«متولى وشفيقة» .. ما لم يرويه الموال الشعبى بعد مقتل شفيقة!
هند سلامة
قد تظن أنك على موعد مع رواية معتادة أو مشابهة لما سبق أن روته المواويل عن حكاية «شفيقة ومتولى» أو حتى ما تناوله الفيلم السينمائى الأشهر للنجمة سعاد حسنى والفنان أحمد زكي، بينما ستدهشك المفاجأة والتساؤل من اسم العرض أولا بتقديم «متولي » فى كتابة عنوانه بالأفيش على «شفيقة» وهى البطلة الرئيسية للرواية والقصة الشعبية بالأساس.. لأن البطل هنا «متولى»!
«شفيقة ومتولى» قصة شعبية شهيرة عن حادث ثأر وقع بـ»جرجا «فى محافظة سوهاج أخ قام بقتل أخته بعد أن علم أنها اتجهت إلى احتراف الدعارة أثناء غيابه لتأدية الخدمة العسكرية يعود إلى بلده للبحث عنها وقتلها بعد أن ألحقت العار بأهله وأبناء قريته، اختار المخرج أمير اليمانى أن يناقض السردية الشعبية وحكاية الموال، ويعرضها للنقد والمساءلة وكأنه يخضع الضمير الذكورى لمحاكمة كبرى بدلًا من مجرد إعادة تقديم نفس الرواية فى قالب مسرحى.
فى «متولى وشفيقة» يعرض المخرج والمؤلف محمد على إبراهيم هذه المروية الشعبية والسردية الذكورية الغاضبة الثائرة للشرف الأنثوى للمساءلة، نرى فى هذا العرض حال متولى بعد مقتل شفيقة، الذى يقع فى براثن الخزى والشعور بالذنب بعد أن هم بقتل أخته إرضاء لأعراف وتقاليد القبيلة، انتصر للعرف والتقاليد الاجتماعية الموروثة متجاوزًا كل مشاعر الحب والحميمية التى جمعتهما سنوات طويلة.
قدم أمير اليمانى ما لم يرويه الموال الشعبى ولا حكته الدراما السينمائية، كيف أصبح حال متولى بعد أن قتل شفيقة؟!، وهل حقا جرائم الشرف ترفع رأس الرجال؟!.. هنا يجيب العرض المسرحى «متولى وشفيقة «مستعرضًا حال متولى الذى لم يرفع الرأس بعد مقتل أخته بل ظل فى انحناء وندم، عانى مرار الخزى والألم بعد أن فقدها وأفقدها حياتها، يطرح العمل سردية مغايرة للفكر الذكورى الذى يرفع لواء حفظ العرض والشرف وإذا أخفق فى الحفاظ على هذه القيم الكبرى فى عرف القبائل يحكم عليه بالخزى والعار الأبدى ويصبح منبوذا بين أهل عشيرته حتى يغسل عاره بيديه.
سخر المخرج ومهندس الديكور الدكتور محمد سعد خشبة المسرح لخدمة رؤيته التعبيرية عن حال متولى بعد شفيقة، انعزل الرجل بين جدران منزله التى تحولت إلى مجموعة من الأشباح تطارده فى آسى وأسف، سجن بين أسوار هذا المنزل وأصبح يناجى جدرانه التى تنضح له بالذكريات، تطالعه الجدران على كل لحظات الحب والحنان والترابط التى جمعته بأخته الصغيرة وكأنها شريط سينمائى يمر أمام عينيه، يتذكر متولى لحظة ولادتها ثم تقدمها فى مراحل العمر المختلفة وزيادة الحميمية والود والأنس بينهما إلى أن أصبحت شابة فى سن الزواج، تحولت خشبة المسرح إلى كيان مسخر لخدمة هذه الرؤية من جدران كالحة يقطنها مجموعة من الأشباح إلى سريره الذى يشقى بالرقود عليه، أبدع مهندس الديكور فى نحت هؤلاء الأشباح بتلك الجدران، ارتدى الراقصون ملابس كالحة تشبه لون الجدران وكذلك تم طلاء أجسادهم وأيديهم بنفس اللون وبالتالى أصبح من الصعب التمييز هل هؤلاء تماثيل منحوتة أم بشر اصطفوا حول هذه الجدران فى وضع دائرى يناسب حالة التخبط والتوهان والدوخة التى يعيشها صاحب المنزل، نحت الراقصون نحتا داخل الجدران، ثم فجأة تتحرك هذه المنحوتات لتصبح مجموعة من الأشباح تطارده فى حالة كابوسية يعشيها هذا الرجل وكأنه أصبح أسيرًا لهواجسه وأشباحه.
