توطين صناعة المحمول يحول مصر من سوق استهلاكى إلى قاعدة إنتاجية
«براند عالمى» يبدأ التصنيع محليًا.. وإنتاج 20 مليون جهاز سنويًا لتغطية احتياجات السوق
هيثم يونس
فى توقيت بالغ الدقة، جاء قرار فرض الرسوم الجمركية على الهواتف المحمولة المستوردة، ليعكس تحولًا واضحًا فى فلسفة إدارة الدولة لملف الصناعة التكنولوجية الوطنية فى مصر، من منطق الاستهلاك والاستيراد إلى التصنيع والتوطين وتعظيم القيمة المضافة المحلية، واستثمار طويل الأجل فى بناء صناعة وطنية قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
لسنوات طويلة، ظلت سوق الهواتف المحمولة فى مصر، واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية فى المنطقة، مع اعتماد شبه كامل على الأجهزة المستوردة، وهو ما انعكس فى فاتورة استيراد ضخمة، وضغط متواصل على العملة الأجنبية، دون مقابل إنتاجى حقيقى داخل الاقتصاد المحلى. لكن مع تصاعد التحديات الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكاليف الاستيراد، أصبح من الضرورى إعادة النظر فى هذا النموذج، وهو ما دفع الدولة إلى تبنى سياسة واضحة تهدف إلى تشجيع التصنيع المحلى للهواتف الذكية، وجعل السوق المصرية نقطة جذب للشركات العالمية، وليست مجرد محطة بيع.
فرض الرسوم الجمركية على الهواتف المستوردة لا يعنى إغلاق السوق أو منع المنافسة، بل يأتى فى إطار ما يعرف بـ«الحماية الذكية»، التى تمنح الصناعة الوطنية فرصة حقيقية للنمو أمام المنتجات المستوردة التى كانت تتمتع بميزة سعرية غير عادلة نتيجة غياب أعباء التصنيع المحلى.
الهدف الأساسى من القرار، هو تحقيق توازن بين المنتج المحلى والمستورد، بما يسمح للمصانع العاملة داخل مصر بالاستمرار والتوسع، وزيادة حجم الإنتاج، وتحسين الجودة، بدلًا من الاكتفاء بالتجميع المحدود أو الخروج من المنافسة.
على عكس ما يعتقد البعض، فإن صناعة الهواتف المحمولة فى مصر لم تعد فكرة مستقبلية، بل واقعا قائما بالفعل، حاليًا تعمل فى السوق المصرية نحو 15 علامة تجارية لإنتاج الهواتف المحمولة، هى: «شاومى، هونر، أوبو، سامسونج، إنفينيكس، آيتل، ريلمى، فيفو، إتش إم دى، سيكو تكنولوجى، صن لاين، سيلفى، ميكرومكس». هذه المصانع لا تقتصر على التجميع فقط، بل تشهد توسعًا تدريجيًا فى نسب المكون المحلى، بما يشمل لوحات الدوائر الإلكترونية، والبطاريات، وأجزاء من الهياكل، فى إطار خطة مرحلية لتعميق التصنيع.
اللافت أن حجم إنتاج الهواتف فى مصر، شهد نموًا متسارعًا خلال فترة قصيرة، إذ نجحت مصر فى جذب نحو 15 شركة عالمية لتصنيع الهواتف المحمولة محليًا، بطاقة إنتاجية تصل إلى 20 مليون جهاز سنويًا لتغطية احتياجات السوق المحلية البالغة نحو 18-20 مليون جهاز، مع استهداف التصدير هذا التطور يهدف لتوطين الصناعة باستثمارات تفوق 200 مليون دولار. هذا النمو لم يكن ليحدث دون توافر بنية تحتية صناعية مناسبة، وحوافز استثمارية، وتسهيلات فى تخصيص الأراضى، وتدريب العمالة، إلى جانب وضوح الرؤية الحكومية بشأن مستقبل هذا القطاع الحيوى.
وفقًا لمؤشرات السوق، الهواتف المنتجة محليًا اليوم لا تقل من حيث المواصفات أو الجودة عن مثيلاتها العالمية فى نفس الفئة السعرية، خاصة فى الشرائح الاقتصادية والمتوسطة، التى تمثل النسبة الأكبر من الطلب فى السوق المصرية، والميزة الأهم للهاتف المصنع محليًا تتمثل فى توافر خدمات ما بعد البيع، وسرعة الصيانة، وتوافر قطع الغيار.
