الجمعة 27 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

سيناء ملحمة تعمير تفتح أبواب النمو وتعيد رسم الخريطة السكانية لمصر

كانت ولاتزال سيناء، هى درة التاج المصرى، فلم تكن يوماً مجرد رمال وجبال وصخور، بل كانت الأرض التى كُتب تاريخها بمداد من القدسية ودماء الشهداء، فبين صرخة «الله أكبر» خلال عبور قناة السويس فى العاشر من رمضان، وبين ملحمة «تطهير الأرض» من خوارج العصر وفلول الإرهاب، ظلت أرض الفيروز الإنجاز الأسمى للإرادة المصرية، فما تشهده من تنمية ومشروعات عملاقة، يؤكد أن القيادة السياسية كانت حريصة على تحويلها من «ساحة حرب» إلى جنة الله فى الأرض، فما بين مدن تبنى ومصانع تشيد وجامعات تخرج أجيالاً جديدة، نجحت الدولة فى جعل سيناء بوابة للاستثمار وشريانًا اقتصاديًا للجمهورية الجديدة.



لم تعد تنمية سيناء مجرد مشروع قومى يضاف إلى سجل الإنجازات، بل أصبحت تحولًا استراتيجيًا فى بنية الاقتصاد المصرى، ونقطة انطلاق نحو نموذج تنموى أكثر توازنًا واستدامة.

شبه جزيرة سيناء، التى ظلت لعقود طويلة خارج معادلات التوسع العمرانى والإنتاجى، تتحول اليوم إلى مركز ثقل اقتصادى جديد، مدعومًا بإرادة سياسية واضحة ومشروعات عملاقة تقودها الدولة بقيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لتصبح أحد أهم مفاتيح النمو، وإعادة توزيع السكان والثروات.

بنية تحتية تفتح أبواب الاستثمار

شكلت مشروعات الأنفاق أسفل قناة السويس، نقطة التحول الكبرى فى مسار التنمية، بعدما أنهت العزلة الجغرافية لسيناء وربطتها بشبكة الطرق القومية، لتتحول إلى امتداد طبيعى لوادى النيل؛ هذا الربط لم يختصر زمن الانتقال فقط، بل أسس لمرحلة جديدة من التدفقات الاستثمارية، حيث أصبحت تكلفة النقل أقل، وسلاسل الإمداد أكثر كفاءة، وهو ما يعزز من تنافسية المشروعات الصناعية والزراعية والسياحية.

ومع التوسع فى إنشاء الموانئ البحرية والمطارات وتطوير شبكة الطرق، أصبحت سيناء مؤهلة للقيام بدور لوجستى محورى فى خدمة التجارة الدولية، خاصة فى ظل تكاملها مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يفتح آفاقًا واسعة أمام الصناعات التصديرية.

الزراعة والأمن الغذائى.. خزان الإنتاج الجديد

تفرض التحديات العالمية المرتبطة بسلاسل الإمداد والغذاء، أهمية مضاعفة لمشروعات التوسع الزراعى فى سيناء، حيث يجرى استصلاح مساحات كبيرة من الأراضى اعتمادًا على محطات المعالجة العملاقة وشبكات الرى الحديثة؛ هذه المشروعات لا تسهم فقط فى زيادة الرقعة الزراعية، بل تدعم توجه الدولة نحو تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتى وتقليل فاتورة الاستيراد، بما ينعكس إيجابيًا على ميزان المدفوعات واستقرار الاقتصاد الكلى.

كما تخلق هذه المشروعات مجتمعات زراعية متكاملة توفر فرص عمل حقيقية، وتدعم الصناعات المرتبطة بالإنتاج الزراعى، مثل التعبئة والتصنيع الغذائى، لتتحول سيناء إلى محور رئيسى فى منظومة الأمن الغذائى.

ثروات تعدينية تؤسس لقاعدة صناعية

تمتلك سيناء مخزونًا ضخمًا من الثروات التعدينية، وهو ما يمنحها ميزة نسبية فى جذب الصناعات الثقيلة والمتوسطة، فاستغلال خامات الرخام والجرانيت والرمال البيضاء والمنجنيز وغيرها، يمثل فرصة لإقامة صناعات تحويلية تحقق قيمة مضافة عالية بدلًا من تصدير المواد الخام فى صورتها الأولية.

هذا التوجه يسهم فى تعميق التصنيع المحلى، وزيادة الصادرات، وتوفير العملة الأجنبية، فضلًا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، بما يعزز من مساهمة القطاع الصناعى فى الناتج المحلى الإجمالى.

السياحة.. عائد سريع للنقد الأجنبى

تمثل مدن جنوب سيناء، أحد أهم الأصول الاقتصادية لمصر، بفضل ما تتمتع به من مكانة عالمية على خريطة السياحة؛ وقد أدى تطوير المطارات ورفع كفاءة المنشآت الفندقية والبنية التحتية إلى زيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين جودة الخدمات، وهو ما يعزز قدرة القطاع السياحى على تحقيق مستهدفاته من الإيرادات الدولارية.

ولا يقتصر الأمر على السياحة الشاطئية، بل يمتد إلى سياحة المؤتمرات والسياحة البيئية والدينية، بما يحقق تنوعًا فى المنتج السياحى، ويزيد من متوسط إنفاق السائحين.

إعادة توزيع السكان.. كسر الاختناق الديموغرافى

تُعد تنمية سيناء، إحدى أهم الحلول الاستراتيجية لمواجهة التكدس السكانى فى الوادى والدلتا، حيث يجرى إنشاء تجمعات عمرانية متكاملة تضم إسكانًا وخدمات ومناطق صناعية وزراعية؛ هذه المجتمعات تمثل نواة لمراكز نمو جديدة، تسهم فى تحقيق العدالة المكانية فى توزيع الاستثمارات والخدمات.

