يأت أحد، فى الأيام الثلاث للحداد زوجان وامرأتان هما ابنتا هذا الرجل المتوفى يجتمعون لتلقى العزاء بينما ينتظرون دون قدوم زائز، وفى خلفية هذه الجلسة الجماعية تعتلى صورة الأب خشبة المسرح على شاشة، نرى الفتاتان تبكيان أباهما فى حالة حزن يشوبها الزيف والرياء محاولة بائسة لإبداء حزن باهت، فى حين أنهما واقعيا تخلصتا منه، تسترجعان معا ما تعرضتا له من ضيق وقمع طوال فترة حياة هذا الأب، عمل مسرحى ينقد ويحاكم الواقع العراقى فى ظل النظم القمعية الديكتاتورية التى تعاقبت على هذا البلد كما يناقش وضع المرأة فى ظل تلك النظم القمعية بذكاء ومهارة واحتراف كبير لعب المخرج والمؤلف مع أبطال العمل على تشريح الأنظمة الأبوية القمعية الديكتاتورية بعيدا عن كل أشكال المباشرة والخطابية واجترار أشكال مسرحية مستهلكة فنيا، ابتكر المخرج شكلا آخر فى معالجة تلك القضية والمعاناة مع هذا الأب الذى ظل حاضرا أيضا وراء هذه الشاشة وكأن موته رمزي، فهو فكرة ووضع إنسانى واجتماعى يعيد تشكيل ذاته من جديد لا يفنى ولا يموت، يتحرك الديكور بانسياب ودقة مع حركة الممثلين فى لحظات تعبيرية شديدة الإبداع والتميز، هنا الديكور أحد أبطال العمل وليس الممثلون كأفراد ينتقل معهم فيما ينتقلون من حالات شعورية مختلفة بل ويضيف بعدا آخر لذلك الشعور فى لحظات الضيق والمأزق والاختناق بالصراع أثناء استرجاع كل ما سبق وكل ما تسبب فيه هذا الأب يسير الديكور متنقلا بأبطاله مفصحا عما تكنه صدورهم فى لحظات الوعى والمكاشفة التى تجلت بالمرآة العاكسة للأبطال مع حركة الديكور ودورانه بين أروقة خشبة المسرح، «مأتم السيد الوالد» من أشد أعمال المهرجان تميزا وذكاء استحق الفوز بالجائزة الكبرى وكان منافسا شرسا بين عروض المهرجان.






