المنطقة تتغير.. ومصر ثابتة
محمود محرم
أكد خبراء سياسيون فى تصريحات خاصة لـ«روزاليوسف»، أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تتصارع فيها مشروعات متباينة تسعى لفرض نفوذها وإعادة ترتيب خرائط القوة، بما يضع الدول أمام تحديات غير تقليدية تتطلب أعلى درجات الجاهزية والوعى، وبينما تتسع دوائر التوتر وتتزايد احتمالات التصعيد، تبرز أهمية تماسك الجبهة الداخلية وبناء وعى مجتمعى قادر على استيعاب تعقيدات المرحلة، كخط دفاع أول فى مواجهة تداعياتها.
اللواء طيار دكتور هشام الحلبى، مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، يقول: «إن حديث السيد الرئيس بشأن التغيرات التى تشهدها المنطقة، وتصريحه بأن «المنطقة تتغير» يعكس قراءة استراتيجية دقيقة لطبيعة المرحلة الراهنة التى تمر بها المنطقة، والتى تشهد تحولات كبيرة و متسارعة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
«الحلبى»، يوضح أن ما تشهده المنطقة من تطورات متلاحقة يؤكد أن البيئة الإقليمية تمر بمرحلة إعادة تشكيل وترتيب للتوازنات فى ظل حجم الأزمات والصراعات التى شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، وهذه التحولات تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعى المجتمعى والإدراك لطبيعة التحديات التى تواجه الدول، لافتًا إلى أن الدولة المصرية كانت دائمًا حريصة على التحذير من خطورة اتساع نطاق الصراعات فى المنطقة، مؤكدًا أن استمرار الحروب يمكن أن يؤدى إلى توسع دائرة التوتر بما ينعكس سلبًا على أمن واستقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يتطلب التعامل مع الأزمات من خلال الحلول السياسية والحوار وليس عبر التصعيد العسكرى.
«الحلبى»، يشدد على أن وعى المجتمع يمثل أحد أهم عناصر القوة فى مواجهة التحديات، لافتًا إلى أن إدراك طبيعة المتغيرات التى تمر بها المنطقة يساعد على وضع الأحداث فى سياقها الصحيح ويمنع الانسياق وراء الشائعات أو التفسيرات غير الدقيقة، إذ تتطلب المرحلة الحالية قدرًا كبيرًا من الهدوء والحكمة فى التعامل مع المتغيرات الإقليمية، مشيرًا إلى أن حديث السيد الرئيس جاء ليؤكد ضرورة الاستعداد لهذه التحولات والتعامل معها بوعى ومسئولية، بما يحافظ على استقرار الدولة المصرية ويعزز قدرتها على مواجهة التحديات المختلفة فى محيط إقليمى شديد التعقيد.
اللواء سمير فرج، الخبير العسكرى والاستراتيجى، يؤكد أن التحولات التى تشهدها المنطقة فى الوقت الراهن تؤكد صحة ما أشار إليه السيد رئيس الجمهورية خلال كلمته فى إفطار الأسرة المصرية، موضحًا أن الشرق الأوسط يقف بالفعل أمام مرحلة إعادة تشكيل سياسى وأمنى قد تمتد آثارها لسنوات طويلة، منوهًا إلى أن طبيعة الصراعات الحالية تختلف عن كثير من الأزمات التى شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، لأنها تتداخل فيها عوامل عسكرية وسياسية واقتصادية فى وقت واحد، وهو ما يجعل تداعياتها أكثر تعقيدًا.
«فرج»، يشير إلى أن مصر واجهت خلال السنوات الماضية سلسلة من الأزمات العالمية والإقليمية التى تركت آثارًا اقتصادية مباشرة، بالإضافة إلى العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة وما تبعه من تصاعد التوترات الإقليمية أدخل المنطقة فى مرحلة أكثر حساسية، خاصة مع اتساع نطاق المواجهات العسكرية وتداخل أطراف دولية وإقليمية فى الصراع، الأمر الذى زاد من حالة عدم اليقين فى البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدول العربية.
الخبير السياسى، يوضح أن أخطر ما يميز المرحلة الراهنة هو اتساع نطاق الصراعات وأنها قد تتحول إلى صراعات مفتوحة وهو ما سيكون له تداعيات فى مجالات الأمن والاقتصاد والاستقرار الإقليمى، مؤكدًا أن تصاعد الأحداث بين القوى الكبرى فى المنطقة، وعلى رأسها إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، وما يرتبط بها من تدخلات دولية، يعكس حجم التغيرات التى يشهدها الإقليم وهذه الأحداث تفرض على الدول، وفى مقدمتها مصر، ضرورة تعزيز الوعى العام بحقيقة التحديات التى تواجه الدولة.
