الجمعة 20 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

الشهيد.. مجد السماء وفخر الوطن

فى البداية يتحدث اللواء دكتور طارق الغنام عن شهداء الوطن بأنهم حياة فى ذاكرة الأمة، وليس كل موتٍ نهاية، فثمة موتٌ يولد منه الخلود، هناك من يغادر الدنيا فيصير ذكرى، وهناك من يغادرها فيصير قيمةً ومعنى، فالشهيد الذى يغادر الدنيا ليس اسماً يُتلى فى بيان، بل روح علت وجعلت من حياتها جسراً للأمان، فمن هنا تتجلى عظمةُ من اختاره الله لهذا المقام وكرمه تكريماً عظيماً، فقال عنه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾، فرفع عنهم وصف الفناء وأكد ذات المعنى فى قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، إنها حياة عند الله، لا يطالها فناء، ولا يدرك حقيقتها إلا من أكرمه الله بالقرب والرضوان، إذ يقول النبى ﷺ: «للشهيد عند الله ست خصال: يُغفر له فى أول دفعة من دمه، ويُرى مقعده من الجنة، ويُجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر…» إنها خصال لو اجتمع بعضها لإنسانٍ لكفته رضاً وفخراً، فالشهيد حجر الزاوية فى بناء الأوطان، وبه تستقيم القيم، وتثبت الأركان، وتُصان الكرامة. فالأمن الذى نعيشه، والاستقرار الذى ننعم به، لم يأتيا صدفة، بل وراءهما تضحيات رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛ تضحيات شهداء الوطن عبر تاريخه الذين ناضلوا ضد الغزاة والمحتلين وواجهوا العدوان جيلاً بعد جيل، وتضحيات أبناء القوات المسلحة الباسلة الذين يحرسون الحدود ويذودون عن تراب الوطن، ورجال الشرطة الأوفياء الذين يقفون فى وجه مواطن الخطر بثباتٍ ويطاردون يد الإجرام، إن هؤلاء جميعاً جعلوا من أرواحهم درعاً للوطن، فكل شهيدٍ منهم هو قصة أسرةٍ صابرة، وأمٍ احتسبت، وزوجةٍ تماسكت، وأطفالٍ تعلموا مبكراً أن الفخر قد يختلط بالدموع.



إن عظمة الشهيد لا تكمن فقط فى لحظة استشهاده، بل فى اختياره المسبق أن يقدم الكرامة على السلامة، والحق على الحياة نفسها، وهكذا كان شهداء حرب السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، حين سطروا بدمائهم ملحمة العبور، وأثبتوا أن الأمة التى تؤمن بحقها لا تُهزم، وأن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل الألم إلى نصر، والانكسار إلى عزيمة، والتضحية إلى مجدٍ باقٍ فى ضمير الوطن، لقد عبروا إلى الخلود بأرواحهم، وبقيت ذكراهم عنواناً للشجاعة، ورمزاً لكرامةٍ استعادت بها الأمة ثقتها بنفسها وتاريخها.

وقال اللواء الغنام: فى هذا الزمان الذى تتشابك فيه المصالح، ويعلو فيه صوت الأنا، يظل صاحب التضحية شاهداً على أن فى الإنسان بعداً أسمى من الخوف، وأوسع من حدود الغريزة، وأبقى من حب البقاء، فذاك الذى ارتقى لا يقدّم حياته فحسب، بل يقدم معنى الحياة ذاتها؛ وهكذا يبقى الشهيد… حياً عند ربه، قريباً من رحمته، محفوظاً فى سجل الخلود، حاضراً فى ضمير أمته، وخالداً فى ذاكرة وطنه، نوراً لا يخبو، وعهداً لا يُنسى.

من جانبه يقول الدكتور يسرى محمود عزام، مدرس بكلية الدفاع الوطني، إن عظمة الشهيد عند الله وعند الناس فى هذا الزمن الذى تتعالى فيه أصوات المصالح، يظلّ الشهيد شاهداً على معنى أسمى من الحياة ذاتها معنى البذل الخالص لله، والتضحية التى لا تنتظر جزاءً إلا من السماء. وقد منح الإسلام للشهيد منزلةً فريدة، فخلّد ذكره فى القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون﴾، فى إعلانٍ ربانيٍّ يبدّد ظن الفناء، ويؤكد أن الدم الطاهر لا يضيع عند الله.

تتجلى عظمة هذه المنزلة؛ فقد أخبر النبى ﷺ أن للشهيد خصالاً عظيمة، منها مغفرة الذنوب، والأمن من الفزع الأكبر، ورؤية مقعده من الجنة، إنها كرامةٌ تليق بمن باع دنياه طلبًا لرضا مولاه.

أما فى وجدان الناس، فالشهادة ليست خبرًا عابرًا، بل سيرة تُروى، وصورة تُعلَّق، ودمعة فخرٍ فى عيون الأمهات، يتحول الشهيد إلى رمزٍ للثبات، وإلى قصة إيمانٍ تُلهم الأجيال معنى الانتماء والتضحية، وهكذا يجتمع للشهيد مجد السماء وحب الأرض، فله عند الله حياةٌ ورزق، وعند الناس دعاءٌ وذكرٌ لا ينقطع، فالشهيد حيٌّ فى الذاكرة والوجدان تُروى بطولته فى المجالس، وتُذكر مواقفه فى ساحات العطاء، ويصبح اسمه رمزًا للفداء والثبات، تنحنى القلوب إجلالًا لتضحيته، وتبقى أسرته موضع تقديرٍ ووفاء، وهكذا يجتمع للشهيد شرفان: شرف المنزلة عند الله، وحسن الذكر فى الأرض؛ فحياته عطاء، وموته نورٌ يهدى الأجيال إلى معانى الإخلاص والبذل.

رحم الله الشهداء الأبرار وجزاهم  الله خيرآ لدفاعهم عن  أرضهم ووطنهم خير الجزاء.