د.إبراهيم درويش
سيناء.. من الصحراء إلى سلة إنتاج
كيف صنعت الدولة المصرية نهضة زراعية وتنموية غير مسبوقة فى قلب شبه الجزيرة؟
1) رؤية دولة: حين تتحول الصحراء إلى أصل استراتيجى
لم تكن سيناء يومًا مجرد امتداد جغرافى بعيد عن الوادي، بل كانت دائمًا عمقًا استراتيجيًا للأمن القومى المصري. ومع انطلاق رؤية الدولة للتنمية الشاملة بعد عام 2014، جرى التعامل مع سيناء باعتبارها أرض مستقبل لا عبئًا جغرافيًا.
وخلال ما يقرب من اثنى عشر عامًا، شهدت شبه الجزيرة تحولًا جذريًا فى خريطتها الزراعية. فقد ارتفعت المساحات المستصلحة والمنزرعة من نحو 103 آلاف فدان عام 2014 إلى ما يقارب 320 ألف فدان بنهاية 2026، بنسبة زيادة تجاوزت 210٪، وهى قفزة غير مسبوقة فى تاريخ التنمية الزراعية بالمنطقة. هذا التوسع لم يكن عشوائيًا، بل جاء فى إطار خطة قومية متكاملة تستهدف إعادة توطين السكان، خلق فرص عمل مستدامة، وتحويل سيناء إلى ركيزة أساسية فى تحقيق الأمن الغذائى المصري.
2) المياه أولًا: كيف كسرت مصر معضلة الندرة المائية؟
كانت المعضلة الكبرى أمام زراعة سيناء هى توفير المياه بعيدًا عن نهر النيل. وهنا اتجهت الدولة إلى حلول غير تقليدية، جعلت سيناء نموذجًا وطنيًا للاعتماد على الموارد المائية الحديثة.
أولًا - محطة معالجة مياه مصرف بحر البقر
تُعد محطة بحر البقر أكبر محطة معالجة مياه زراعية فى العالم، بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا. وقد خُصصت لرى أكثر من 450 ألف فدان شرق قناة السويس، بما فى ذلك مساحات واسعة داخل سيناء، لتصبح حجر الزاوية فى التوسع الزراعى الحديث.
ثانيًا - محطة المحسمة
بطاقة إنتاجية تبلغ مليونا ومائتي متر مكعب يوميًا، وأسهمت فى استقرار الزراعة فى أكثر من 60 ألف فدان إضافية، خاصة فى المناطق الوسطى، مع تحسين نوعية المياه المستخدمة فى الرى.
ثالثًا - التحلية: ثورة مياه الشرب والزراعة
شهد قطاع تحلية مياه البحر توسعًا غير مسبوق: فى عام 2014 كانت هناك 15 محطة تحلية فقط أما فى عام 2026 فيوجد نحو 60 محطة على البحرين الأحمر والمتوسط ...ويوجد أكثر من 40 محطة داخل سيناء وحدها بطاقة إجمالية تجاوزت 520 ألف متر مكعب يوميًا..هذه الطفرة رفعت نسبة تغطية مياه الشرب فى سيناء إلى أكثر من 96٪، وهو معدل يضاهى بعض المحافظات الحضرية الكبرى.
3) الزراعة كمدخل للتوطين: مجتمعات تُبنى من الصفر
أدركت الدولة أن استصلاح الأرض دون توطين الإنسان لن يحقق التنمية المنشودة. لذلك جرى إنشاء مجتمعات زراعية متكاملة تمثل نواة للاستقرار طويل الأمد.
حتى عام 2026: فقد تم إنشاء أكثر من 22 تجمعًا زراعيًا فى شمال وجنوب سيناء استفادت منها قرابة 2800 أسرة مع توفير مساكن حديثة، شبكات كهرباء، مياه شرب، طرق داخلية وإنشاء مدارس، وحدات صحية، ومراكز إرشاد زراعي.. هذه التجمعات لم تُصمم كمساكن فقط، بل كمجتمعات إنتاجية تعتمد على العمل الزراعى والتصنيع البسيط، بما يعزز الاعتماد على الذات ويحد من الهجرة الداخلية.
