الأعياد فى استراتيجية «الإرهابية» استثمار سياسى لأفكارها
حوار- مصطفى امين
كشف الخبير فى شئون الجماعات المتطرفة حسام الحداد، استراتيجية أساليب جماعة الإخوان الإرهابية فى استغلال الأعياد كمواسم للتجنيد ومحاولة الجماعة «أنسنة الأيديولوجيا المتطرفة»، عبر ربطها بالمناسبات الدينية والعمل الخدمى الميدانى، كتوزيع صدقات العيد والزيارات المنزلية، ما ساعدها على بناء «قواعد ولاء صامتة» لها فى مرحلة ماقبل 30 يونيو، مضيفا لـ«روزاليوسف»: »بعد ثورة 30 يونيو شهدت أنماط استغلال الأعياد تحولاً جذرياً، بعد أن فقدت الجماعة قدرتها على التواجد بالميادين الكبرى والساحات العامة فانتقلت من العلنية إلى السرية، واستبدلت الأنشطة الخيرية بآليات «التكافل الضيق».. وإلى نص الحوار:
كيف تستغل الجماعة الاحتفالات بالأعياد كوسيلة لنشر أفكارها الإرهابية؟
ــ تعتبر الأعياد فى استراتيجية الإخوان «مواسم استثمار سياسى»، حيث استغلتها كأداة للتغلغل الاجتماعى وتكريس مفهوم «المجال العام الموازى»، فمن خلال ساحات صلاة العيد، نجحت فى تقديم استعراض قوة ناعمة يعكس انضباط كادرها التنظيمى وقدرته على إدارة الحشود وتوجيهها، محولةً الشعيرة الدينية لمنصة للدعاية الحركية المغلفة بالدين، حيث يهدف هذا الحضور البصرى والتنظيمى المكثف لبناء صورة ذهنية لدى الجماهير بأنها البديل الأكفأ والمؤتمن الوحيد على القيم والمناسك، ما عزز من نفوذها السياسى تحت ستار الالتزام الشعائرى، وتمثل البعد الآخر لهذا التوظيف فى «أنسنة الأيديولوجيا» عبر ربط المناسبات الدينية بالعمل الخدمى الميدانى، وهو ما ساعدها على بناء «قواعد ولاء صامتة» تتجاوز الأطر الفكرية لروابط نفعية وعاطفية عميقة.
إلى أى مدى لعبت الأنشطة الخيرية المرتبطة بالأعياد دورًا فى بناء الحاضنة الاجتماعية للتنظيم؟
ــ شكلت الأنشطة الخيرية المرتبطة بالأعياد «العمود الفقري» للقوة الناعمة التى امتلكتها الجماعة، حيث نجحت فى تحويل العمل الإغاثى لأداة اختراق سياسى بعيدة المدى فتوزيع «شنط رمضان» وملابس العيد لم يكن مجرد فعل تكافلى، بل كان وسيلة لبناء «عقد اجتماعى موازٍ» بين التنظيم والفئات الأكثر احتياجاً، هذا الحضور الميدانى المكثف فى لحظات الاحتياج والمشاركة الوجدانية، مكنها من حصد «رصيد عاطفي» تحول لاحقاً إلى كتل تصويتية صلبة فى الاستحقاقات الانتخابية، ولعبت هذه الأنشطة دورًا حاسمًا فى تعزيز «الحاضنة الاجتماعية» عبر خلق شبكات تواصل أفقية معقدة داخل القرى والأحياء الشعبية، حيث كانت عملية التوزيع تتم من خلال «لجان البر» التى يديرها كوادر مدربون على التواصل الجماهيرى، هذه اللجان لم تكتفِ بتقديم المساعدات، بل قامت برصد دقيق لخارطة الاحتياجات المحلية وتجنيد الأنصار الجدد.
