برلمانيون يتحدثون لـروزاليوسف
معركة الوعى.. كيف يواجه الإعلام الفتن؟
د. مريم الشريف
مع تسارع تدفق الأخبار عبر منصات الـسوشيال ميديا، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للوقائع، بل تحوّل إلى ساحة مواجهة مفتوحة فى معركة الوعى، حيث تتقاطع الحقيقة مع سيل من الشائعات ومحاولات إشعال الفتن بين شعوب المنطقة، وفى ظل هذا المشهد المضطرب، تتعاظم مسئولية ودور الإعلام فى مواجهة الأكاذيب، وترسيخ الوعى، وبناء جسور الثقة والتواصل، ليبقى الإعلام الوطنى المسئول خط الدفاع الأول ضد التضليل ومنع المجتمع من الانزلاق فى براثن الفتن.
الإعلامية هند رشاد، عضو مجلس النواب، تقول إن البرامج لا بد أن تركز على بث التوعية فى عقول المواطنين لأننا فى عصر فتن مع وجود الـ “سوشيال ميديا”، وضرورة عدم التعميم على أحداث أو سلوكيات فردية، إذ أن المواطن لا بد أن يكون لديه وعى بأن الإعلام الجديد قابل لأن يُستخدم لإثارة الفتن بين الشعوب، فلا نندرج لهذا الأمر.
وحول الـ “سوشيال ميديا”، تشير إلى أننا لا نعلم حقيقة نوايا المتحدث على صفحاتها، خاصة أن هناك لجانًا إلكترونية تُستغل لصالح دول، أو آراء نابعة من أشخاص غير مسئولين تتسبب فى إحداث فتن، الأمر الذى يتطلب أن تكون هناك ثقة فى مؤسساتنا والتفاف حولها بأن نكون على قلب رجل واحد، وأن نتبنى موقف الدولة المصرية، مشيرة إلى أن وجود عدد من الإعلاميين فى مجلس النواب هذا العام شيء إيجابى، لأن مجلس النواب يمثل أطياف المجتمع كافة.
أما الإعلامية لبنى عبدالعزيز، عضو مجلس النواب، فتقول إن دور الإعلام نقل الواقع كما هو، والرد على الشائعات بحقائق فعلية، وعدم الثقة أو تصديق كل ما يرد على الـ “سوشيال ميديا”، خاصة أن من أمن العقاب أساء الأدب، وهذا ما دفعها للمطالبة بشأن هذه النقطة فى لجنة الثقافة والإعلام والآثار التى تعد أحد أعضائها، بضرورة أن يكون هناك قوانين رادعة لحفظ ميثاق الشرف الإعلامى، خاصة أن مهنة الإعلامى أصبحت مهنة من لا مهنة له، وأى شخص يملك شراء هواء يقوم بذلك ويظهر على الشاشة ويتحدث فيما يريد، ونحن فى وقت صعب.
وتلفت إلى أن قضايا الإعلام ووضع آلية تحكم ظهور الإعلاميين على الشاشة سواء التليفزيون المصرى أو القنوات الفضائية على قائمة أولوياتها، بحيث إذا كان هناك شخص يريد شراء هواء مثل دكتور تجميل أو مالك شركة يريد الإعلان عنها، فلا يوجد مانع من ظهوره، لكن بشرط أن يدير الحوار معه أمام الجمهور إعلامى وليس المعلن نفسه، وهذه من الأمور التى اقترحتها فى المجلس، بالإضافة إلى تطوير ماسبيرو وضرورة الاهتمام بتليفزيون الدولة، خاصة أن ماسبيرو هو مدرسة الإعلام ومصدر ثقة للمواطن فى الحصول على الأخبار، ونأمل أن يعود لريادته من جديد.
وفى ظل الظروف الراهنة، تشير إلى أنها تقدمت بطلب إحاطة فى المجلس لمواجهة الشائعات، بالإضافة إلى تطوير الاستراتيجية للإعلام الوطنى المرئى والمسموع والمقروء، لمواجهة حروب الجيل الرابع والخامس، وضرورة تحرى المصداقية والسرعة لتعزيز سرعة تدقيق المعلومات من الوسائل الإعلامية لضمان تقديم مادة إعلامية موثقة لقطع الطريق على الشائعات والمنصات الخارجية.
