رحلة محمد الفلو.. من الألم إلى ابتكار يغير حياة ذوى الهمم
الإسكندرية: نسرين عبدالرحيم
لم تكن رحلة محمد الفلو عادية، بل بدأت من نقطة شديدة القسوة، حين وجد نفسه لسنوات طويلة أسيراً للمرض، بعدما أُصيب فى طفولته بمرض نادر يُعرف بـ»العظم الزجاجي»، جعله عرضة لكسور متكررة فى القدم ومفصل الحوض، لتتحول حياته مبكراً إلى معاناة يومية مع الألم، انتهت به إلى البقاء طريح الفراش.
عشر سنوات كاملة قضاها محمد على السرير، تلتها رحلة علاج شاقة استمرت ست سنوات، بين عمليات جراحية وأمل لا ينطفئ. ورغم قسوة التجربة، لم يكن الاستسلام خياراً مطروحاً، بل كانت تلك السنوات هى الشرارة التى صنعت بداخله إرادة مختلفة، ورغبة حقيقية فى تغيير واقعه وواقع غيره.
عاد محمد إلى الحياة من بوابة التعليم، فالتحق بعد المرحلة الإعدادية بالثانوية، قبل أن يحصل على منحة دراسية داخل الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى، حيث قرر أن تكون دراسته وسيلة لخدمة من يشبهونه فى المعاناة.
داخل الأكاديمية، لم يكن مشروع تخرجه مجرد متطلب دراسى، بل كان انعكاساً لتجربته الشخصية. صمم محمد كرسياً متحركاً مزوداً بذراع آلية، يتيح لمرضى الشلل الرباعى تناول الطعام والشراب دون الحاجة لمساعدة الآخرين، فى محاولة لمنحهم قدراً أكبر من الاستقلالية والكرامة الإنسانية.
وعقب حصوله على دبلومة الأكاديمية العربية، التحق بالمعهد المصرى لأكاديمية الإسكندرية للإدارة والمحاسبة، لاستكمال دراسته وتطوير مهاراته العلمية والعملية، إيماناً منه بأن العلم هو الطريق الأهم لتحويل أفكاره إلى واقع ملموس.
ولم يتوقف طموحه عند هذا الحد، بل سعى بالتوازى إلى العمل المجتمعى، فأسس جمعية خيرية تهدف إلى دعم ذوى الهمم، انطلاقاً من إيمانه بأن دمجهم فى المجتمع لا يجب أن يكون استثناءً، بل قاعدة.
يقول محمد: «هدفى هو دمج الأشخاص العاديين مع ذوى الهمم، وليس العكس»، فى إشارة إلى رؤيته التى تقوم على إزالة الحواجز النفسية والمجتمعية قبل المادية.
ورغم ما حققه من خطوات متقدمة، لا تزال رحلته مع التحدى مستمرة، حيث يقول محمد عرض على الأطباء أمل جديد ربما يجعلنى أستطيع أن أغادر الكرسى المتحرك وهو إجراء جراحة دقيقة لتركيب مفصل كامل بالخارج، وهو الحلم الذى أتنمى أن أحققه فى يوم من الأيام نظرا لارتفاع تكاليف العملى.
حيث تعد هذه العملية أملاً جديداً فى حياتى، ليس فقط على المستوى الشخصى، بل أيضاً كخطوة لتعزيز قدراتهى على استكمال مشوارى فى تطوير مشروعى الإنسانى، الذى اسعى من خلاله إلى خدمة ذوى الهمم وتمكينهم من حياة أكثر كرامة واستقلالية.
وأيضا يحلم محمد بتصنيع مشروعه على نطاق واسع، وتطويره ليشمل إمكانيات أكبر، بما يخدم شريحة أوسع من المرضى، خاصة المصابين بالشلل الرباعى وضمور العضلات، مؤكداً أن ما بدأه كتجربة شخصية يمكن أن يتحول إلى أمل حقيقى لآلاف الأشخاص.
رحلة محمد الفلو ليست فقط قصة تحدٍ، بل نموذج حى لكيف يمكن للألم أن يتحول إلى طاقة تغيير، وكيف يمكن للإرادة أن تصنع مستقبلاً مختلفاً، ليس لصاحبها فقط، بل لكل من يشبهه فى الحلم والاحتياج.