هل يمكن القول إن الأعياد كانت تمثل بالنسبة للإخوان موسمًا سنويًا للاستقطاب والتجنيد؟
ــ لا يمكن فصل النشاط الاجتماعى والخيرى للتنظيم فى الأعياد عن مستهدفه الأبعد وهو «الاستقطاب والتجنيد»، بل كان العمل الخدمى هو «القشرة الخارجية» لعملية حركية شديدة التعقيد، فالعيد بالنسبة لهم يمثل ذروة «الدورة التجنيدية»، حيث يتم استغلال الحالة الروحية العامة واللقاءات الجماعية المفتوحة لرصد العناصر الواعدة من الشباب المترددين على المساجد أو المستفيدين من المساعدات، ومن ثم البدء فى دمجهم داخل «الأسر التنظيمية» تحت غطاء تربوى أو اجتماعى، لأن تحويل «المحب» أو «المتعاطف» إلى «كادر» كان يتطلب كسر الحاجز النفسى مع التنظيم، وهو ما توفره أجواء العيد الاحتفالية التى تذيب الجمود وتسمح للدعاة والمنظمين ببناء جسور ثقة شخصية، تمهد الطريق لاحقاً لعملية «الأدلجة» الممنهجة.
كيف كان التنظيم يدير برامج وأنشطة الأعياد؟
ــ كانت إدارة أنشطة الأعياد داخل الجماعة تجسيداً حياً لـ«المركزية التنظيمية» والتراتبية الصارمة؛ حيث لم تكن هذه الفعاليات وليدة الصدفة، بل نتاج خطط مركزية تُعتمد من «مكتب الإرشاد» وتُنفذ عبر «المكاتب الإدارية» فى المحافظات، وصولاً إلى أصغر وحدة تنظيمية وهى «الأسرة»، وتتولى لجان متخصصة (كاللجنة الاجتماعية، ولجنة الدعوة، واللجنة السياسية) تقسيم الأدوار بدقة؛ فبينما يركز «قسم الأشبال» على تنظيم المهرجانات وتوزيع الهدايا للأطفال لربطهم وجدانيًا بالتنظيم، يتولى «قسم البر» حصر الأسر المحتاجة وإعداد قواعد بيانات دقيقة لتوزيع الأضاحى والمساعدات، مما يضمن تغطية جغرافية شاملة، وكانت الأعياد تُعامل كـ«مشروعات استراتيجية» يبدأ الإعداد لها قبل أشهر عبر ما يسمى «خطة العمل الموسمية»، عبر تحديد الساحات المستهدفة وتوفير الميزانيات الضخمة التى تُجمع من اشتراكات الأعضاء وتبرعات رجال الأعمال التابعين للتنظيم.
ما الدور الذى لعبته الأنشطة الشبابية والترفيهية المرتبطة بالأعياد فى التعرف على عناصر جديدة وإدماجها تدريجيًا فى شبكات الجماعة؟
ــ لعبت الأنشطة الشبابية والترفيهية فى الأعياد دور «المصفاة الأولى» فى عملية الاستقطاب، حيث اعتمدت الجماعة على تنظيم مهرجانات رياضية، رحلات ترفيهية، ومسابقات ثقافية مغلفة بأجواء احتفالية لكسر «الحواجز النفسية» لدى الشباب غير المنتمين، وكانت هذه الفعاليات تُصمم بعناية لتبرز نموذج «الشاب المسلم المعاصر» الذى يجمع بين التدين والمرح، ما يخلق حالة من الانبهار لدى المستهدفين ويسهل عملية «الفرز النوعى» وكانت مرحلة «الإدماج التدريجى» تتم عبر تحويل النشاط الترفيهى العابر إلى التزام دوري؛ فيُدعى الشاب للمشاركة فى «نادٍ صيفي» أو «دورة كروية» دائمة تنظمها الجماعة، حيث يتم تعريض المستهدف لجرعات تربوية مخففة وسلوكيات جماعية (كالصلاة فى جماعة، والتعاون فى التنظيم) دون الحديث المباشر فى السياسة أو التنظيم وكان هذا «التسييس الناعم» يهدف إلى دمج الفرد داخل «البيئة الاجتماعية» للإخوان، بحيث يصبح أصدقاؤه واهتماماته مرتبطة كليًا بشبكاتهم ومع مرور الوقت، يجد الشاب نفسه منغمسًا فى «الحاضنة التنظيمية» ومستعدًا نفسيًا لقبول العروض الأكثر عمقًا مثل الانضمام إلى «أسرة» أو تلقى مناهج تثقيفية خاصة، لينتقل من مجرد مشارك فى نشاط ترفيهى بالعيد إلى عنصر فاعل داخل الهيكل التنظيمي.
