مديرة السياحة البيئية بـ«يونسكو» لـ«روزاليوسف»: الحرب تعيد تشكيل خريطة السفر عالميًا ومصر الأقل تأثرًا فى المنطقة
حوار ـ محمد زكريا
فى ظل التوترات الجيوسياسية التى تضرب الشرق الأوسط، وما تسببت فيه من اضطرابات واسعة فى حركة الطيران والسفر، تبرز مصر كواحدة من الوجهات السياحية الأكثر استقرارًا فى المنطقة. هذا الاستقرار لم يأتِ صدفة، بل نتيجة لسياسات واضحة واستثمارات ممتدة فى البنية التحتية والترويج السياحى، وهو ما يفتح الباب أمام فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة مصر، خاصة فى قطاع السياحة البيئية الذى يشهد نموًا عالميًا متسارعًا.
فى حوار مع «روزاليوسف» تكشف مديرة السياحة البيئية بمنظمة UNESCO وعضو IPCC، عن رؤيتها لمستقبل السياحة فى مصر، وتقدم خريطة طريق واضحة لتعظيم الاستفادة من المقومات الطبيعية وتحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة.
■ كيف ترين أداء السياحة فى مصر مقارنة بدول المنطقة فى ظل الحرب؟
- الاستقرار السياسى يمثل حجر الزاوية لأى نجاح سياحى، ومصر قدمت نموذجًا واضحًا فى هذا الإطار. التطوير المستمر فى البنية التحتية، من طرق ومطارات، إلى جانب الحملات الترويجية الذكية، ساهم فى الحفاظ على تدفق السياح حتى فى أوقات الأزمات الإقليمية.
بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبى، تظل مصر واحدة من أهم الوجهات، خاصة خلال فصل الشتاء، لما توفره من طقس معتدل وتكلفة مناسبة وتجارب سياحية متنوعة، خصوصًا فى مجال السياحة البيئية. كما أن المشروعات الكبرى مثل المتحف المصرى الكبير تعزز من جاذبية المقصد السياحى وتدعم استمرارية الطلب.
أما الحرب، فقد أعادت بالفعل تشكيل خريطة السفر العالمية، حيث أدت إلى تعطيل بعض المسارات الجوية، وارتفاع تكاليف النقل، وتراجع ثقة المسافرين. ومع استمرار هذه التوترات، من المتوقع أن نشهد تغيرات طويلة الأمد فى أنماط السفر، خاصة أن منطقة الشرق الأوسط تمثل محورًا رئيسيًا يربط بين قارات العالم.
كما أن الدول القريبة من مناطق النزاع تتأثر بشكل أكبر، نتيجة توجه المسافرين إلى الوجهات الأكثر أمانًا واستقرارًا، وهو ما يمنح مصر ميزة تنافسية واضحة فى هذه المرحلة.
■ كيف يمكن للسياحة البيئية أن تصبح أداة لحماية البيئة وتمكين المجتمعات؟
- السياحة البيئية لم تعد مجرد نشاط بديل، بل أصبحت أداة استراتيجية يمكن من خلالها تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة. عندما يتم ربط عوائد السياحة بشكل مباشر بتمويل حماية الموارد الطبيعية، تتحول السياحة إلى وسيلة فعالة للحفاظ على التنوع البيولوجى.
فى منطقة البحر المتوسط، التى تواجه تحديات بيئية كبيرة، أثبتت التجارب أن إشراك المجتمعات المحلية فى إدارة الموارد يحقق نتائج أفضل وأكثر استدامة. عندما يحصل السكان على فوائد اقتصادية مباشرة من السياحة، يصبح لديهم دافع قوى للحفاظ على البيئة.
كما أن دمج السياحة البيئية ضمن مفهوم الاقتصاد الأزرق يعزز من حماية النظم البحرية، خاصة فى المناطق الساحلية، ويخلق نموذجًا متكاملًا يجمع بين السياحة والحفاظ على الموارد الطبيعية.
■ ما أبرز التحديات التى تواجه السياحة البيئية فى إفريقيا؟
- هناك مجموعة من التحديات الهيكلية التى تعيق نمو السياحة البيئية فى إفريقيا، أبرزها ضعف البنية التحتية، سواء فى النقل أو الطاقة أو الاتصالات، وهو ما يحد من الوصول إلى العديد من المواقع الطبيعية الواعدة.
كما أن محدودية التمويل تمثل عائقًا كبيرًا، حيث تعانى العديد من الدول من صعوبة جذب الاستثمارات أو الحصول على تمويل ميسر لتطوير المشروعات السياحية المستدامة.
إلى جانب ذلك، يظل ضعف الوعى والتسويق من أبرز التحديات، حيث لا تزال العديد من الوجهات البيئية غير معروفة عالميًا رغم امتلاكها لمقومات قوية.
