المرض النفسى يتمدد.. والمنظومة الصحية تلاحق
منشآت الصحة النفسية «تحت المجهر»
محمود جودة
فى ظل تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتسارع وتيرة الحياة، لم تعد الاضطرابات النفسية قضية هامشية، بل تحولت إلى أحد أبرز التحديات الصحية عالميًا، إذ حذرت منظمة الصحة العالمية من أن اضطرابات الصحة النفسية باتت تمثل أزمة دولية متفاقمة، حيث يعانى منها أكثر من مليار شخص حول العالم، وعلى رأسها القلق والاكتئاب، اللذين ينتشران فى مختلف الدول وبين جميع الفئات العمرية ومستويات الدخل، وصولًا إلى الأمراض الأكثر تعقيدًا، ما يضع أنظمة الرعاية الصحية أمام اختبار حقيقى لقدرتها على الاستجابة الفعالة لهذا العبء المتزايد.
وبما أن مصر جزء من الإطار العالمى، فإن الواقع يفرض ضرورة تطوير البنية التحتية العلاجية لتكون قادرة على استيعاب أعداد المرضى النفسيين، سواء من خلال المستشفيات الحكومية أو المراكز الخاصة والأهلية، بما يضمن تقديم خدمات متكاملة وآمنة، إذ يمتد التحدى إلى أهمية توافر كوادر بشرية مؤهلة، تشمل الأطباء النفسيين وأطقم التمريض والمعالجين، خاصة أن نجاح أى منظومة علاجية يكون مرهونًا بقدرتها على الجمع بين الإمكانات المادية والكفاءة البشرية.
حصر البنية التحتية
وبحسب ما رصدته «روزاليوسف» وفق الموقع الرسمى للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، يوجد فى مصر 16 مستشفى حكوميًا لهذا التخصص، وهى: العباسية للصحة النفسية وعلاج الإدمان «64 فدانًا»، والخانكة «171 فدانًا»، وحلوان «40 فدانًا»، ومصر الجديدة، والمعمورة «52 ألف متر»، وبورسعيد للصحة النفسية وعلاج الإدمان «19 ألف متر»، وأسيوط، وبنها «5500 متر»، والعزازى بالشرقية، وشبين الكوم بالمنوفية «3270 مترًا»، وطنطا بالغربية «4500 متر»، وبنى سويف، والمنيا، وسوهاج، وأسوان، ودميرة بالدقهلية «3150 مترًا».
ويتبع الأمانة العامة للصحة النفسية 4 مراكز علاج نفسى، هى: «فرانكوبازاليا» للصحة النفسية وعلاج الإدمان فى أبوقير وهو يتبع مستشفى المعمورة للطب النفسى، ومركز علوان للصحة النفسية بأسيوط وهو يتبع مستشفى الصحة النفسية بأسيوط، ومركز شبرا قاص للصحة النفسية وعلاج الإدمان بالغربية، ومركز عباس حلمى بالإسكندرية.
كذلك، تضم البنية التحتية للصحة النفسية الحكومية فى مصر 6 عيادات تخصصية بالمستشفيات، وهى: عيادات المرأة، وعيادة واحة للصدمات النفسية، وعيادات الأطفال والمراهقين، والعيادات الخارجية لعلاج الإدمان بمستشفيات الأمانة العامة للصحة النفسية، وعيادات الإقلاع عن التدخين، وطب نفس المسنين.
تحقيق التوازن
وفى ظل التزايد الملحوظ فى أعداد المرضى النفسيين، تؤكد الدكتورة أمل أحمد، استشارى الصحة النفسية، أن تحقيق التوازن بين طرفى المعادلة يتطلب تبنى رؤية شاملة لإصلاح المنظومة، لا تعتمد على التشدد الإدارى فقط، ولا تنساق وراء التيسير غير المنضبط، بل ترتكز على إعادة هيكلة منظومة الترخيص والرقابة بأسلوب مرن وفعّال.
