الخميس 26 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سفــاح المرجــان

البحر الأحمر.. الملاذ الآمن الأخير للشعاب المرجانية مهدد بــ«الابيضاض»

‎مرّ عامان على أزمة 2024، أحدث موجة ابيضاض عالمية كبرى أخضعت نحو 84% من مساحة الشعاب المرجانية بالعالم لإجهاد حرارى غير مسبوق، فتراجعت فرص تعافى كثير من النظم المرجانية دون تحرك مناخى حاسم، بينما يظل البحر الأحمر آخر نقاط الصمود التى لا تزال تقاوم من أجل البقاء.



‎على سطحه يبدو كل شيء طبيعيًا: مياه صافية، قوارب سياحية تبحر يوميًا، وغواصون يهبطون إلى الأعماق بحثًا عن جمال يعرفونه جيدًا. لكن «سيد» - غواص محترف يعمل فى البحر الأحمر منذ 1996 - يقول إن ما تغيّر ليس لون المرجان فقط، بل سلوك البشر داخله. «كنا دايمًا بنسمع نفس التعليمات: ممنوع لمس الشعاب، ممنوع الوقوف عليها… بس الأعداد كبرت والالتزام قلّ»، يضيف. تحت الماء، كما يصف، هناك شعاب بهتت ألوانها وأخرى تحولت إلى صخور.

‎بين ضغوط المناخ المتكررة وضغط بشرى لا يتراجع، تقف شعاب البحر الأحمر فى مساحة ضيقة بين الصمود والاستنزاف - مساحة ستحدد ما إذا كانت ستبقى نافذة تعافي عالمية... أم تنضم إلى قائمة الخسائر.

منهجية التحقيق

استند التحقيق إلى تحليل خرائط NOAA الخاصة بمؤشر تراكم الإجهاد الحرارى (Degree Heating Weeks – DHW) ونقاط السخونة، إلى جانب تقرير المعهد القومى لعلوم البحار والمصايد بشأن حدث ابيضاض صيف 2024 فى البحر الأحمر، ووثائق إعلان الحيد المرجانى محمية طبيعية عام 2025، وخطة التعافى الصادرة عن وزارة البحث العلمي.

كما تم الاستناد إلى شهادات غواصين محترفين، ومسئولين رسميين، وتنبيهات جمعية الحفاظ على البيئة البحرية «هيبكا»، إضافة إلى إفادات مراكز غوص ونشطاء بيئيين. جرى تدقيق البيانات وربطها مكانيًا وزمنيًا بهدف الإجابة عن سؤال محوري: كيف يمكن حماية نافذة التعافى قبل أن تُغلق؟

مرونة مناخية بلا حصانة

ظل البحر الأحمر لسنوات استثناءً نسبيًا بفضل قدرة شعابه على تحمّل درجات حرارة أعلى مقارنة بنظيراتها عالميًا، غير أن المرونة لا تعنى الحصانة، فالضغوط المحلية -من كسر ميكانيكى ناتج عن الغوص غير المنظم، والرسو العشوائي، والتكدس السياحي- لا تقتل المرجان فحسب، بل تعرقل أيضًا تعافيه خلال «النافذة الحرجة» التى يقدّرها العلماء بنحو ست سنوات من الاستقرار الحرارى الضرورى لاستعادة الغطاء المرجاني.

حين تتحدث الخرائط

تكشف بيانات NOAA أن جوهر الخطر لم يعد فى بلوغ الحرارة حدًا حرجًا بعينه، بل فى تكرار موجات الحر قبل اكتمال التعافي، مؤشر DHW لا يقيس درجة حرارة واحدة بل تراكم أسابيع تتجاوز فيها حرارة سطح البحر العتبة المحلية المسببة للإجهاد وكلما زاد التراكم ارتفع خطر الأبيضاض ثم النفوق.

خلال عامى 2023 و2024 سُجّلت مستويات مرتفعة عالميًا، وأُعلن عن ابيضاض جماعى طال المحيطين الهندى والهادئ، والبحر الكاريبي، وأقاليم واسعة أخرى. تاريخيًا، كان البحر الأحمر أقل تعرضًا للذروات القصوى مقارنة بهذه المناطق، إلا أن الخرائط أظهرت تقلّص الفواصل الزمنية بين موجات الحر، بما يعنى أن الإدارة البشرية الرشيدة أصبحت شرطًا مكمّلًا لإنقاذه.

