ابراهيم خليل
حليم غناء لا يموت
49 عامًا على رحيل أسطورة الغناء العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، رحل ولم يغب عن الغناء أو الحضور الطاغى على ساحة الغناء العربى وأيضًا لم يغب عن أسرته الصغيرة ولا عن أسرته الكبيرة فى العالم العربى، ساحة الغناء فى مصر تتغير وتتبدل ولكن صوت عبدالحليم يعلو ويتألق فوق كل الأصوات وكلما مضى عام وراء عام يظل عبدالحليم هو الصوت الوحيد بعد صوت أم كلثوم الذى يجمع عليه المصريون وكل العرب، وما كان يحبه عبدالحليم من الفن الجميل انتهى وزال الفن الجميل أخذ مكانه اللا فن، الغناء تقلص والمطربون الحقيقيون باتوا غرباء والذوق العام فى حالة هبوط مستمر والحياة الحلوة صارت حتى سهراتها مغلفة بالقلق والأزمات، الغناء الراقى صار سجالًا مبتذلًا دون المستوى، عبدالحليم حافظ ذاق مرارة الحياة واليتم بعد وفاة أمه ليجد نفسه غريبًا وسط أسرته وأبناء قريته واعتبرته أسرته وأبناء قريته «الحلوات» أنه مصدر شؤم إلا أن هذه الحالة أدت إلى تعاطف نساء القرية مع هذا الطفل ليقوم بعضهن بإرضاعه، المدهش أن كل من شاهد الطفل عبدالحليم حافظ من أبناء القرية تنبأ له أنه سيكون له شأن كبير فى الحياة والعندليب الأسمر فى ذكرى وفاته لا نهاديه بصحبة ورد كهدية لأنه هو الهدية لمصر والعالم العربى وكل عشاقه، وفى هذه الذكرى نعايد أنفسنا لوجوده معنا ولم يغب عنا ويتقاسم معنا صباحنا وليلنا الذى يرجع كل ليلة يسأل عن العشاق وعن المعذبين فى الحب وأيضًا فى هذه الذكرى نشكر عبدالحليم، حفظنا أغانيك عن ظهر قلب يا حليم من منا لم يكتب من أغانى حليم كلمات لحبيبته من منا لم يطرب لصوت حليم الذى يخترق المسامع إلى القلوب ويسكن فى الأحاسيس حليم مع ألحان عبدالوهاب أجمل الأغانى حليم مع محمد الموجى..
عندما يجتمع اللحن مع الكلام والصوت ليكون سطوع الشمس، حليم مع أمل الغناء العربى بليغ حمدى هو مباهج الحياة وترانيمها، حليم مع أى لحن إضافة كبيرة وجوهرة لا تتكرر لا فى الزمان ولا فى المكان.
إضافة لذلك أن عبقرية هذا الفنان الكبير تتكشف من خلال اختياره للكلمة وإسنادها للملحن الذى يستطيع توظيفها وإنجازها على النحو الذى يريده حليم وذلك ظهر فى كلمات ولحن أغنية فاتت جنبنا الذى لحنه الموسيقار عبدالوهاب.
وهذه الأغنية هى حكاية تتكرر مع الأصدقاء عندما يجتمعان على حب فتاة وذكاء حليم يرجع إلى أن الموسيقار عبدالوهاب سبق له أن لحن أغنية ساكن قصادى للمطربة الكبيرة نجاة وهى قصة تعبر عن فتاة تحب جارها من جانب واحد فقط وهذه الأغنية لاقت نجاحًا كبيرًا ومن هنا أسند حليم لحن هذه الأغنية «فاتت جنبنا» إلى الموسيقار عبدالوهاب الذى يستطيع بمهارته الكبيرة وذوقه الرفيع أن يخضع كلمات الأغنية لموسيقاه التى تصور الكلمات كأنها أحداث متتابعة وقصة وكأنك تشاهد فيلمًا سينمائيًا ينتهى بأن الحبيبة تفاجئ حبيبها بأن ضحكتها للأسمرانى، وعلى العكس تماما اختار الملحن محمد الموجى فى تلحين أغنية قارئة الفنجان لما يتمتع به من براعة فى تلحين القصائد هكذا كان عبدالحليم حافظ ملمًا بكل شىء فى اللحن والكلمات ولا يقدم إلا الفن الرفيع الذى يسهر عليه الليالى ولا تقل أى أغنية قدمها حليم عن إجراء أكثر من 40 بروفة للأغنية.
هل هى الصدفة التى جعلت ذكرى وفاة حليم مع عيد الأم وماذا نقول لحليم بعد 49 عامًا من وفاته أشياء كثيرة عن غنائه وهوياته الفنية التى كان فنانًا فى ممارستها والتمسك بالوطن والحرص والأمل وسط البأس والبؤس، ويذكر فى هذا الإطار عندما تعرض حليم لهجوم وانتقادات شديدة بدون وجه حق وذهب إلى الكاتب الكبير مصطفى أمين ليشكو له هذا الظلم وأنه قرر اعتزال الغناء ونظر إليه الكاتب الكبير وقال له إن مشكلتك لدى حلها قال حليم ما هو الحل رد الكاتب الكبير بأنه ينتظره فى اليوم التالى بعد أن يحضر جميع الجرائد والمجلات التى هاجمته وفى اليوم التالى حضر حليم لمكتب الأستاذ مصطفى أمين ومعه كل الجرائد والمجلات التى انتقدته فقال له الكاتب الكبير ضع كل هذه الجرائد والمجلات على الأرض وقف عليها وتساءل الكاتب الكبير هل هذا طولك قبل الهجوم أم أن هذا الهجوم رفع من قيمتك وقامتك وهكذا وصلت الرسالة إلى حليم بأن الرأى والرأى الآخر والانتقاد هو من يرفع من قامة الآخر.
وفى هذه الأجواء والأحاسيس وما يقال عن حليم لا تكفى له المجلدات ولكننا نقول بالحب وحده تنتعش الطبيعة وبغناء حليم تتصافى القلوب ويذهب الخصام إلى غير رجعة بأغانى حليم تستمر الحياة وتتجدد بالحب وحده نحتفل بذكرى حليم وغدًا وكل يوم نعيش على أغانيه وذكراه.






