مصر صوت الحكمة فى زمن التصعيد
أمانى عزام
فى ظل لحظة إقليمية شديدة التعقيد تتزايد فيها احتمالات التصعيد العسكرى وتتسع دوائر التوتر فى الشرق الأوسط، برزت مصر مجددًا باعتبارها أحد أهم الأصوات الداعية إلى الحكمة والاتزان، مؤكدة ضرورة احتواء الصراعات ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات واسعة قد تجر تداعياتها الجميع. فقد شددت القاهرة، على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسي، على رفضها القاطع لأى اعتداءات تستهدف الدول العربية الشقيقة، خاصة دول الخليج، مؤكدة أن أمن الخليج يمثل امتدادًا مباشرًا للأمن القومى المصرى والعربى.
وجاءت هذه المواقف فى ظل تصاعد التوترات العسكرية فى المنطقة، حيث أكد الرئيس السيسى فى أكثر من مناسبة أن مصر تبذل جهودًا مكثفة لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صراع إقليمى شامل، محذرًا من التداعيات الاقتصادية والإنسانية والأمنية الخطيرة التى قد تنجم عن اتساع رقعة الحرب. كما شدد على ضرورة وقف التصعيد وإعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية باعتبارها السبيل الوحيد للحفاظ على استقرار المنطقة.
وأكد الرئيس السيسى خلال اتصالاته مع عدد من القادة الإقليميين والدوليين رفض مصر الكامل لأى اعتداءات تطال الدول العربية، مشيرًا إلى أن هذه الدول لم تكن طرفًا فى الصراعات الجارية ولم تؤيدها، بل سعت فى المقابل إلى دعم جهود التهدئة وخفض التصعيد. وقد برز ذلك خلال الاتصال الهاتفى الذى أجراه مع الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، وكذلك خلال مشاوراته مع أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث شدد على أهمية احترام سيادة الدول وعدم توسيع نطاق الصراع فى المنطقة.
وتكاملت هذه الرسائل مع الموقف الرسمى الذى عبرت عنه وزارة الخارجية المصرية، والتى أدانت بدورها أى استهداف لوحدة وسلامة أراضى الدول العربية، مؤكدة ضرورة احترام سيادتها والالتزام بمبادئ القانون الدولى وحسن الجوار، إلى جانب الدعوة إلى التحلى بأقصى درجات ضبط النفس فى هذه المرحلة الحساسة.
وتعكس هذه المواقف نهجًا مصريًا ثابتًا يقوم على التوازن والحكمة فى إدارة الأزمات، حيث تجمع القاهرة بين رفض الاعتداءات التى تمس الأمن العربي، وبين العمل فى الوقت ذاته على الدفع نحو خفض التصعيد وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات. ويهدف هذا النهج إلى الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى مزيد من الصراعات التى قد تهدد أمن شعوبها ومصالحها الاقتصادية.
وفى هذا السياق، أشاد فيصل فولاذ، الحقوقى البحرينى والأمين العام للمجموعة العربية الإفريقية لحقوق الإنسان، بالمواقف الحكيمة التى عبّر عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي، مؤكدًا أن هذه المواقف تعكس حرص مصر الدائم على دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على أمنها فى ظل التطورات الإقليمية الراهنة.
وأوضح فولاذ أن تصريحات الرئيس السيسى تؤكد التزام مصر بمبادئ التضامن العربى ورفض أى اعتداء على سيادة الدول، مشيرًا إلى أن القاهرة تدعو باستمرار إلى خفض التصعيد وتغليب لغة الحوار والحلول السياسية، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولى والقانون الدولى الإنساني. وأضاف أن هذه المواقف تعكس الدور التاريخى لمصر فى دعم الأمن العربى وصون استقرار المنطقة.
