السبت 11 يوليو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عيد القيامة المجيد.. بعيون أبناء «روزاليوسف»

من «الآلام» إلى «قيامة المسيح» ..

الأقباط يحتفلون ويترقبون الحدث الأعظم فى القدس

 



 مايكل عادل

 

تشهد الكنائس القبطية الأرثوذكسية فى مصر والعالم، يوم الجمعة العظيمة، والتى تعد من أقدس الفترات الروحية فى السنة، وتُختتم باحتفالات عيد القيامة المجيد، مرورًا بسبت النور وليلة العيد، وسط أجواء من الخشوع والتأمل فى آلام السيد المسيح وقيامته.

ومن المقرر أن تشهد الكنائس إقبالًا غير مسبوق من المصلين للمشاركة فى صلوات الجمعة العظيمة، التى تُعد ذروة أسبوع الآلام، حيث تستمر الصلوات لساعات طويلة تتخللها قراءات وصلوات تعكس معانى الفداء والمحبة.

وفى خضم هذه الأجواء، جاءت تصريحات البابا تواضروس الثانى، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، لتضيف بعدًا وطنيًا مهمًا للاحتفالات، حيث أكد دعم الكنيسة الكامل لجهود الدولة فى ترشيد استهلاك الكهرباء، مشيرًا إلى أن الكنائس تتفهم هذه القرارات فى ظل التحديات الاقتصادية الحالية.

وأوضح أن الكنيسة، عبر تاريخها، كانت دائمًا جزءًا أصيلًا من نسيج الوطن، تشارك فى همومه، وتدعم استقراره، وتسعى لتحقيق التوازن بين أداء رسالتها الروحية، والالتزام بالمسئولية المجتمعية.

هذه الرسالة تعكس وعيًا عميقًا بدور المؤسسات الدينية، التى لا تنفصل عن واقع الناس، بل تعيشه وتؤثر فيه، وتؤكد أن الإيمان الحقيقى لا يقتصر على الصلوات، بل يمتد ليشمل كل تصرف يعبر عن حب الوطن وخدمة المجتمع.

ومن المقرر أن يقام قداس العيد مساء السبت المقبل، حيث يترأسه البابا تواضروس الثانى داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بمشاركة عدد من الأساقفة والكهنة والرهبان، فى واحدة من أهم الصلوات المرتبطة بالعيد.

وبهذه المناسبة، يحرص الرئيس عبد الفتاح السيسى على تقديم التهنئة للأقباط والاتصال هاتفيًا بقداسة البابا تواضروس، مؤكداً الوحدة والتماسك والتعايش بين المصريين .

ومن المقررأيضًا أن يشهد قداس عيد القيامة، حضورًا رسميًا لافتًا، إذ من المنتظر مشاركة ممثلين عن رئاسة الجمهورية، إلى جانب أعضاء من مجلسى النواب والشيوخ، وعدد من الوزراء وكبار المسئولين.

كما يشارك فى الاحتفالات عدد من سفراء الدول والشخصيات العامة، بالإضافة إلى حضور واسع من المهنئين الذين يحرصون على مشاركة الأقباط هذه المناسبة الدينية المهمة.

وفى سياق متصل، تتجه الأنظار إلى كنيسة القيامة فى القدس، حيث الحدث الذى ينتظره الملايين كل عام وهو «ظهور النور المقدس»، فى قلب الكنيسة التى تحتضن أقدس الأماكن فى المسيحية، يُعاد مشهد النور الذى يخرج من القبر، رمزًا لانتصار الحياة على الموت، والنور على الظلمة.

لكن هذا العام، يأتى المشهد مختلفًا، فوسط إجراءات تنظيمية وأمنية مشددة، تقرر أن يقتصر الحضور داخل الكنيسة على قادة ورؤساء الطوائف المسيحية فقط، دون مشاركة شعبية كما جرت العادة.

هذا قرار قد يبدو قاسيًا فى ظاهره، لكنه لم ينجح فى إطفاء الشوق داخل قلوب المؤمنين، الذين ينتظرون النور، ولو من بعيد.

وبين صلوات الجمعة العظيمة، وترقب سبت النور، وفرحة ليلة القيامة، يعيش الأقباط رحلة متكاملة، حاملاً رسالة الانتصار على الألم، وبداية جديدة مليئة بالأمل.