لمواجهة هذه التحديات، يجب التركيز على تطوير البنية التحتية من خلال شراكات فعالة، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، وتوفير فرص عمل فى مجالات مثل الإرشاد السياحى والخدمات البيئية، بما يضمن تحقيق عوائد اقتصادية مباشرة للسكان.
■ كيف تقيمين فرص مصر فى قيادة السياحة البيئية فى البحر المتوسط؟
- تمتلك مصر مقومات استثنائية تؤهلها لتكون لاعبًا رئيسيًا فى مجال السياحة البيئية، التنوع البيولوجى فى مناطق مثل البحر الأحمر يوفر فرصًا كبيرة لتطوير منتجات سياحية متخصصة، خاصة فى مجالات الغوص والسياحة البحرية.
كما أن وجود مواقع بيئية مميزة مثل بحيرة ناصر يجعل مصر وجهة مثالية لسياحة مراقبة الطيور والحياة البرية، وهى من القطاعات التى تشهد نموًا عالميًا.
إضافة إلى ذلك، يشهد قطاع السياحة فى مصر تحولًا ملحوظًا نحو الرقمنة، وهو ما يتيح تحسين إدارة الوجهات السياحية، ومراقبة الأثر البيئى، وتعزيز تجربة الزائر.
كل هذه العوامل تجعل مصر فى موقع قوى لقيادة السياحة البيئية فى المنطقة، بشرط الاستمرار فى تبنى سياسات الاستدامة وتعزيز الشراكات مع المجتمعات المحلية.
■ ما الركائز الأساسية لبرنامج تدريب السياحة البيئية؟
- أى برنامج تدريبى فعال فى هذا المجال يجب أن يقوم على مجموعة من الركائز الأساسية التى تضمن تحقيق الاستدامة والجدوى الاقتصادية.
أول هذه الركائز هو نشر الثقافة البيئية، بحيث يكون لدى المشاركين فهم عميق للنظم البيئية وكيفية الحفاظ عليها.
ثانيًا: تطوير مهارات إدارة الأعمال السياحية المستدامة، بما يشمل تصميم خدمات منخفضة التأثير البيئى وإدارة الموارد بكفاءة.
ثالثًا: تمكين المجتمعات المحلية من خلال دمج التراث الثقافى فى التجارب السياحية، بما يعزز من الهوية المحلية ويخلق قيمة مضافة.
رابعًا: تعزيز القدرات الرقمية، بما يساعد على الوصول إلى الأسواق العالمية وتحسين الترويج للمنتجات السياحية.
هذه الركائز تضمن بناء منظومة متكاملة قادرة على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادى والحفاظ على البيئة.
■ كيف تساهم السياحة البيئية فى تنويع المنتج السياحى المصرى؟
- السياحة البيئية تمثل فرصة حقيقية لتنويع المنتج السياحى فى مصر، خاصة فى ظل الاعتماد التقليدى على السياحة الثقافية. من خلال تطوير هذا القطاع، ويمكن جذب شرائح جديدة من السياح، مثل محبى الطبيعة والمغامرين والمهتمين بالاستدامة.
تشير التقديرات إلى أن حجم سوق السياحة البيئية عالميًا بلغ نحو 47.5 مليار دولار، مع توقعات بنمو قوى خلال السنوات المقبلة، ما يعكس أهمية هذا القطاع كأحد محركات النمو السياحى.
كما أن تطوير الوجهات البيئية يسهم فى زيادة مدة إقامة السائح، وتوزيع العوائد الاقتصادية على مناطق جديدة، وهو ما يدعم التنمية الإقليمية ويقلل من الضغط على الوجهات التقليدية.
■ كيف يمكن لوزارة السياحة أن تحقق التكامل بين السياحة البيئية وباقى القطاعات؟
- تحقيق التكامل يتطلب رؤية شاملة تعتبر السياحة البيئية جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع. يمكن ربطها بالقطاع الزراعى من خلال السياحة الريفية، حيث يتم تقديم تجارب تعتمد على الحياة الزراعية والمنتجات المحلية. كما أن التعاون مع قطاع التكنولوجيا يمكن أن يسهم فى تحسين إدارة الزوار من خلال استخدام البيانات والتطبيقات الذكية، إلى جانب تعزيز تجربة السائح.
إضافة إلى ذلك، يمكن دمج السياحة البيئية مع قطاع التعليم لتعزيز الوعى البيئى، ومع قطاع التراث الثقافى لإبراز الهوية المحلية.
وأخيرًا، فإن ربط هذا القطاع بتطوير البنية التحتية، خاصة فى مجالات النقل والطاقة المتجددة، يضمن تحقيق استدامة طويلة الأجل، ويعزز من قدرة مصر على المنافسة عالميًا.