حرص المخرج أمير اليمانى على تقديم هذه القراءة المغايرة بذكاء ودقة شديدة فى اختيار عناصر العمل بالكامل، سواء من تصميم الإضاءة لإبراهيم الفرن أو الديكور أو باللعب على المسرح بمشاهد «الفوتومونتاج» فى لحظات تبدل الزمن وتطور علاقته بأخته شفيقة التى انقسمت إلى ثلاث شخصيات فى مراحل عمرها المختلفة ومراحل تطور شعورها وتدرجه تجاه أخيها، قدم المخرج حالة مسرحية أقرب للخيال السينمائى فى تتابع المشاهد وتطور مراحل العمر ثم تداخل مشاهد الذكريات مع واقعه الكابوسى الذى لا يفيق منه، بجانب محاكمة هذا الضمير الذكورى الذى أدخل متولى فى دائرته، عذاب طويل أصبح يحيا فيه بعقدة ذنب لا تنتهي، لم يغفل المخرج أن يستعرض جانبا من الوعى الجمعى الأنثوى فى القرى والنجوع من خلال شخصية «نوارة» الشخصية المضافة للأحداث باعتبارها ابنة عم الاثنين الخاضعة لتقاليد الأهل والعشيرة بحب ابن عمها، فهى موجهة منذ الطفولة على محبة هذا الرجل كما تقول الأعراف والتقاليد فى هذه المجتمعات، وبالتالى هى النموذج الأمثل للمرأة المحرضة على حفظ تقاليد القرية، نرى نوارة تنقلب رأسا على عقب فى موقفها من «شفيقة» ابنة عمها وصديقتها وبدلا من أن تخشى الزواج من متولى بعد ارتكابه جريمة قتل أخته تحرضه على نسيانها وتؤكد على قوة موقفه وأنه لم يخطأ فى محاولة لاستعادته واستعادة حبه وإخراجه من دائرة الشعور بالندم والذنب، فهى النموذج المثالى لهؤلاء النساء اللاتى يربين أمثاله من الرجال، وكأن المخرج والمؤلف فى شخصية نوارة يشيران فى لمحة ذكية موحية.. أن هؤلاء الرجال وهذا المجتمع الأبوى صناعة نوارة وأمثالها، هذا الفكر نتاج هذا المنبع من الأنوثة التى تلازمها مشاعر العار لمجرد أنها امرأة!
“متولى وشفيقة ” تجربة مسرحية استثنائية فى تناول أحد أهم قضايا التراث الشائكة قدمها المخرج أمير اليمانى وفريق عمله بحرص ودقة وكتابة درامية مكثفة لم تهتم بحكى أطراف القصة أو إعادة نقل المعروف منها وتكراره، بينما توجه المؤلف مباشرة بإجادة واحتراف إلى قلب القضية وعمق الأزمة ضمير متولى وحبه لأخته الذى لم يشفع لها أن يسامحها ويغفر لها خطيئتها، وكأن العمل يعيد أيضا التعريف بقيمة الحب والتساؤل عن مدى إمكانية إخضاع هذا الكبرياء الذكورى للعفو والمغفرة! .