صيف 2024 بالأرقام

فى هذا السياق العالمى يوثق تقرير المعهد القومى لعلوم البحار والمصايد أن أكثر من 54% من مساحة الشعاب فى البحر الأحمر كانت واقعة تحت إجهاد حرارى مسبب للأبيضاض وقت إعداد التقرير عام 2024، مع اتجاه تصاعدى يقترب من 1% أسبوعيًا.

شمل المسح أكثر من عشرة مواقع، من شرم الشيخ شمالًا إلى مرسى علم جنوبًا، مرورًا بالغردقة وسفاجا والقصير ورأس غارب، وتم تسجيل 3949 مستعمرة مرجانية تمثل 63 نوعًا ضمن 22 جنسًا و11 عائلة.

النتيجة الأساسية مفادها أن 57.6% من المستعمرات المرصودة تأثرت بالأبيضاض؛ منها 14.4% بدرجة متوسطة، و16.9% بدرجة شديدة. كما تجاوز انتشار الأبيضاض فى صيف 2024 نظيره فى صيف 2023 بنحو 30%.

ورغم أن هذه النسب تظل أقل من مثيلاتها فى أقاليم أخرى عالميًا، بفضل الخصائص الحرارية الفريدة للبحر الأحمر، فإنها تضعه داخل نطاق الحدث العالمي، لا خارجه، خصوصًا أن الضرر لم يكن متجانسًا مكانيًا.

البشر يصنعون الفارق

رصد التقرير تباينًا واضحًا بين المواقع. فقد سجلت الغردقة أعلى متوسط للابيضاض المتوسط بنحو 18%، بينما سجل سهل حشيش أدنى نسبة عند نحو 9%. وفى فئة الابيضاض الشديد تصدرت رأس غارب بنحو 26%، فى حين كانت مرسى علم الأقل تأثرًا نسبيًا، وسجل أخر تقرير منسوب لجمعية «هبيكا» مستويات أقل من الإبيضاض فى القطاع الشمالى بالغردقة مسجلًا 9%، هذا التفاوت داخل الإقليم الحرارى ذاته يسلط الضوء على ثقل العوامل المحلية: فالمناخ يحدد سقف المخاطر، لكن البشر يحددون حجم الخسارة تحته.

نافذة التعافى المهددة

يؤكد الدكتور أحمد مبروك حنيش استاذ الهيدروبيولوجى والبيئة البحرية بالمعهد القومى لعلوم البحار والمصايد أن الشعاب تحتاج إلى نحو ست سنوات من الاستقرار الحرارى عقب موجة إجهاد كبرى لاستعادة جزء معتبر من غطائها. غير أن موجات الحر باتت تتكرر كل ثلاث إلى خمس سنوات، فلا تمنح الشعاب زمن الشفاء الكافي، فتتراكم الخسائر تدريجيًا.. وخلال هذه الفترة الحساسة، قد يكون الكسر الميكانيكي - بسبب لمس الشعاب أو الوقوف عليها أو إلقاء المراسى فوقها- عاملًا حاسمًا؛ إذ يدمّر البنية الهيكلية التى لا تُرمم سريعًا حتى لو تحسنت الظروف الحرارية.

من جانبها حذرت جمعية الحفاظ على البيئة البحرية «هيبكا» من تجاوز القدرة الاستيعابية لمواقع الغوص، مؤكدة أن الازدحام والرسو فوق الشعاب يحوّلان الضغط المناخى المؤقت إلى ضرر دائم.

‎ويؤكد الدكتور محمود حنفى أستاذ علوم البحار والمستشار العلمى لجمعية «هيبكا» أن الجزء الشمالى من البحر الأحمر يمثل أملًا عالميًا نادرًا، لكنه شدد على أن هذه الميزة مسئولية عالمية لا قضية تنمية فقط، وأن القوانين موجودة وقادرة على وضع الضوابط إذا فُعلت ضمن مشاركة مجتمعية حقيقية.

