«سجن اختيارى» اختبار القيم وانكشاف الذات!
هند سلامة
يعد نص «سجن اختيارى» للمؤلف محمود جمال الحدينى الأكثر رواجا بين فرق الهواة والمستقلين والجامعات، يلقى هذا النص إقبالا من شباب المخرجين وبالتالى أعيد تقديمه أكثر من مرة بأكثر من معالجة فنية، واليوم يعيد تقديمه بشكل أكثر احترافا المخرج الشاب باسم كرم بقاعة صلاح عبد الصبور.
«سجن اختيارى» يتناول قصة لقاء مجموعة من الأصدقاء بعد غياب عشر سنوات يجتمعون فى فيلا أحدهم الذى يقرر أن يلعب معهم، لعبة ستمنحهم ثراء سريعا أن يختار أحدهم السجن داخل هذه الفيلا بكامل إرادته لأطول فترة من الزمن ومن سيقوى على الاستمرار ويكون آخر من يخرج من هذا المكان، سوف يمنحه مبلغ مائة مليون جنيه وحتى يصدق فى قوله يأتى هذا الصديق بالأموال أمامهم حتى يحفز لديهم الرغبة فى الدخول بهذا الاختبار.
مع الخضوع لقوانين هذه اللعبة تبدأ رحلة التكشف، تنكشف ذواتهم أمام أنفسهم وأمام بعضهم البعض يتكالب الجميع على الاستمرار من أجل البقاء داخل هذا «السجن الاختياري» متناسيا ومتنازلا عن كل شىء ذي قدر أو قيمة، وأولهم «الحرية» هنا تنزع عن الحرية قيمتها ووهجها وتتحول إلى شىء ثانوى لا تحمل قدرًا أو جوهرًا فى حياة أى منهم، فكل فرد مستعد لارتكاب أى شىء فى مقابل أن يكون الفائز، نرى تآمر صديقين على صديقهم المولع بالتمثيل والفن يدبران له مكيدة باستدعائه فى فيلم كبير سوف يأخذ فيه مساحة دور مهمة ويحقق حلمه أخيرا، يتلاعب هؤلاء بأحلام صديقهم حتى يسرع بالخروج ويبدأ عددهم فى التراجع، وآخر يتخلى عن عائلته فى الخارج يترك جنازة أبيه وعلى الرغم من خضوع ابنه لعملية قلب مفتوح لا يهرع بزيارته أو التخلى عن حلم الثراء الزائف، وكذلك يتشاجر الزوجان وينفصلان داخل هذه اللعبة بعد أن تقرر الزوجة البقاء وحدها متخلية أيضا عن عائلتها وكل شيء.
يطرح هذا العمل فرضية ماذا لو أصبحت الحرية موضع اختيار؟!.. الباب مفتوح ليس مغلقا ولا هناك سجان أو مراقب سوى أنفسهم، كانت المفاجأة أن هؤلاء الأصدقاء اختاروا أى شىء سوى حريتهم، اختاروا المراوغة والقطيعة والمؤامرة ووصل الأمر إلى حد تهديد أحدهم لزملائه بالقتل، كل شيء من المباح فعله وتبنيه كفكرة إلا الهروب والنجاة وتقدير الحرية كقيمة كبرى لا يضاهيها مال مجموع، لم يفطن بعضهم إلى هذه الفكرة إلا بعد التعرض لصدمة بينما كان حلم الفوز يراود الجميع بلا استثناء فلم يقرر أحدهم الخروج إلا فردا واحدا قرر ألا يشاركهم هذا الهراء.