الإعلامى الدكتور ياسر عبدالعزيز، عضو مجلس الشيوخ، يقول إنه فى أجواء الحرب الإيرانية الحالية ظهرت حملات منسقة تستهدف الجمهور العربى، ليس لإقناعه بعدالة موقف طرف فى مواجهة طرف آخر فى تلك الحرب الدامية، بل لبث سموم الشكوك حول نوايا الشعوب إزاء بعضها البعض، إذ تُصنع هويات مزيفة لعرب من دول الخليج ومصر والشام، ثم تُطلق تغريدات نارية تتهم دولًا عربية بالتخاذل أو بالتواطؤ، فى محاولة لتمزيق النسيج الاجتماعى الحساس فى زمن الملمات، ويتورط كتاب وإعلاميون فى ملاسنات مشينة مع شعوب دول شقيقة عبر وسائل الإعلام، إنها لعبة فرّق تسد بروح العصر الرقمى، فحين يشتعل العالم العربى نارًا، يكون أعداء شعوبه فى أمس الحاجة إلى شغل الرأى العام بقضايا جانبية، وتغذية نعرات لا تخدم إلا مصالحهم.
وحول دور الكتائب الإلكترونية التى تُدار من خلال دول وجماعات وأجهزة متخصصة، يؤكد أنه يبرز فى تلك المرحلة، بحيث تكون مهمتها الأساسية الهجوم على وحدة الصف، وليس الدفاع عن طرف أو قضية، عبر تضخيم أى خلاف ثانوى وتحويله إلى ساحة معركة وطنية أو طائفية أو إثنية لا هوادة فيها ولا غرو، بل تتزامن هذه الحملات مع محاولات حثيثة لتفتيت وشائج الترابط العربية والتشكيك فى المواقف والنوايا، واستدعاء ادعاءات تاريخية منزوعة من سياقها لتعميق الانقسام وتعميم التشظى.
وبشأن مواجهة هذا الطوفان، يشدد على أنه لا يكفى التنديد والاستنكار، بل يلزم حضور وعى نقدى يجرد هذه الأدوات من سلاحها الأقوى: التضليل، فليس كل ما يُكتب على منصات التواصل صحيحًا، وليس كل ما يُبث من مشاهد حقيقيًا، ولقد حذر مفكرون وخبراء من أن حرب الروايات الفاسدة قد تكون أطول أمدًا وأصعب مراسًا من الحرب التقليدية ذاتها، لأنها تستهدف الذاكرة الجمعية وتصيبها بالوهن والارتباك، وبات من الواجب على النخب العربية والإعلام المسئول أن يمارس دور الحارس والشارح، الذى يفكك الأكاذيب قبل أن تستقر فى الوعى الجمعى.
ويؤكد أن السبيل إلى ذلك يبدأ بإدراك أن منصات “التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد فضاءات حرة بريئة، بل ساحات معارك تخضع لمنطق القوة والتوجيه فى كثير من الأحيان، وعلى المستخدم العادى أن يتعلم قراءة ما بين السطور، والتشكيك فى الصور المثيرة للجدل، والرجوع إلى المصادر الموثوقة، وعلى الدول العربية أن تتعاون فى إنشاء آليات رصد وتفنيد مشتركة تكشف بالدليل القاطع محاولات الاختراق والتضليل قبل أن تتحول الفتنة الإلكترونية إلى اقتتال حقيقى فى الميادين، فما يُصنع فى المختبرات الرقمية لا يلبث أن يتجسد صراعات على الأرض.
ويختتم ياسر عبد العزيز حديثه: “فى خضم الصراعات والاضطرابات القاسية تبقى الحقيقة أغلى ما يملكه الإنسان، وحين تُهدر قيمتها فى معرض الأكاذيب يصبح الجميع خاسرين، إذ أن الحرب الإيرانية الحالية ليست مجرد صراع جيوش، بل اختبار وجودى لوعى الشعوب العربية وقدرتها على تمييز الخيط الأبيض من الأسود فى ليلٍ تعمق ظلماته “ذئاب إلكترونية” لا تهدأ، وحدها الصحوة النقدية، ومعها الوعى الجمعى، قادران على إجهاض المؤامرة قبل تمامها، وإعادة “السوشيال ميديا إلى حجمها الطبيعى، أداة بيد الإنسان لا وسيلة تقوده إلى الهاوية، مؤكدًا أن العلاقات المصرية ـ الخليجية” يجب أن تبقى قوية وراسخة، لأن ذلك يعزز مصالح الجانبين، والإعلام له دور كبير فى تحقيق هذا الهدف.