إعادة التوزيع الجغرافى للسكان، لا تخفف الضغط على المرافق فقط، بل تفتح أسواقًا جديدة، وتخلق طلبًا إضافيًا على السلع والخدمات، وهو ما يدعم معدلات النمو الاقتصادى.

تنمية الإنسان.. الاستثمار الأكثر استدامة

من خلال التوسع فى إنشاء المدارس والجامعات والمستشفيات، وتوفير برامج التمكين الاقتصادى والمشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ فالتنمية الحقيقية تقاس بقدرة المواطن على المشاركة فى النشاط الاقتصادى وتحسين مستوى معيشته.

سيناء تتجاوز حدود التنمية

الدكتور وليد جاب الله، الخبير الاقتصادى، يقول: «إن سيناء ليست مجرد مساحة جغرافية ذات أهمية اقتصادية، بل تمثل رمزًا وطنيًا ارتوى بدماء المصريين، وجزءًا أصيلًا من العقيدة الوطنية»، مشددًا على أن قيمتها تتجاوز حدود التنمية إلى أبعاد استراتيجية تتعلق بالأمن القومى ومستقبل الدولة المصرية.

«جاب الله»، يوضح أن شبه جزيرة سيناء تمتلك حزمة متنوعة من المقومات الاقتصادية التى تؤهلها لتكون إحدى أهم قاطرات النمو خلال المرحلة المقبلة، إذ تضم مساحات شاسعة صالحة للتوسع الزراعى، إلى جانب مقاصد سياحية عالمية فى جنوبها تجمع بين السياحة الشاطئية والدينية والبيئية، كما تزخر بثروات تعدينية ومحجرية كبيرة، تشمل الرخام والرمال البيضاء والمعادن الاقتصادية، فضلًا عن موقعها الجغرافى الفريد الذى يتوسط أهم ممرات التجارة العالمية، ما يمنحها ميزة تنافسية لتتحول إلى مركز لوجستى محورى يخدم حركة التجارة الدولية.

أرض الفيروز.. الامتداد الطبيعى للكثافات السكانية

الخبير الاقتصادى، يشير أيضًا إلى أن سيناء تمثل الامتداد الطبيعى للكثافات السكانية فى الوادى والدلتا، بما يسهم فى إعادة رسم الخريطة العمرانية لمصر وتحقيق التوازن فى توزيع السكان، وهو ما يعزز من فرص التنمية المستدامة ويخفف الضغط عن المناطق المكتظة، مضيفًا: «أن الدولة المصرية وضعت تنمية سيناء على رأس أولوياتها منذ عام 2014، إذ تم ضخ استثمارات ضخمة تجاوزت تريليون جنيه لتنفيذ أكثر من ألف مشروع تنموى متكامل من الشمال إلى الجنوب، وشملت هذه المشروعات إنشاء 6 أنفاق جديدة أسفل قناة السويس لربط سيناء بالوادى والدلتا، وتطوير الموانئ والمطارات، وإقامة شبكة طرق عملاقة، إلى جانب تجهيز بنية أساسية متطورة للقطاع الصناعى».

كما يؤكد «جاب الله»، أن هذه الجهود لا تقتصر على تحقيق التنمية الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتدعيم ركائز الأمن القومى المصرى، من خلال خلق مجتمعات عمرانية متكاملة، وتعزيز التواجد السكانى، وفتح آفاق استثمارية واسعة، بما يحول سيناء إلى مركز تنموى واستراتيجى يعكس قوة الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية الشاملة.

فتح آفاق واسعة وأنماط متعددة من السياحة

محمد كارم، الخبير السياحى، يرى أن سيناء تمثل مشروعًا متكاملًا للتنمية قادرًا على إحداث نقلة نوعية فى هيكل الاقتصاد المصرى، مشيرًا إلى أن أهميتها لا تقتصر على البعد السياحى فقط، بل تمتد لتصبح محورًا تنمويًا شاملًا يفتح آفاقًا واسعة أمام أنماط متعددة من السياحة، تشمل الشاطئية والبيئية والعلاجية وسياحة السفارى والمغامرات، فى إطار مقاصد سياحية مستدامة تتماشى مع الاتجاهات العالمية الحديثة.

ووفق تصريحات «كارم»، فإن سيناء تمتلك مقومات فريدة فى مقدمتها الطبيعة البكر، إلى جانب ما تحمله من قيمة روحية ودينية عالمية تجعلها وجهة استثنائية للسياحة الدينية، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية قوية على خريطة السياحة الدولية، لافتًا إلى أن حجم الاستثمارات التى تم ضخها خلال السنوات الماضية أسهم فى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، وفتح المجال أمام خلق فرص عمل واسعة، فضلًا عن تأسيس مجتمعات عمرانية جديدة تدعم خطط إعادة التوزيع الجغرافى للسكان وتعزز من معدلات التنمية الشاملة.

وتابع: «سيناء مرشحة لأن تسهم بنسبة تتراوح بين 10 و12% من إجمالى الدخل السياحى لمصر، مع استهداف جذب ما بين 8 و10 ملايين سائح سنويًا، بإيرادات تصل إلى 9.6 مليار دولار»، منوهًا إلى أن التوسع فى تطوير السياحة الشاطئية يمكن أن يضيف نحو 80 ألف غرفة فندقية جديدة، مدعومة باستثمارات ضخمة، بما يعزز الطاقة الاستيعابية ويرفع القدرة التنافسية للمقصد السياحى المصرى على المستوى العالمى.