الخميس 12 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
« يوم الشهيد… دماء تصنع الحياة»

« يوم الشهيد… دماء تصنع الحياة»

فى التاسع من مارس من كل عام، تتوقف مصر لحظة تأمل عميقة، لحظة امتنان ووفاء، لحظة تتذكر فيها الأمة رجالًا لم يطلبوا مجدًا شخصيًا، ولم يسعوا إلى شهرة أو سلطة، بل اختاروا الطريق الأصعب.. طريق التضحية، إنه يوم الشهيد، اليوم الذى تحيى فيه مصر ذكرى أبنائها الذين كتبوا بدمائهم صفحات من العزة والكرامة.



ولم يكن اختيارهذا التاريخ صدفة، بل ارتبط بواحدة من أنبل لحظات البطولة فى تاريخ العسكرية المصرية، يوم استشهد القائد العظيم.. عبدالمنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة عام 1969، أثناء حرب الاستنزاف، وهو بين جنوده فى الخطوط الأمامية على جبهة القتال.

كانت تلك اللحظة أكثر من مجرد استشهاد قائد عسكري، كانت رسالة عميقة للأمة كلها مفادها أن القائد الحقيقى هو الذى يتقدم الصفوف، لا الذى يكتفى بإصدار الأوامر من الخلف, لقد نزل الجنرال إلى الميدان ليشارك جنوده المخاطر نفسها، فكان أن نال شرف الشهادة بينهم، ليصبح رمزًا للقيادة التى تقاتل بصدق وتضحى قبل أن تطلب من الآخرين التضحية.

ومنذ ذلك اليوم، صار التاسع من مارس يومًا للشهيد فى مصر، ليس تكريمًا لشخص واحد فقط، بل لكل من ضحوا بأرواحهم فى سبيل أن تبقى هذه الأرض آمنة مستقرة.

الشهادة فى ميزان السماء والأرض

للشهادة فى ثقافتنا العربية والإسلامية منزلة عظيمة، فهى ليست مجرد موت فى ساحة القتال، بل هى أعلى درجات التضحية فى سبيل الحق. يقول الله تعالى فى كتابه الكريم:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران:169).

هذه الآية ليست مجرد وعد إلهى، بل هى رسالة طمأنينة لكل أمٍ فقدت ابنًا، ولكل زوجة فقدت زوجًا، ولكل طفلٍ كبر دون أن يضم أباه مرة أخرى، إن الشهيد فى ميزان الله ليس ميتًا بل حىٌ فى مقام كريم.

وفى الحديث الشريف يقول النبى ﷺ:»للشهيد عند الله ست خصال..» ثم ذكر منها أنه يُغفر له عند أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة.

لكن الشهادة لا تُقاس فقط بمنزلتها فى السماء، بل أيضًا بأثرها فى الأرض. فالأوطان لا تعيش بالأمنيات، بل بالتضحيات. والتاريخ يخبرنا أن كل أمة حافظت على استقلالها دفعت ثمن ذلك من دماء أبنائها.

ومصر، عبر تاريخها الطويل، كانت دائمًا فى قلب الأحداث الكبرى. فمنذ فجر التاريخ وحتى اليوم، لم تخلُ صفحة من صفحاتها من رجال وقفوا ليقولوا: هنا مصر… ولن تسقط.

حين يقاتل القائد مع جنوده

كان استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض حدثًا مفصليًا فى تاريخ القوات المسلحة المصرية. فالرجل لم يكن قائدًا عاديًا، بل كان أحد أبرز العقول العسكرية فى العالم فى زمانه، حتى لقّبه الخبراء العسكريون بـ «الجنرال الذهبى».

ومع ذلك، لم تمنعه مكانته من أن يقف وسط جنوده فى موقع متقدم على الجبهة, وعندما تعرض الموقع لقصف مدفعى عنيف من العدو، أصيب القائد واستشهد, كانت تلك اللحظة بمثابة صدمة عاطفية للجيش المصرى، لكنها فى الوقت نفسه زرعت فى قلوب الجنود عزيمة غير مسبوقة.

فالجندى الذى يرى قائده الأعلى يسقط شهيدًا بين صفوفه، يدرك أن المعركة ليست مجرد واجب وظيفى، بل قضية كرامة وطن.

ومن تلك اللحظة بدأ تحول نفسى كبير داخل الجيش المصرى، تحول قاد إلى بناء روح قتالية جديدة، روح ظهرت بكل وضوح بعد سنوات قليلة فى.. حرب أكتوبر 1973... حين استطاع الجيش المصرى أن يعبر قناة السويس ويحطم أسطورة الجيش الذى لا يُقهر.

دماء صنعت النصر

ليست الحروب مجرد معارك بالسلاح، إنها أيضًا معارك بالإرادة والصبر, فقبل أن يتحقق النصر فى أكتوبر، خاض الجيش المصرى سنوات طويلة من المواجهات فى حرب الاستنزاف، قدم خلالها مئات الشهداء.

كانت تلك الحرب بمثابة مدرسة قتال حقيقية، أعادت بناء الثقة لدى الجنود والضباط، وأثبتت أن الهزيمة ليست قدرًا محتومًا, ولذلك فإن نصر أكتوبر لم يكن حدثًا مفاجئًا، بل كان نتيجة طبيعية لسنوات من التضحية والدماء.

 فكل قطرة دم سالت على ضفاف القناة كانت خطوة نحو العبور.