لم يتوقف طموح صناعة الهواتف فى مصر، عند تلبية احتياجات السوق المحلية، بل امتد إلى فتح أسواق تصديرية جديدة، خاصة فى إفريقيا والشرق الأوسط، إذ تتشابه الأنماط الاستهلاكية، وتزداد الحاجة إلى أجهزة جيدة بأسعار تنافسية.
وخلال الفترة الأخيرة، بدأت بعض الشركات العاملة فى مصر تصدير الهواتف أو مكوناتها إلى أسواق خارجية، فى مؤشر واضح على أن الصناعة المحلية تمتلك مقومات التحول إلى مركز إقليمى للتصنيع والتصدير.

قرار دعم صناعة الهواتف المحمولة محليًا، يحمل آثارًا اقتصادية تتجاوز حدود هذا القطاع، من بينها خفض الضغط على النقد الأجنبى عبر تقليل الواردات.
وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة فى التصنيع والخدمات اللوجستية، ونقل التكنولوجيا وبناء كوادر فنية محلية، وتعميق الصناعة الإلكترونية.
التجارب الاقتصادية، تؤكد أن تعميق التصنيع المحلى يؤدى على المدى المتوسط إلى استقرار الأسعار وزيادة الخيارات، مع تحسن الجودة وتنوع الطرازات.
والرهان الحقيقى هنا، ليس على قرار جمركى منفرد، بل على منظومة متكاملة تشمل دعم الابتكار، وتحفيز البحث والتطوير، وضمان المنافسة العادلة، وهو ما يبدو أن الدولة تسير فيه بخطوات محسوبة.
فلا يمكن قراءة قرار فرض الجمارك على الهواتف المستوردة بمعزل عن رؤية أشمل لإعادة بناء الاقتصاد المصرى على أسس إنتاجية حديثة، فالهواتف المحمولة لم تعد مجرد سلعة استهلاكية، بل بوابة لصناعة تكنولوجية واعدة، قادرة على خلق قيمة حقيقية، وتعزيز مكانة مصر فى سلاسل الإنتاج العالمية.
تلك الخطوة، قد تبدو صعبة فى بدايتها، لكنها تحمل فى طياتها فرصة تاريخية لتحويل مصر من مستورد كبير للهواتف إلى لاعب صناعى مؤثر فى هذا القطاع الحيوى.
محمد الحداد، رئيس شعبة المحمول باتحاد الغرف التجارية، يؤكد أن قرار فرض جمارك على الهواتف المستوردة يعد خطوة جيدة ولا تمثل فى حد ذاتها أى إشكالية، لافتًا إلى توافقه مع هذا التوجه باعتباره إحدى أدوات حماية الصناعة الوطنية وتنظيم السوق، مشددًا على وجود تحدٍ رئيسى يتمثل فى ارتفاع أسعار الهواتف المحمولة المنتجة محليًا، رغم ما يحصل عليه المصنعون من حزمة واسعة من الحوافز والتيسيرات.
«الحداد»، يرى أن هذه المعادلة تثير حالة من الغضب لدى شريحة من المستهلكين، وعلى رأسهم المصريون المغتربون، الذين لا يجدون سعرًا عادلًا للهواتف المنتجة داخل السوق المحلية مقارنة بما يمنح للمصانع من مزايا، مضيفًا: «أن المشكلة لا تكمن فى فرض الجمارك بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بضرورة تحقيق توازن حقيقى بين دعم الدولة للصناعة وبين انعكاس هذا الدعم على السعر النهائى للمستهلك»، مؤكدًا أنه فى حال توافر سعر عادل ومنافس، فلن تكون هناك أى أزمة أو اعتراضات.
رئيس شعبة المحمول، يشير إلى أن المصنعين فى مصر يتمتعون بعدد كبير من الحوافز، من بينها تخصيص الأراضى، والإعفاءات والتسهيلات الضريبية، فضلًا عن الدعم اللوجستى، وهو ما يستوجب ـ بحسب قوله ـ التزامًا واضحًا بخفض أسعار المنتجات بما يتناسب مع حجم هذه المزايا، ويعزز ثقة المستهلك فى الصناعة المحلية.
وحول التطور فى قطاع تصنيع الهواتف المحمولة، يوضح «الحدد» أن السوق المصرية يشهد حاليًا نحو 7 مصانع تعمل فى هذا المجال، تنتج ما يقرب من 15 علامة تجارية مختلفة، إلى جانب وجود مصانع أخرى تتسابق للدخول إلى السوق المصرية، وهو ما يعكس المكانة المحورية لمصر كدولة مركزية وجاذبة للاستثمارات الصناعية فى المنطقة.