‎يقول «أحمد» مدرب للغوص فى الغردقة إن التسويق المكثف لرحلات السفارى والغوص بأسعار منخفضة نقل الضغط إلى مناطق جديدة فى البحر الأحمر كانت أقل تأثرًا سابقًا. «بقينا بنتبع الشعاب اللى لسه بكر أو اتعافت جزئيًا علشان ننقل الغطس الترفيهى ليها».

الحيد المرجاني.. إعلان حماية واختبار إدارة

‎فى 2025 أعلنت الحكومة المصرية الحيد المرجانى بالبحر الأحمر محمية طبيعية. الإعلان جاء بعد إنذار علمى موثق، وبينما تنظر الوثائق الرسمية إلى الحيد المرجانى باعتباره رأسمالًا طبيعيًا واستثمارًا فى الاقتصاد الأزرق، فإنها تؤكد أن نجاح الحماية مرهون بالإدارة الفعالة وتقليل الضغوط البشرية.

‎الحل لا يكمن فى منع الغوص.. 

بل فى تنظيمه

‎أكد الدكتور أحمد غلاب، رئيس محميات البحر الأحمر، أن الشعاب المرجانية فى البحر الأحمر لا تزال من أكثر النظم البيئية البحرية قدرة على الصمود عالميًا، وأن ما سُجل خلال السنوات الماضية كان فى أغلبه حالات ابيضاض متفاوتة بدأت بعض الشعاب فى التعافى منها عند تحسن الظروف.

‎هذا التفاؤل - كما يؤكد - ليس مطلقًا ولا غير مشروط، خاصة أن نسبة كبيرة من السائحين القادمين إلى البحر الأحمر يمارسون الغوص أو أنشطة بحرية مرتبطة مباشرة بالشعاب المرجانية، وهو ما يمثل ضغطًا مباشرًا على مواقع محدودة المساحة بطبيعتها. ويقرّ بأن هناك مواقع تجاوزت معدلات الغوص الآمنة، بما يستدعى إعادة نظر جذرية فى تنظيم النشاط.

‎سؤال الفرصة الأخيرة

‎قدّم الدكتور منتصر الحمّادى، أستاذ بمعهد علوم البحار، قراءة ميدانية دقيقة للفارق بين خطر المناخ والمخاطر البشرية، قائلًا إن الأبيضاض ليس مرادفًا للموت، بل مرحلة فقدان الطحالب المتعايشة التى تمنح المرجان غذاءه ولونه.

‎«قد تتعافى الشعاب إذا عادت الظروف الملائمة خلال نطاق زمنى محدود، لكن الكسر الميكانيكى يدمّر البنية التى لا تُرمم بسرعة». ويشير إلى أن كثيرًا من مواقع الغردقة باتت متأثرة بشدة نتيجة ضغط سياحى ممتد لعقود، بينما ما تزال مناطق الجنوب — جنوب القصير ومرسى علم — أكثر بكرية نسبيًا بفعل انخفاض كثافة الأنشطة البشرية (مع اختلافات داخلية بين القطاعات والمواقع).

‎ويضيف: «فى مواقع غوص معروفة من أكتر من 30 سنة زى الجفتون وأبو رمادة والفنادير، الضغط البشرى كبير… وإحنا بنشوف كوارث لما 50 أو 60 مركب يحاولوا يرسوا فى نفس المكان. الشمندورات لا تكفى هذه الأعداد، فيضطروا لرمى الهِلب، وده ممكن يكسر ويدمر الشعاب».

‎دليل صامت: ما بعد كورونا.

‎ويضيف الحمّادى أن أكبر دليل على قدرة الشعاب على التعافى كان وقت كورونا، عندما حدث توقف للأنشطة البشرية تمامًا، «ووفقًا لمسوح ميدانية لاحظنا تحسنًا واضحًا».

‎ومن بين الحلول العملية المطروحة: تحسين إدارة مواقع الغوص (التوزيع، تحديد السعة، الإغلاق المؤقت لمواقع مُجهدة)، ودراسة استخدام بدائل تقلل الضغط على المواقع الأشد حساسية — مع التأكيد أن أى بديل يجب أن يكون مُصممًا علميًا حتى لا يتحول إلى عبء بيئى جديد.