ونوه أيضًا، أن تماسك الجبهة الداخلية يظل العامل الحاسم فى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الإقليمية، والتجارب التاريخية أثبتت أن قوة الدول تقاس بمدى تماسك مجتمعها وقدرته على الصمود فى أوقات الأزمات، مشددًا على أن مصر تمتلك مؤسسات قوية وخبرة تاريخية فى التعامل مع الأزمات، وهو ما يمكنها من عبور هذه المرحلة الدقيقة والحفاظ على استقرارها فى ظل التغيرات المتسارعة التى يشهدها الإقليم.
الدكتور عبدالمنعم سعيد، الكاتب والمفكر السياسى، يقول: «إن منطقة الشرق الأوسط تمر حاليًا بمرحلة تاريخية شديدة التعقيد، تتسم بوجود مشروعين متناقضين ومتعارضين يسعيان إلى إعادة تشكيل الإقليم، أحدهما المشروع الإيرانى والآخر المشروع الإسرائيلى، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى توظيف التناقض بين هذين المشروعين بما يخدم مصالحها الاستراتيجية فى المنطقة، موضحًا أن ما تشهده المنطقة اليوم ليس ظاهرة جديدة فى التاريخ السياسى للشرق الأوسط، بل يمثل عودة لما يمكن تسميته بـ»مرحلة المشروعات الكبرى» التى اعتادت أن تعيد رسم خريطة المنطقة فى لحظات تاريخية مفصلية، إذ شهدت المنطقة نماذج مشابهة فى بدايات القرن العشرين، خاصة خلال فترة ما قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، حين ظهرت ترتيبات كبرى، مثل وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، والتى أسهمتا فى إعادة تشكيل الخريطة السياسية للشرق الأوسط.
«سعيد»، يلفت إلى أنه مع مرحلة الاستقلال فى ثلاثينيات القرن الماضى بدأت دول المنطقة فى اكتساب ملامح الدولة الوطنية، إذ استقلت السعودية ومصر، بينما كانت سوريا ولبنان لا تزالان تحت الانتداب الفرنسى، قبل أن تتشكل لاحقًا منظومة العمل العربى المشترك عبر تأسيس جامعة الدول العربية، بما منح الدول العربية إطارًا سياسيًا للتنسيق والعمل الجماعى، وفى خمسينيات وستينيات القرن الماضى شهدت المنطقة انقسامًا حادًا بين معسكرات أيديولوجية متباينة فى ظل الاستقطاب الدولى، إذ انقسمت الدول العربية بين أنظمة محافظة وأخرى ثورية راديكالية غير أن نقطة التحول الكبرى جاءت بعد حرب 1967، التى كشفت عن واقع إقليمى جديد، تمثل فى صعود إسرائيل كقوة إقليمية بعد احتلالها أراضى ثلاث دول عربية هى مصر وسوريا والأردن.
المفكر السياسى، يشدد على أن تلك المرحلة شهدت أيضًا تحولات فكرية وسياسية عميقة، حيث بدأت الراديكالية القومية فى التراجع تدريجيًا لصالح صعود تيارات الراديكالية الدينية، وهو ما تجسد بوضوح مع الثورة الإيرانية التى دشنت نموذجًا جديدًا لما يمكن وصفه بالإسلام السياسى ذى الطابع الشيعى، وأفرزت لاحقًا شبكة من الميليشيات المسلحة فى عدد من الدول العربية، مشيرًا إلى أن إسرائيل شهدت بدورها تحولات داخلية عميقة، إذ أصبحت النخبة السياسية الحاكمة تميل بشكل متزايد إلى قراءات دينية توراتية للواقع السياسى، الأمر الذى أدى إلى تصاعد النزعة الراديكالية داخل المشروع الإسرائيلى، وهو ما يضع المنطقة أمام صدام بين راديكاليتين «راديكالية إيرانية ذات بعد مذهبى، وأخرى إسرائيلية ذات بعد دينى قومى».
«سعيد»، يضيف أن العديد من هذه الدول تتبنى رؤى تنموية استراتيجية طويلة المدى، من بينها رؤية السعودية 2030، بما يعكس اتجاهًا إقليميًا متزايدًا نحو الإصلاح الاقتصادى والسياسى وبناء الدولة الحديثة، وتقف المنطقة حاليًا أمام ما يمكن وصفه بـ«لوحة شطرنج استراتيجية»، تضم ثلاثة مكونات رئيسية «المشروع الإيرانى القائم على توظيف الميليشيات، والنفوذ الأيديولوجى فى عدد من الدول العربية، والمشروع الإسرائيلى الذى يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية فى ظل دعم أمريكى»، إلى جانب كتلة عربية إصلاحية تتشكل تدريجيًا وتسعى إلى بناء نموذج للاستقرار والتنمية.