ويتزامن هذا المشهد الروحى العميق مع احتفالات المصريين جميعًا بيوم «شم النسيم»، ذلك العيد الذى يحمل فى طياته معانى البهجة والتجدد، حيث يخرج الناس إلى الحدائق والمتنزهات، يحتفلون بالحياة بطريقتهم الخاصة، فى مشهد يعكس خصوصية المجتمع المصرى، الذى يجمع بين الروحانية والفرح، بين الطقس الدينى والاحتفال الشعبى.

هذا التلاقى بين عيد القيامة وشم النسيم ليس مجرد صدفة زمنية، بل لوحة إنسانية فريدة، تؤكد أن المصريين، رغم اختلاف مناسباتهم، يجتمعون دائمًا على حب الحياة، والبحث عن الفرح، والتمسك بالأمل.

واستعدت الحدائق العامة والمتنزهات لاستقبال آلاف المواطنين المتوقع توافدهم منذ الساعات الأولى للصباح، وتوفير أجواء آمنة ومبهجة للأسر التى تتخذ من الحدائق العامة وجهتها الأولى للاحتفال بقدوم الربيع.

مع حلول أعياد القيامة المجيدة وتزامنها مع احتفالات شم النسيم، استعدت وزارة الداخلية وأجهزة الأمن لتأمين الاحتفالات حيث تتحول الشوارع والميادين المصرية إلى خلية أمنية .

ولا تقتصر الخطط الأمنية على مجرد التواجد الأمنى فقط، بل تمتد لتشمل استراتيجية استباقية تهدف إلى توفير مناخ آمن للمواطنين للاحتفال، وضمان سيولة الحركة المرورية فى ظل التجمعات الكبيرة المتوقعة.

 

القيامة والربـيع.. 

الوجه الجميل للحياة

 

منيرفا سعد

 

يرتبط عيد القيامة المجيد فى مصر بعيد الربيع والذى أبدعه قدماء المصريين، والفكرة واحدة.. بداية جديدة بعد الموت فكما أن هناك رجاء للأشجار بحياة جديدة بعد الخريف الذى أسقط الأوراق والشتاء الذى أنهك الأغصان، يأتى الرجاء مع الربيع، والأشجار تبدأ من جديد تثمر وتطلع الأوراق وتظهر الورود وتخرج الأطعمة الجميلة المتنوعة من الفاكهة.

بدأت الاحتفالات بعيد الربيع أو الحياة الجديدة فى مصر منذ 5 آلاف سنة وكان رمزًا لإعادة انبثاق الحياة، وكان البيض رمزًا أساسيًا له لأن الحياة تنبثق من داخله رغم أنها لم تكن ظاهرة قبل ذلك.

كل الحواس تستمتع بالربيع نرى الجمال نسمع العصافير نتذوق الفاكهة نلمس الورود ونشم النسيم، إنها الحياة الجديدة التى أعطانا الله إياها بالربيع، رجاء جديد وهو الأمر الذى نحتاجه جميعاً.

قد وضع الله سبحانه داخل الأشجار قوة الحياة الجديدة والمتجددة مهما كانت انكسارات الشتاء قوية سواء جاءت من الطبيعة أو من الإنسان، هكذا نحن أيضًا وضع الله داخلنا قوة الحياة الجديدة قد تأتى بصورة ملموسة عندما يرزق الله إنسانًا بطفل جديد وقد تكون على مستوى نفسى وروحى أعمق، نعم هناك حياة جديدة رغم الماضى، سواء كانت جروحه بسبب إخفاقات شخصية أو ظروف يمر بها الإنسان. 

القيامة والربيع يشهدان بالقوة الجديدة رغم الآلم، هناك فرصة لنتغير رغم صعوبة التغيير، هناك فرصة لنثمر بحياتنا ونساعد آخرين، هناك فرصة لتصحيح مسارات سابقة، هناك فرصة لحلم جديد بعد ضياع بعض الأحلام القديمة.