4) إدارة السيول: من خطر موسمى إلى مورد مائى
تُعد سيناء من أكثر المناطق المصرية تعرضًا للسيول المفاجئة، ما كان يمثل تهديدًا للبنية التحتية والمزارع، وقد تعاملت الدولة مع هذا التحدى عبر برنامج شامل لإدارة المخاطر المائية.
تم تنفيذ:أكثر من 500 منشأة للحماية من أخطار السيول
تشمل سدودًا، خزانات أرضية، وبحيرات صناعية...باستثمارات تجاوزت 2 مليار جنيه.. وساعدت هذه المنشآت على حصاد ملايين الأمتار المكعبة سنويًا، جرى توجيهها لرى بعض الزراعات البعلية والمساندة، لتتحول السيول من عبء إلى فرصة تنموية.
5) الثروة السمكية: البردويل نموذجًا..
ضمن استراتيجية تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية، خضعت بحيرة البردويل لعملية تطوير شاملة غير مسبوقة. فقد شملت أعمال التطوير:تعميق البواغيز والممرات المائية وتحسين جودة المياه وتنظيم فترات الصيد وحماية الزريعة ونتيجة لذلك ارتفع الإنتاج السمكى إلى ما بين 5.5 و6.5 ألف طن سنويًا من أجود أنواع الأسماك، لتصبح البحيرة مصدر دخل رئيسى لآلاف الأسر فى شمال سيناء.
6) الطرق والأنفاق: كسر العزلة التاريخية
لا تنمية بلا نقل، ولا زراعة بلا تسويق. ومن هنا جاء الاستثمار الكثيف فى البنية التحتية للنقل:
تنفيذ 4 أنفاق عملاقة أسفل قناة السويس وازدواج نفق الشهيد أحمد حمدى فقد تم اختصار زمن العبور من ساعات إلى دقائق
وإنشاء وتطوير شبكة طرق تجاوزت 3500 كم حتى 2026
هذه الشبكة سهّلت انتقال العمالة، المعدات، والمحاصيل الزراعية، وربطت سيناء فعليًا بوادى النيل والأسواق الرئيسية.
7) استثمارات ضخمة: أرقام تعكس الإرادة
تعكس لغة الأرقام حجم ما تحقق:
أكثر من 85 مليار جنيه للبنية التحتية ..نحو 12 مليار جنيه لمحطات التحلية. و4.5 مليار جنيه لقطاع الصحة وأكثر من 250 مليون جنيه للتعليم وبناء المدارس
وهى استثمارات تؤكد أن تنمية سيناء خيار استراتيجى طويل الأمد وليس استجابة ظرفية.
8) آفاق 2030–2050: سيناء كإقليم إنتاجى متكامل
تستهدف الخطط المستقبلية:
إضافة مئات الآلاف من الأفدنة الجديدة
1- إنشاء صناعات غذائية قائمة على الإنتاج المحلي
2- التوسع فى الاستزراع السمكى البحري
3- تطبيق نظم الزراعة الذكية وترشيد المياه
بما يحول سيناء إلى إقليم إنتاجى متكامل يخدم السوق المحلية والتصدير.
ختامًا: سيناء… حين يصبح الحلم واقعًا
ما تشهده سيناء اليوم هو ملحمة تنموية مكتملة الأركان، أعادت رسم الخريطة الزراعية لمصر، وكسرت معادلة الصحراء والعزلة، إنها أرض تُزرع، ومياه تُدار بعلم، وإنسان يُمكَّن بالإنتاج، وشبكات ربط تُرسخ الاستقرار،سيناء لم تعد مجرد صحراء تُستصلح،بل مستقبل وطنى يُبنى فدانًا بعد فدان.







