الدولة تبنى مسارا اقتصاديا مستداما
الحكومة تضع «أمان المواطن» فى قلب الموازنة ولا زيادة فى الضرائب ولا مساس بالحماية الاجتماعية
إسلام عبدالرسول
فى توقيت تتصاعد فيه التحديات الإقليمية وتزداد فيه الضغوط على الاقتصادات الناشئة، تتحرك الحكومة بخطوات محسوبة لإعادة ضبط مسار المالية العامة، عبر موازنة جديدة تجمع بين الانضباط المالى، وتحفيز النمو، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، فى محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الاستقرار الاقتصادى ومتطلبات المرحلة، حيث حرص وزير المالية أحمد كجوك التأكيد على أن الدولة لا تدير أزمة فقط، بل تبنى مسارًا اقتصاديًا أكثر استدامة، مدعومًا بإجراءات استباقية ساهمت فى الحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادى وتوافر السلع الأساسية، رغم الاضطرابات الإقليمية.
وكانت الحكومة، قد اعتمدت منذ بداية التوترات الإقليمية على التحرك المبكر، وهو ما انعكس – حسب الوزير– فى إشادة مؤسسات التصنيف الائتمانى والمستثمرين بطريقة إدارة الأزمة، حيث لم يقتصر هذا التحرك على احتواء التداعيات، بل امتد ليؤسس لمرحلة جديدة من الإصلاحات تستهدف تحفيز الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات، فضلًا عن أن الحكومة تضع تعزيز دور القطاع الخاص على رأس أولوياتها، مع العمل على تنفيذ 3 طروحات حكومية قبل نهاية العام المالى الجارى، إلى جانب التوسع فى مشروعات الشراكة التى تجاوزت 20 مشروعًا جديدًا، ما يعكس تحولًا واضحًا نحو نموذج اقتصادى يعتمد على القطاع الخاص كمحرك رئيسى للنمو، مع استمرار الدولة فى دورها التنظيمى والداعم.
وفى إطار إعادة توجيه الموارد، خصصت الحكومة 120 مليار جنيه لدعم قطاع الطاقة، ما يعكس استمرار الإصلاح الاقتصادى مع التركيز على رفع كفاءة الاستخدام والتوسع فى الطاقة الجديدة والمتجددة، بالتوازى مع تطوير شبكات النقل والتوزيع، كما تواصل الدولة تسريع العمل فى مشروع «الضبعة» النووى، باعتباره إحدي الركائز الاستراتيجية لتأمين احتياجات الطاقة مستقبلاً.
فى سياق إدارة المخاطر، تستمر الحكومة فى تطبيق سياسات التحوط لتغطية %50 من احتياجات المواد البترولية، مع دراسة التوسع فى هذه الآلية للحد من تقلبات الأسعار العالمية.
موازنة الحماية الاجتماعية
رغم التوجه نحو الانضباط المالى، لم تغفل الموازنة البعد الاجتماعى، حيث تم تخصيص 832.3 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية، بنمو سنوى %12.
وتشمل هذه المخصصات دعم السلع التموينية، وبرامج «تكافل وكرامة»، ودعم الكهرباء، والإسكان الاجتماعى، وتمويل شراء القمح المحلى، فى خطوة تستهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا.
تحسن مؤشرات الدين
تسعى الحكومة إلى تحقيق تحسن ملموس فى مؤشرات الدين، عبر استراتيجية متكاملة تستهدف خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلى إلى %78 بحلول يونيو 2027، إلى جانب خفض الدين الخارجى بنحو 2 مليار دولار سنويًا، كما تستهدف تقليص فاتورة خدمة الدين إلى %35 من المصروفات، بما يتيح توجيه موارد أكبر للإنفاق التنموى والاجتماعى.
فائض أولى ومساحة مالية أكبر
تستهدف الموازنة تحقيق فائض أولى بنسبة %5 من الناتج المحلى، مع خفض العجز الكلى إلى %4.9، وهو ما يعكس تحسنًا فى كفاءة إدارة المالية العامة، إذ أكد وزير المالية أن هذا التحسن ليس هدفًا فى حد ذاته، بل وسيلة لخلق مساحة مالية تسمح بزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية التى تمس حياة المواطنين.
إصلاح ضريبى دون أعباء جديدة
فى ملف الضرائب، تواصل الحكومة نهج التيسير والتبسيط، مع استهداف زيادة الإيرادات بنسبة %27 من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وضم 100 ألف ممول جديد، دون فرض أعباء إضافية، كما يجرى العمل على إطلاق حزمة ثانية من التسهيلات الضريبية، إلى جانب تحسين جودة الخدمات المقدمة للممولين.
الاستثمار فى الإنسان
تضع الموازنة الجديدة قطاعات الصحة والتعليم فى صدارة الأولويات، مع زيادة مخصصات الصحة بنسبة %30 والتعليم %20، إلى جانب زيادات كبيرة فى الإنفاق على العلاج والتأمين الصحى وتوفير الأدوية، فضلًا عن تطوير العملية التعليمية، ويعكس ذلك توجهًا واضحًا لإعادة توجيه ثمار التحسن المالى نحو تحسين جودة حياة المواطنين.