وعن الهدف الاستراتيجى الذى وضعته الدولة، يقول «رئيس شعبة المحمول»: «الهدف لا يقتصر فقط على تلبية احتياجات السوق المحلية، بل يمتد إلى التوسع فى التصدير للأسواق الخارجية، مشيرًا إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل فى تصدير منتجاتها إلى عدد من الدول، مطالبًا بضرورة فرض رقابة صارمة على المصانع، على غرار ما هو معمول به فى مختلف دول العالم، لضبط الأسعار ومنع أى ممارسات احتكارية.
إيهاب سعيد، رئيس شعبة الاتصالات والمدفوعات الإلكترونية بالاتحاد العام للغرف التجارية، يقول: «إن قرار فرض جمارك على الهواتف المستوردة يعد خطوة مهمة لإعادة الانضباط إلى سوق الهواتف المحمولة فى مصر، وحمايته من العشوائية»، موضحًا أن الدولة كانت قد امتنعت فى مراحل سابقة عن فرض أى رسوم جمركية على الهواتف المستوردة، فى إطار توجه استراتيجى استهدف تشجيع نقل التكنولوجيا وجذب الشركات العالمية للاستثمار فى صناعة الهواتف المحمولة داخل السوق المصرية، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب التحول نحو حماية الصناعة الوطنية وتنظيم السوق بما يضمن استدامته.
«سعيد»، يشير إلى أن القرار الجديد يسهم بشكل مباشر فى غلق أبواب تهريب الهواتف الذكية إلى السوق المحلية، خاصة بعد تفاقم معدلات تهريب الأجهزة المحمولة خلال الفترة الماضية، وهو ما ألحق أضرارًا كبيرة بالسوق المنظمة، منوهًا إلى أن حماية السوق لا تقتصر فقط على دعم المصانع المحلية، بل تمتد أيضًا إلى حماية المستوردين الملتزمين، لا سيما مستوردى الهواتف مرتفعة السعر مثل «آيفون»، الذين يلتزمون بسداد مستحقات الدولة من جمارك وضرائب وقيمة مضافة، فى مقابل منافسة غير عادلة من الأجهزة المهربة التى تدخل السوق دون أى التزامات مالية.
رئيس شعبة الاتصالات، يوضح أن نسبة المكون المحلى فى الهواتف المصنعة داخل مصر لا تقل حاليًا عن 45%، مع وجود فرص حقيقية لزيادتها خلال السنوات المقبلة، بما يعزز من عمق الصناعة المحلية ويرسخ مفهوم نقل التكنولوجيا إلى الداخل، مشددًا على أن الهدف الأساسى هو توطين صناعة الهواتف الذكية بشكل مستدام، والحفاظ على وجود نحو 15 علامة تجارية تعمل فى السوق المصرية، وعدم السماح بتراجعها أو خروجها، لما لذلك من تأثير سلبى على مسار التصنيع المحلى وفرص النمو المستقبلية.
الدكتور عيد رشاد عبدالقادر، أستاذ الاقتصاد كلية التجارة جامعة عين شمس، يرى أن قرار فرض جمارك على الهواتف المحمولة المستوردة يمثل أداة من أدوات السياسة التجارية الهادفة إلى تقليص فجوة الاستيراد ودعم الميزان التجارى، خاصة فى ظل الضغط المستمر على موارد النقد الأجنبى، موضحًا أن الهواتف الذكية تعد من السلع كثيفة الاستيراد، ويؤدى الحد من استيرادها بشكل كامل إلى تقليل الطلب على العملة الأجنبية، مع توجيه جزء من الطلب المحلى نحو الإنتاج أو التجميع داخل السوق المصرية.
من حيث توطين الصناعة، يسهم القرار فى خلق حافز للشركات العالمية لإنشاء خطوط إنتاج محلية، أما على صعيد الاستثمار الصناعى، فمن المتوقع أن يؤدى القرار إلى زيادة الاستثمارات فى قطاع الإلكترونيات خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا صاحبه استقرار تشريعى وحوافز ضريبية وجمركية واضحة، على حسب تصريحات «رشاد»، لافتًا إلى أن السوق المصرية يتمتع بميزة الحجم الكبير والطلب المتزايد، ما يجعله جاذبًا للشركات الباحثة عن أسواق ناشئة.
وبالنسبة للقدرة التقنية، يقول أستاذ الاقتصاد: «إن المصانع العاملة فى مصر تمتلك إمكانات جيدة فى مجال التجميع والتصنيع المتوسط، لكنها فى الطريق الصحيح نحو إنتاج هواتف تنافس عالميًا من حيث الابتكار أو التكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يتطلب نقل معرفة أعمق، واستثمارات فى البحث والتطوير، وتدريب العمالة».