يقول علماء النباتات إن الأشجار تسجل كل الأحداث التى تمر بها سواء كانت آفات أنهكتها أو عاصفة كسرتها أو إنسان قطع أغصانها ويمكنك بسهولة ترى هذه الأحداث إذا فحصت قطاعًا عرضيا منها، إلا أنها رغم كل شىء يمكن أن تنمو وتثمر من جديد، هكذا الإنسان أيضا رغم ألم الاخفاق الشخصى والذنوب وما يتعرض له من خيانة أو فقر أو عوز أو وحدة، يمكن بقوة الله أن يبدأ من جديد، فهذا هو رجاء الحياة الجديدة التى يهبها الله للإنسان.

الإنسان الذى لا يتغير يوقف عمل الله داخله ويؤلم المحيطين به، الأب الذى لا يغير أفعاله المؤلمة لأبنائه سوف يقف نموه حتى إذا استمر فى النمو الزمنى، الأم التى لم تعط الحب لأبنائها ولم تتعلم معطيات العصر الجديد ستتركها العصافير وتبحث عن مسكن آخر، المؤسسات التى لا تقدم خدمات حقيقية لعملائها سيتم تركها، فلا بد أن نتعلم كيف تثمر للآخرين.

كل عام ونحن نتغير وننمو إلى قوة جديدة متوكلين على غنى الله الذى يملئ الأشجار ثمارا وقادر أن يملئ حياتنا بالثمار أيضا لنهبها للآخرين فنشبعهم، ونشجعهم ليتلمسوا القيامة والربيع، كل عام ونحن فى قيامة متجددة.

 

عيدنا مختلف

 

وفاء وصفى

 

فى مصر، الأعياد لا تأتى وحدها، بل تأتى محمّلة بروح خاصة، لا يمكن تفسيرها بالكلمات فقط.

هنا، لا يمكن أن تمر الأعياد مرورًا عاديًا، هناك دائمًا شىء مختلف، شيء لا يُكتب فى البرامج ولا يُخطط له، لكنه حاضر بقوة فى التفاصيل الصغيرة .

شيء يشبهنا نحن.. ويعبر عنا أكثر مما تفعل الكلمات.

هنا، لا يحتفل بالعيد باعتباره مناسبة تخص فئة بعينها، بل باعتباره لحظة فرح جماعية. 

أتذكر سنوات طويلة داخل مؤسسة روزاليوسف، حيث لم يكن شم النسيم مجرد يوم على التقويم، بل كان موعدًا ثابتًا للبهجة .

«ترابيزة واحدة» تجمعنا جميعًا، نحمل إليها ما استطعنا، ونتفنن فى إسعاد بعضنا البعض، لم تكن مجرد وجبة، بل كانت حالة. حالة من الود الخالص، الذى لا يحتاج إلى تعريفات أو تصنيفات. كنا نضحك، نشارك، ونشعر ببساطة أننا ننتمى لنفس المكان.. ونفس الروح.

وفى رمضان، كان المشهد يتكرر بشكل يومى، لكن بطعم مختلف. مائدة إفطار واحدة  تجمع الكل بلا أى شعور بالفارق .

الجميع شركاء فى اللحظة، فى الدعاء، فى الضحك، فى الانتظار، وحتى فى تفاصيل اليوم الطويل، لم يكن أحد يشعر أنه خارج الصورة، لأن الصورة نفسها كانت تتسع للجميع.

أما فى الشارع، فالحكاية تُروى بشكل أبسط، لكنها أكثر عمقًا، فى أحد السعف، ترى مسلمين يشترون سعف النخيل من أمام الكنائس، ويحملون «سنبلة الربيع» ليضعوها على أبواب بيوتهم. مشهد يبدو عاديًا، لكنه فى حقيقته يحمل معنى كبيرًا أن الطقوس يمكن أن تختلف، لكن البهجة واحدة.

نفس الفكرة تتكرر حين نشترى فانوس رمضان، أو حلاوة المولد، لم تعد هذه الأشياء حكرًا على أحد، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة هذه الأمة، نتوارثها جميعًا، ونعيش بها معًا.

هذه ليست مجرد لقطات عابرة، بل هى ملامح حقيقية لشعب يعرف كيف يحب. شعب لا يحتاج إلى شعارات ليثبت وحدته، لأنه يمارسها بشكل يومى، فى أبسط التفاصيل.