بعد عام 2013 كيف تغيرت أنماط استغلال الأعياد لدى الجماعة؟
ــ شهدت أنماط استغلال الأعياد تحولًا جذريًا من «الاستعراض العام» إلى «النكاية والرمزية»، بعد عام 2013، حيث فقدت الجماعة قدرتها على السيطرة على الميادين الكبرى والساحات العامة وانتقل التركيز من الحشد اللوجستى المفتوح إلى محاولات «خطف المشهد» عبر تنظيم صلوات عيد خاطفة فى مناطق نائية أو قرى بعيدة، وعلى صعيد التحول من العلنية إلى السرية، استبدلت الشبكات المرتبطة بالجماعة الأنشطة الخيرية الكبرى (مثل شوادر اللحوم) بآليات «التكافل الضيق» وغير المباشر، عبر وسطاء أو جمعيات محلية غير معروفة بتبعيتها المباشرة، أو من خلال توزيع مساعدات نقدية وعينية بشكل فردى وسرى على أسر المعتقلين والمتضررين من عناصرها وتحول النشاط الشبابى والترفيهى من «المعسكرات والرحلات الجماعية» إلى «المجموعات الرقمية» واللقاءات المنزلية المحدودة تحت ستار اجتماعى بحت، بعيدًا عن أى مظاهر تنظيمية قد تثير الريبة.
فى تقديرك ما أبرز الأساليب التى استخدمتها الجماعة لتقديم أنشطتها الاجتماعية خلال الأعياد دون إظهار البعد التنظيمى بشكل مباشر؟
ــ اعتمدت الجماعة على استراتيجية «الواجهات المدنية» والعمل تحت لافتات اجتماعية عامة لتذويب البعد التنظيمى داخل النسيج الشعبى، حيث كانت الأنشطة تُقدم بوصفها مبادرات «أهالي» أو «فاعلى خير» من أبناء الحى فبدلاً من رفع شعارات الجماعة الصريحة فى البداية، كان يتم التركيز على إبراز «الرموز المهنية» التابعة لهم، مثل أطباء أو مهندسين معروفين فى المنطقة، لقيادة توزيع المساعدات أو تنظيم القوافل الطبية المرتبطة بالعيد.. هذا الأسلوب سمح للجماعة باكتساب شرعية مجتمعية وقبول لدى الفئات التى قد تتوجس من الانتماءات السياسية، محولةً النشاط التنظيمى إلى «عمل تطوعي» يبدو عفويًا، بينما هو فى الحقيقة جزء من منظومة إدارية محكمة تهدف إلى كسب الولاء الشعبى لصالح التنظيم دون صدام مباشر مع الوعى السياسى للجمهور، أما الأسلوب الثانى، فتمثل فى «الاستثمار فى الفلكلور والطقوس الشعبية» لإضفاء طابع احتفالى وطنى على أنشطتها، مثل تنظيم مهرجانات للأطفال وتوزيع بالونات وهدايا تحمل رسائل أخلاقية عامة لا تثير الريبة.. وكانت هذه الأنشطة تُدار عبر «اللجان النقابية» أو «الأندية الرياضية» الصغيرة التى يهيمن عليها أفراد من الجماعة، مما يمنح الفعالية غطاءً قانونيًا ومهنيًا يحميها من المساءلة.
هل ما زالت الأعياد تمثل فرصة للجماعة أو للدوائر المتعاطفة معها للحفاظ على الروابط التنظيمية والاجتماعية بين أعضائها؟
ــ رغم التضييق الأمنى والمؤسسى، لا تزال الأعياد تُمثل «رئة تنظيمية» حيوية لما تبقى من دوائر الجماعة والمتعاطفين معها، لكنها انتقلت من مربع «التمدد» إلى مربع «الحفاظ على البقاء» فالعيد يُستغل كمناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية بين أسر الأعضاء، خاصة عائلات المحبوسين أو الملاحقين، من خلال زيارات منزلية مغلفة بالطابع الاجتماعى البحت لتجنب الرصد، هذه اللقاءات تعمل بمثابة «جلسات دعم معنوى» تهدف إلى منع الانهيار النفسى للقواعد، وتجديد الشعور بالانتماء لمنظومة فكرية واحدة، مما يضمن بقاء «الحد الأدنى» من التماسك التنظيمى والولاء العاطفى بعيدًا عن الأنشطة السياسية المباشرة.










