جبرتى «روزاليوسف» وأبناؤه الخمسون
أيمن عبد المجيد
كان لقائى الأول به عبر وسيط، أحد أبنائه الخمسين، أمين لا يُبدل ما حمُل به من معلومات، صادق عميق التحليل، كثيف الجهد بحثًا عن الحقيقة.
كنت فى صيف السنة الأخيرة من المرحلة الجامعية، عندما قابلته عند بائع كُتب قديمة اعتدت، البحث لديه عن كنوز أعبر من خلالها إلى عصور الماضى فى أشهر الإجازة الصيفية.
«الصحافة والثورة.. ذكريات ومذكرات»، ما إن جلست معه جلستى الأولى حتى خطفنى أسلوب كتابته، وكنوز ما يتدفق من معلومات، وما يقدمه من مقارنات بين روايات أسماء لامعة فى تاريخ الصحافة فى مذكراتهم، وذكرياتهم، يواجه بقوة المعلومة ويفضح التناقضات، بلا مجاملات مهما كان اسم من يُخضع رواياته للتدقيق، وقد بدأ بالكاتب القدير رحمه الله محمد حسنين هيكل.
ما إن التهمت الصفحات الأولى حتى عدت إلى الغلاف، إلى اسم الأب المُبدع لهذا الابن البار، إنه راهب الصحافة الكاتب الصحفى المُبدع رشاد كامل.
صيف 2009، رن هاتفي.. ألو أيمن موضوعك ممتاز.. ألف شكر أستاذنا الغالي.. أنت فى الجورنال؟.. عازمك على فنجان قهوة فى صباح الخير!
يشرفنى.. دقائق وأكون عند حضرتك.
كان هذا لقائى الذى لا أنساه بما أسدى إليّ فيه من نصيحة أعترف أنى لم أؤجل تنفيذها، فقد وجدت أستاذنا رشاد كامل فى مكتبه، وسط الكُتب وكنوز أرشيف الصحافة المصرية، لا يفوت دقيقة بلا عمل واطلاع وتحليل ليقدم للقراء كنوز الخبرات وعصارة التجارب.
فاجأنى موضوعك «50 ساعة فى بلاد شنقيط» جميل أدب رحلات.. ثم قال بجدية وحسم عملت أيه لأيمن؟ قلت: أيمن مين؟ قال أيمن عبدالمجيد..
اقتطع من وقتك ساعتين يوميًا لنفسك اغلق هاتفك واكتب كُتبك.. لم يكن هذا مجرد لقاء عابر، بل غوص - عن قرب - فى أعماق أستاذ عظيم يشجع الشباب، ولا يبخل بنصيحة، يدرك جيدًا أن المؤلفات عمرها أطول من البشر.
الأستاذ رشاد كامل أنجب خلال رحلته الصحفية التى تجاوزت الـ50 عامًا 50 كتابًا، أهدى قراء المكتبة العربية عصارة فكر، وسباحة فى كنوز الصحافة السياسية ومذكرات رموز الفكر والإعلام والسياسة.
بدأ أستاذنا القدير خطواته الأولى فى مؤسسة روزاليوسف بمجلة صباح الخير 1975، وسرعان ما اتضحت بصمته ولمع اسمه، بحوارات مع كبار الكتاب الصحفيين والمُفكرين، والمواجهات، لينجب عام 1989 مولده الفكرى الأول كتاب «لغز السادات»، وتتوالى مؤلفاته وكتاباته: «الملكة نازلى غرام وانتقام»، و«زيارة جديدة للسادات»، و«وعبدالناصر الذى لا تعرفه»، و«المرأة التى هزت عرش مصر»، و«الصحافة والسلطان والغضب.. ذكريات صلاح حافظ».
رشاد كامل الكاتب، صنعه رشاد كامل الإنسان، بشوش الوجه، خفيف الظل، حكاء من العيار الثقيل، تتدفق من ذاكرته حكايات الزمن الجميل، ابن صعيد مصر الذى لم تبهره المدينة بل فتنته روزاليوسف.
هذا الشاب فتنته روزاليوسف، فبات من دراويشها، يغوص فى أعماقها، يتجول فى دروبها، ليقدم للأجيال المتعاقبة من شبابها خلاصة تجربتها وقواعدها ومعاركها، وخلطتها السحرية، آلامها وإبداعاتها، انكساراتها وانتصاراتها.
ورغم كل ما أنجبه من كتابات ومؤلفات، يظل عشقه هو كتبه عن روزاليوسف السيدة والمؤسسة وتاريخها وما حوته جدرانها وصالات تحريرها وعلاقة كتابها بالسياسة وما خفى من كواليس المقالات والمذكرات والذكريات.
رشاد كامل جبرتى روزاليوسف بحق، تدرج فى مهام العمل التحريري، حتى اعتلى عرش «الصبوحة»، رئيسًا لتحريرها من العام 2003 حتى عام 2009، ولا تزال إبداعاته مستمرة وكتاباته عن محراب روزاليوسف فى إصداراتها المختلفة.
أجمل التهانى بمولوده الخمسين «الأولى فى الغرام.. روزاليوسف»، فما زالت روزاليوسف غرامه الأول وفيه من الأسرار الكثير عن المهنة ورجالها ومواقفهم.
حفظه الله وأدام إبداعه، وتحية لقيادات روزاليوسف المتعاقبة إداريًا وتحريريًا التى تقدر كنز روزاليوسف وفى قلبه مُبدعوها.