معركة جديدة... ضد الإرهاب

لم تتوقف تضحيات أبناء مصر عند حروب الحدود فقط، بل امتدت أيضًا إلى مواجهة خطر جديد ظهر فى العقود الأخيرة، هو الإرهاب, فمنذ سنوات، خاضت القوات المسلحة والشرطة المصرية معركة طويلة ضد التنظيمات الإرهابية التى حاولت ضرب استقرار البلاد, وخلال هذه المواجهة سقط أكثر من ثلاثة آلاف شهيد من رجال الجيش والشرطة، إضافة إلى آلاف المصابين، فى معارك شرسة لحماية القرى والمدن والطرق والمنشآت.

هؤلاء لم يكونوا يقاتلون عدوًا تقليديًا فى ساحة حرب واضحة، بل كانوا يواجهون عدوًا خفيًا يتخفى بين المدنيين ويستهدف الأبرياء, لكنهم رغم ذلك وقفوا بثبات، مؤمنين بأن حماية الوطن واجب لا يقبل التردد, ومن بين هؤلاء الشهداء ضباط وجنود شباب، كثير منهم كان فى مقتبل العمر، تركوا خلفهم أسرًا وأحلامًا ومستقبلًا كان يمكن أن يكون مختلفًا، لكنهم اختاروا طريق التضحية.

خلف كل شهيد... أسرة تحمل شرف البطولة 

حين نتحدث عن الشهداء، فإننا لا نتحدث عنهم وحدهم، بل عن عائلات كاملة دفعت ثمن هذه التضحية.

الأم المصرية التى تستقبل خبر استشهاد ابنها ليست مجرد أم ثكلى، بل هى رمز لصبر نادر.

كم من أم مصرية وقفت أمام الكاميرات لتقول بكل قوة: «الحمد لله... ابنى فداء لمصر», إنها كلمات قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل فى داخلها جبالًا من الصبر والإيمان.

والزوجة المصرية أيضًا تقدم نموذجًا عظيمًا للصمود، فهى تتحمل مسئولية تربية الأبناء وحدها، لكنها تفعل ذلك وهى مرفوعة الرأس، لأنها تعلم أن زوجها لم يمت عبثًا بل مات دفاعًا عن وطنه.ولهذا يقال دائمًا: خلف كل شهيد بطلة… بل بطلات.

أبناء الشهداء... أبناء مصر

حرصت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة على أن يشعر أبناء الشهداء بأن الوطن كله يقف إلى جانبهم, فتم توفير الرعاية التعليمية والصحية والاجتماعية لهم، كما يتم تكريم أسر الشهداء فى مناسبات وطنية عديدة, الفكرة الأساسية هنا ليست مجرد دعم مادى، بل بناء شعور بالفخر والانتماء.

فابن الشهيد لا يجب أن يشعر أنه فقد شيئًا، بل يجب أن يشعر أنه ينتمى إلى قصة عظيمة من التضحية. أن يقول بفخر: «أبى لم يرحل... أبى بطل».

رسالة يوم الشهيد

إن يوم الشهيد لا يخص العسكريين وحدهم، بل هو رسالة لكل مواطن مصري.

فالشهيد ضحى بحياته لكى يعيش الوطن, لكن الحفاظ على هذا الوطن لا يكون بالسلاح وحده، بل بالعمل والإخلاص.

فالطبيب الذى ينقذ حياة المرضى, والمعلم الذى يبنى عقول الأجيال, والمهندس الذى يشيد المشروعات، والعامل الذى يخلص فى عمله…

كل هؤلاء يشاركون بطريقتهم فى حماية الوطن,وقد قال النبى:” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه”, 

فالإتقان فى العمل هو أيضًا شكل من أشكال الوفاء للشهداء.

أمانة الدم

نعيش اليوم فى عالم يموج بالتوترات والصراعات, المنطقة من حولنا تعانى اضطرابات سياسية وعسكرية واقتصادية، والتحديات التى تواجه الدول لم تعد تقليدية, وفى مثل هذه الظروف يصبح الحفاظ على استقرار الوطن مسئولية جماعية.

فالعدو لا يأتى دائمًا من الخارج فقط، أحيانًا يأتى من الداخل عبر الشائعات أو الفتن أو محاولات نشر اليأس والإحباط, ولهذا فإن أمانة دم الشهداء تفرض علينا أن نكون أكثر وعيًا وصلابة, أن نحافظ على وحدة المجتمع, أن نحمى مؤسسات الدولة, أن نرفض كل ما يهدد استقرار هذا الوطن, فالشهداء لم يقدموا حياتهم لكى نختلف أو نتنازع، بل لكى تبقى مصر قوية آمنة.

كلمة أخيرة

لو كان للشهيد أن يرسل رسالة إلينا اليوم، ربما سيقول ببساطة: “ لم نقدم حياتنا لكى تتوقف الحياة… بل لكى تستمر”, إن أعظم وفاء للشهداء هو أن نحافظ على الوطن الذى ضحوا من أجله، وأن نبنى مستقبلًا يليق بتضحياتهم.

فمصر التى حفظها الله عبر آلاف السنين، لن يحميها إلا أبناؤها، بإيمانهم وعملهم ووحدتهم.

وكما يقول القول المأثور: الأوطان التى تحفظ دماء شهدائها… تحفظ مستقبلها.

اللهم ارحم شهداء مصر الأبرار، واجعل دماءهم نورًا يحفظ هذا الوطن، وألهم أسرهم الصبر والسكينة، واحفظ مصر من كل سوء، واجعلها دائمًا آمنة مطمئنة، قوية بأبنائها، عزيزة بتضحياتهم.

آمين