ولهذا، حين يظهر من يحاول أن يشكك أو يزرع الفرقة، يبدو صوته غريبًا لا يشبهنا، ولا يعبر عن حقيقتنا لأننا ببساطة نعرف أنفسنا جيدًا. نعرف أن ما بيننا ليس هشًا كما يظن البعض، بل ممتد وعميق، تشكل عبر سنوات من المواقف الصادقة.

لا يشبه الشارع، ولا يعبر عن الناس، لأن الأغلبية هنا تعرف نفسها جيدًا، وتدرك أن ما يجمعها أقوى بكثير من أى محاولة للتفريق.

الحقيقة التى نعيشها، لا التى تقال عنا، هى أننا نسيج واحد وأن الغالبية لا ترى فى الاختلاف الدينى حاجزًا، بل تراه تنوعًا داخل نفس الإطار الإنساني.

قد لا نستطيع دائمًا شرح هذه الحالة، لكننا نراها بوضوح.. فى ترابيزة تجمعنا، فى مائدة إفطار، فى سعفة نخيل على باب بيت، أو فى فانوس يضىء شرفة.

هناك، تحديدًا، نفهم المعنى الحقيقى لفكرة بسيطة جدًا..

نحن نختلف فى الطقوس، نعم، لكننا نتشابه فى القلوب.

ربما لا نكون مثاليين، وربما نمر بلحظات صعبة، لكننا فى النهاية نعود دائمًا إلى أصلنا.. إلى تلك اللحظات البسيطة التى نجلس فيها معًا حول طاولة واحدة، نضحك من القلب، ونؤمن –دون أن نقول –أننا فعلًا شعب مختلف.

إننا فى مصر.. لا نحتفل وحدنا أبدًا.

 

العيد وذكرياتى الأولى

 

رانيا رضا

 

العيد بالنسبة لى لم يعد مجرد مناسبة عابرة، بل صار علامة فارقة بين محطات حياتي، يحمل فى طياته ذكريات البدايات الأولى وطعم المسئولية الجديدة. مع أولى خطواتى كصحفية فى جريدة روزاليوسف، أدركت أن الطريق الذى اخترته ليس سهلاً، وأن البعد عن الأهل ليس مجرد مسافة، بل اختبار يومى للحنين والصبر.

فى القاهرة، حيث العمل لا يتوقف وضجيج المهنة لا يهدأ، كنت أتعلم كيف أوازن بين شغفى بالصحافة واشتياقى لبيتى فى المنصورة، كانت الأيام تمر سريعة، لكن كلما اقترب العيد، كان قلبى يسبقنى إلى هناك، إلى حضن العائلة، إلى التفاصيل الصغيرة التى تمنح للحياة معناها الحقيقى.

وعندما يحل عيد القيامة، تتضاعف مشاعري. هذا العيد له مكانة خاصة فى قلبى منذ الصغر؛ كنت أهتم فيه بملابسى وتفاصيل يومي، أترقب لحظاته بفرح طفولى بسيط. أما الآن، وبعد أن أصبحت أمًا، تغيرت الأولويات، وصرت أجد سعادتى فى تجهيز البيت، والاهتمام بملابس أولادى وزوجي، وصناعة أجواء دافئة تليق بفرحة العيد.

ورغم البعد، تظل بعض اللحظات قادرة على اختصار المسافات. مكالمة من الأستاذ عبد الله كمال الله يرحمه كانت كفيلة بأن تملأ قلبى بالبهجة، وتشعرنى بقيمة ما أقدمه. وكذلك تهانى الزملاء، التى كانت تصلنى محملة بالمودة والدعم، لتؤكد أن العائلة لا تقتصر على روابط الدم فقط، بل تمتد لتشمل كل من يشاركك الطريق.

لكن تبقى لحظة العودة إلى المنصورة هى الأجمل. تلك اللحظة التى أجد فيها نفسى بين أهلي، أستعيد دفء البيت القديم، وأغمرهم بكل ما اشتقت إليه. هناك فقط، أشعر أن العيد قد اكتمل، وأن كل تعب الطريق كان يستحق.

هكذا يمر العيد بين عمل وبُعد وحنين، لكنه يظل دائمًا فرصة للعودة، ليس فقط إلى الأماكن، بل إلى أنفسنا، إلى ما يجعلنا أكثر إنسانية وامتنانًا للحياة.