تحفيز الاقتصاد الحقيقى
خصصت الحكومة 90 مليار جنيه لدعم النشاط الاقتصادى، تشمل برامج لتحفيز الإنتاج والتصنيع والتصدير وريادة الأعمال، إلى جانب دعم السياحة والصناعات ذات الأولوية، وذلك فى إطار رؤية أوسع تستهدف تحقيق نمو اقتصادى بنسبة %5.4 مدفوعًا بتعميق الصناعة وزيادة الصادرات.
ورغم الطموحات، لا تخلو الصورة من الحذر، إذ أقر «كجوك» بأن تقديرات الموازنة بُنيت على افتراضات اقتصادية قد تتأثر بالتطورات الإقليمية، مؤكدًا فى الوقت نفسه وجود مرونة كافية للتعامل مع أى متغيرات، من خلال زيادة مخصصات الاحتياطيات بالموازنة.
وأكد وزير المالية، أن الحكومة تعاملت بسرعة وبنهج استباقى مع التحديات الاستثنائية الراهنة؛ لضمان استمرار حركة النشاط الاقتصادى وتوافر السلع والمستلزمات، مشيرًا إلى أن هذا التحرك حظى بتقدير مؤسسات التصنيف الائتمانى والمستثمرين.
وأوضح الوزير، أن الدولة مستمرة فى مسار الإصلاحات الاقتصادية، مع التركيز على تحفيز الاستثمار والإنتاج والتصدير، مضيفا أن الحكومة تعمل على إتاحة المزيد من الفرص الاقتصادية الجاذبة للتدفقات الاستثمارية، بما يعزز دور القطاع الخاص فى قيادة النمو الاقتصادى خلال المرحلة المقبلة.
وتابع:» تم تخصيص 175٫3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية بنمو سنوى %10 ويستفيد منها أكثر من 60 مليون مواطن، و55٫3 مليار جنيه لبرامج «تكافل وكرامة والضمان الاجتماعى» و«معاش الطفل» و«الرائدات الريفيات» ويستفيد منها أكثر من 4٫7 مليون أسرة».
وأوضح الوزير، أنه تم تخصيص 104٫2 مليار جنيه لدعم الكهرباء بنمو سنوى %39 لمساندة هذا القطاع الحيوى ومعالجة التشابكات وضمان خدمات جيدة ومنتظمة، إلى جانب توفير مخصصات إضافية لضمان تحسين البنية التحتية لشبكات نقل وتوزيع الكهرباء، مشيرًا إلى أنه تم تخصيص13 مليار جنيه لتوفير مسكن ملائم لمحدودى ومتوسطى الدخل من خلال دعم المرافق وأسعار الفائدة ومساندة نقدية مباشرة، وتخصيص 4٫6 مليار جنيه لصندوق التنمية الحضرية لتطوير المناطق العشوائية وتوفير سكن كريم للمواطنين.
وقال الوزير، إنه تم توفير 69٫1 مليار جنيه لتمويل شراء القمح المحلى من المزارعين بعد زيادة سعر توريد الإردب إلى 2500 جنيه خلال الموسم الحالى، لافتًا إلى أننا نستهدف زيادة توريدات القمح المحلى؛ بما يخفض من استيراد القمح من الخارج بداية من العام المقبل.
وأكد وزير المالية، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسنًا قويًا ومؤثرًا فى معدلات الدين وخدمته وآجاله، قائلًا: «ما تقلقوش.. نعمل بكل جد وجهد وتوازن لتحسين مؤشرات المديونية الحكومية».
وأضاف الوزير، فى رسالة طمأنة للمواطنين والمستثمرين، أننا لدينا استراتيجية متكاملة وشاملة لإدارة ملف الدين يعمل على تنفيذه من كل جهات الدولة، لافتًا إلى أننا نستهدف خفض معدل دين أجهزة الموازنة للناتج المحلى الإجمالى إلى %78 بحلول يونيه 2027، وخفض الدين الخارجى لأجهزة الموازنة بنحو 2 مليار دولار سنويًا، وخفض الاحتياجات التمويلية لأجهزة الموازنة بنحو %10 من الناتج المحلى على المدى المتوسط.
وأشار إلى أننا نستهدف خفض فاتورة خدمة الدين إلى %35 من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، وتوجيه أى إيرادات استثنائية لخفض حجم ونسبة المديونية الحكومية للناتج المحلى، متابعًا: »نعمل على تنويع مصادر وأدوات التمويل المحلية والدولية والتوسع فى التمويلات الميسرة لخفض أعباء التمويل، وسنستمر فى إصدار سند المواطن والصكوك ونستهدف أدوات جديدة تخاطب عددًا أكبر من المدخرين، علاوة على أننا نستهدف تحقيق أكبر خفض فى دين أجهزة الموازنة بنسبة %18 فى الفترة من 2023 حتى يونيه 2027 مقابل %10 زيادة فى نسبه المديونية المحققة بالاقتصادات الناشئة».