وتوضح أن الخطوة الأولى تبدأ بتبسيط إجراءات الترخيص وتقليص مدتها الزمنية، من خلال التوسع فى التحول الرقمى وتوحيد الجهات المختصة، مع وضع مسارات واضحة ومعلنة تضمن الشفافية وتحد من التعقيدات البيروقراطية، دون المساس بالاشتراطات الأساسية المرتبطة بسلامة المرضى وجودة الخدمة المقدمة.
وتضيف: من الضرورى فى هذا السياق تطبيق نظام رقابى مرحلى يسمح بتشغيل المنشآت الجديدة بشكل مشروط وتحت إشراف دورى مكثف، مع منحها مهلة زمنية محددة لاستكمال باقى الاشتراطات، وهو نموذج معمول به فى عدد من الدول ويحقق توازنًا بين تسريع وتيرة الاستثمار وضبط جودة الخدمات.
«جذب الاستثمارات»
وتشير أمل أحمد إلى أن هذا التوجه يسهم فى جذب مزيد من الاستثمارات إلى قطاع الصحة النفسية، وفى الوقت ذاته يحد من انتشار الكيانات غير المرخصة التى تعمل خارج الأطر القانونية والرقابية، بما يشكل خطرًا على سلامة المرضى، مؤكدة أهمية وضع معايير ملزمة لتأهيل الكوادر البشرية عبر ربط منح التراخيص بتوافر نسب محددة من الأطباء والمتخصصين المؤهلين، إلى جانب التوسع فى برامج التدريب والتأهيل المستمر بما يضمن رفع كفاءة مقدمى الخدمة.
ودعت إلى تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص باعتبارها أحد الحلول الفعالة لسد فجوات العجز فى الموارد البشرية وتحسين جودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، مشيرة إلى أن الحوافز تمثل عنصرًا لا يقل أهمية عن الرقابة، حيث يمكن للدولة تقديم تسهيلات ضريبية وتمويلية للمؤسسات الملتزمة بالمعايير، خاصة فى المناطق الأكثر احتياجًا، بما يدعم تحقيق العدالة فى توزيع الخدمات الصحية.

وتشدد على ضرورة تطبيق عقوبات رادعة على المنشآت المخالفة التى تعرض حياة المرضى للخطر، لضمان وجود بيئة علاجية آمنة ومنضبطة، منوهة إلى أن تحقيق التوازن فى منظومة الصحة النفسية لن يتحقق عبر إجراء منفرد، بل من خلال منظومة متكاملة تجمع بين التيسير المنضبط والرقابة الفعالة والاستثمار فى الكوادر البشرية، بما يعزز ثقة المجتمع فى هذه الخدمات ويضمن استدامتها وجودتها.
تحديات متصاعدة
أما الدكتور تامر العمروسى، مدير إدارة الإدمان بالأمانة العامة للصحة النفسية سابقًا، يقول :إن منظومة الصحة النفسية فى مصر تواجه تحديًا متصاعدًا فى ظل زيادة أعداد المرضى مقابل محدودية البنية التحتية، سواء من حيث عدد المنشآت أو توافر الكوادر البشرية المؤهلة، رغم وجود إطار تشريعى منضبط يحكم هذا القطاع.
ويوضح أن القوانين تفرض معايير دقيقة لضمان سلامة المرضى وجودة الخدمة، من بينها تحديد الطاقة الاستيعابية للمؤسسات، حيث تتراوح سعة المنشآت بين 15 و40 سريرًا فى المراكز الصغيرة، ومن 40 إلى أقل من 80 سريرًا فى المتوسطة، وتصل إلى أكثر من 80 سريرًا فى المستشفيات الكبرى، مع اشتراط ألا تقل المساحة المخصصة لكل مريض عن 15 مترًا مربعًا، إلى جانب توفير فرق علاجية متكاملة وفق نسب محددة وتجهيزات طبية وأماكن مخصصة للتأهيل والأنشطة العلاجية، مطالبًا بالتوسع فى إنشاء وتطوير المنشآت وزيادة أعداد الأسرة.

السعة السريرية داخل المنشآت
وبحسب ما صرح به الدكتور أحمد النحاس، رئيس الإدارة المركزية للأمانة الفنية بالمجلس القومى للصحة النفسية، فإن عدد المنشآت المرخصة لعلاج الصحة النفسية وعلاج الإدمان فى مصر، ما بين حكومى وخاص، يبلغ 281 منشأة موزعة بين القطاعين، مشيرًا إلى توافر سعة سريرية مناسبة داخل هذه المنشآت.