وأشار إلى أن رؤية القيادة المصرية فى التعامل مع الأزمات الإقليمية تتسم بالتوازن والمسئولية، حيث تسعى إلى احتواء التوترات ومنع توسع الصراعات، إدراكًا لما قد تسببه الحروب من تداعيات إنسانية واقتصادية خطيرة على شعوب المنطقة. كما أكد أن مصر تمثل ركيزة أساسية فى منظومة الأمن العربي، بفضل ثقلها السياسى ودورها التاريخى فى الدفاع عن قضايا الأمة العربية.
من جانبه، أكد محمد عبدالواحد، خبير الأمن القومى والاستراتيجي، أن مصر تُنظر إليها عربيًا ودوليًا باعتبارها «صوت العقل» فى المنطقة، خاصة فى ظل التصعيد العسكرى الأخير. وأوضح أن القاهرة اتخذت موقفًا واضحًا بإدانة أى اعتداءات تستهدف الدول العربية، مشيرًا إلى أن هذه الدول لم تكن طرفًا فى النزاع، بل ساهمت فى دعم جهود خفض التصعيد والمسار الدبلوماسي.
وأضاف أن مصر تدرك خطورة اتساع دائرة الصراع فى الشرق الأوسط، ولذلك تعمل عبر قنوات دبلوماسية متعددة للحيلولة دون تحول الأزمة إلى مواجهة إقليمية شاملة. كما أكد أن القاهرة تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية فى إطار مساعيها لإعادة إحياء المسار التفاوضى والتوصل إلى حلول سياسية للأزمات القائمة.
وأشار عبدالواحد إلى أن الدور المصرى لا يقتصر على إصدار بيانات الإدانة، بل يشمل تحركات دبلوماسية نشطة واتصالات مكثفة مع مختلف الأطراف المعنية، بهدف احتواء التصعيد وتهيئة الظروف المناسبة للحوار. كما أوضح أن القاهرة أبدت استعدادها للقيام بدور الوسيط فى بعض الملفات الإقليمية، انطلاقًا من مكانتها السياسية وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.
وفى السياق ذاته، أكد السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن تأكيد الرئيس السيسى على أن أمن الخليج هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر يعكس ثوابت السياسة الخارجية المصرية، التى تقوم على دعم استقرار الدول العربية والحفاظ على وحدة الصف العربى فى مواجهة التحديات المشتركة.
وأوضح “حجازى” أن القاهرة تدرك جيدًا حجم المخاطر التى تواجه المنطقة فى ظل تصاعد التوترات الإقليمية، ولذلك تسعى إلى طمأنة الأشقاء فى الخليج بأنها ستظل داعمًا رئيسيًا لأمنهم واستقرارهم. كما أشار إلى أن مصر تدفع فى الوقت ذاته نحو تعزيز العمل العربى المشترك وتطوير آليات التعاون الإقليمى بما يسهم فى مواجهة الأزمات والتحديات المتزايدة.
ولفت إلى أن التحركات الدبلوماسية التى تقودها القاهرة، بما فى ذلك جولات وزير الخارجية الدكتور بدر عبدالعاطى فى عدد من دول الخليج، تأتى فى توقيت بالغ الحساسية، وتهدف إلى تنسيق المواقف العربية وتعزيز التضامن بين الدول الشقيقة فى مواجهة التحديات الراهنة.
وأكد “حجازى” أن هذه الجهود تعكس الدور المصرى التقليدى كإحدي ركائز الاستقرار فى الشرق الأوسط، حيث تتحرك القاهرة على أكثر من مستوى، سواء عبر التنسيق مع الدول العربية أو من خلال التواصل مع القوى الدولية والإقليمية، بهدف احتواء التوترات ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع.
واختتم بالتأكيد أن المواقف المصرية المتوازنة تعكس إدراكًا عميقًا لخطورة المرحلة التى تمر بها المنطقة، مشددًا على أن مصر ستظل لاعبًا رئيسيًا فى أى جهود إقليمية أو دولية تهدف إلى خفض التصعيد وإعادة الاستقرار، بما يحفظ أمن الدول العربية ويصون مصالح شعوبها.