تعتبر النسخة الجديدة من «سجن اختيارى» إخراج باسم كرم من أفضل النسخ التى قدمت لهذا النص حتى الآن، اختزل فيها المخرج الكثير من المونولوجات الميولودرامية الطويلة، وبالتالى خفت حدة الميلودراما التى أحاطت بهذا النص واعتمد على إبراز العلاقات بشكل أوضح بينهم، صراع الزوج وزوجته على ضيق معيشتهم وعدم راحتها معه، صراع أحبة قدامى جمعهم اللقاء هنا من جديد وتعرضها لسوء فهم وتقدير منه، صراع صداقات كادت أن تنهار بسبب جشع الوصول إلى نقطة النهاية، وصراع الأكبر للصديق الذى قرر التضحية بكل شيء وأى شيء حتى نفسه فى مقابل الفوز، ثم صراع الصديق صاحب الثراء واللعبة مع حبيبته القديمة والتى ستفوز فى النهاية ومواجهته معها وكأنها تمنحه الرضا عن صورته الذاتية التى انهارت أيضا من قبل بسبب قبوله نفس اللعبة والعرض لكنه سجن سجنا حقيقيا بدلا من متهم فى قضية مقابل أن يصبح فى هذا الثراء، أرضت كبرياءه بانكسارها أمامه بعد أن تكشفت أمام نفسها وظهرت أطماعها المادية التى تسببت فى رفضها له والزواج بغيره من قبل واليوم وقعت فريسة لإغوائه، هذا التركيز والتكثيف فى إبراز مناطق الصراع بالنص منح العمل بعدا وعمقا أكبر فى وضوح المعنى العام للعرض ووضوح أشكال الصراعات المتعددة فى علاقة كل فرد بالآخر.
أحسن المخرج أيضا استغلال واستخدام قاعة «صلاح عبدالصبور» بمسرح الطليعة، فهذه القاعة التى قد تبدو صغيرة فى بعض الأعمال الفنية، بدت هنا ذات مساحة شاسعة أتقن المخرج ومهندس الديكور استغلالها ومنحها بعدا وعمقا يناسب القضية المطروحة، هذه الفيلا تم تصميمها بفتح عمق القاعة وتقسيم مجموعة من غرف النوم داخلها، ثم مقدمة المسرح التى انقسمت جوانبها إلى بار وصالة استقبال الضيوف وركن خاص للشخص الذى عينه صاحب الفيلا مراقبا عليهم، تحولت هذه القاعة بحرفة وإتقان إلى المكان موقع الحدث.
كما تفوق المخرج فى تكثيف وتقديم معانى نص جمال الأشهر «سجن اختياري» تفوق أيضا أبطال العمل فى أداء أدوراهم على اختلافها وتنوعها كل فرد أبرز مهارته فى تبنى صراعه الداخلى بين اختيار حياته الحقيقية بكل تعقيداتها فى الخارج وكسب حريته وبين الاستمرار فى هذه اللعبة التى قد تخسره نفسه أولا وصداقاته ثانيا.. يوسف المنصور فى دور رفيق الصديق الثرى الذى يضعهم جميعا فى هذا الاختبار يعيد يوسف هنا اكتشاف نفسه كممثل بعد أن قدم عددا لا بأس به من العروض الناجحة على مستوى الإخراج، وإيهاب محفوظ فى دور زياد الصديق الأكثر جشعا وطمعا والذى أبدى استعداده للتخلى عن كل شيء مقابل الفوز، أمل عبد المنعم سلمى الزوجة التى تتخلى عن زوجها وأبنائها وحياتها بالخارج للفوز فى هذه اللعبة وهى حبيبة البطل القديمة التى تركته أيضا من قبل بسبب ضيق عيشه لعبت أمل هذه الشخصية بمهارة كبيرة وشاركها نفس المهارة والإجادة فى دور الممثل الشغوف بمهنة التمثيل والمغدور به بولا ماهر تفوق بولا فى لحظات الصدمة والصراع الداخلى مع نفسه ومع أصدقائه، شارك فى هذه البطولة الجماعية أيضا محمود البيطار، نجاة الإمام، عماد صابر، سيف مرعى، حسين عشماوى، وأحمد رضا.