وبشأن منشآت الصحة النفسية وعلاج الإدمان، فيؤكد أنها تُصنف كمنشآت طبية وتخضع لأحكام القانون رقم 153 لسنة 2004 المنظم للمنشآت الطبية، فضلًا عن خضوعها لرقابة المجلس القومى للصحة النفسية وفقًا للقانون رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسى، الذى يضع اشتراطات فنية دقيقة تستهدف ضمان سلامة المرضى وحمايتهم أثناء تلقى الخدمة العلاجية.
وحول إجراءات الترخيص، فيشير إلى أنها تبدأ بتقديم طلب للمعاينة وسداد الرسوم المقررة، على أن تتم المعاينة خلال مدة لا تتجاوز أسبوعين، وبناءً عليها يتم إما منح المنشأة موافقة مبدئية لاستكمال إجراءاتها لدى إدارة العلاج الحر أو رفض الطلب حال عدم استيفاء الاشتراطات، مع منح مهلة تصل إلى 6 أشهر لتوفيق الأوضاع وإعادة التقدم بطلب جديد.
وفيما يتعلق بالرقابة، يلفت النحاس إلى أن المجلس، بالتعاون مع المجالس الإقليمية التابعة له، يضطلع بدور رقابى فنى وإدارى على المنشآت المرخصة من خلال حملات تفتيش دورية للتأكد من الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة، إلى جانب فحص شكاوى المرضى والمواطنين وتقصى الحقائق بشأنها، ومتابعة أعمال لجان رعاية حقوق المرضى داخل تلك المنشآت.
أما بشأن المنشآت غير المرخصة، فيوضح أن المجلس يرصد أى كيانات تقدم خدمات الطب النفسى أو علاج الإدمان خارج الإطار القانونى من خلال متابعة الإعلانات والمحتوى المنشور عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، إلى جانب تلقى الشكاوى والاستفسارات عبر الخطوط الهاتفية وبوابة الشكاوى الحكومية، فضلًا عن حصر الأماكن التى تبدأ إجراءات الترخيص دون استكمالها خلال المدد القانونية.
حملات مداهمة ومبادرات توعوية
ويؤكد أن المجلس يشارك فى حملات مداهمة تلك المنشآت غير المرخصة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وعلى رأسها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، بهدف وقف الممارسات غير المشروعة أو غير الإنسانية وحماية المرضى من الانتهاكات، ناهيك عن تنفيذ حملات توعوية تستهدف الأسر والمواطنين للتوعية بمخاطر اللجوء إلى مراكز غير معتمدة ومواجهة وصمة المرض النفسى، مع توجيه المرضى نحو المنشآت المرخصة والمسجلة رسميًا.
وفيما يخص التعامل مع المخالفات، يوضح النحاس أنه يتم التعامل مع أى تجاوزات داخل المنشآت المرخصة وفقًا لطبيعتها، سواء كانت إدارية أو فنية أو إجرائية، مع متابعة عدم تكرارها، بينما تُتخذ إجراءات قانونية حاسمة تجاه المنشآت غير المرخصة تصل إلى الغلق الإدارى، محذرًا من خطورة العلاج داخل المراكز غير المرخصة، خاصة أنها غالبًا ما تعتمد على متعافين من الإدمان دون إشراف طبى متخصص، ولا تقدم برامج علاجية حقيقية فى ظل غياب المعايير المهنية والإنسانية.
ويلفت إلى أن بعض هذه الأماكن تقوم باحتجاز أعداد كبيرة من المرضى داخل شقق سكنية أو بدرومات مغلقة لا تمت للعلاج النفسى بصلة، مختتمًا بالتأكيد أن خطورة هذه الممارسات تتضاعف بالنسبة للفتيات بسبب غياب الرقابة داخل تلك الأماكن، ما يعرضهن لانتهاكات جسدية وأخلاقية جسيمة، فضلًا عن تحول بعض هذه المراكز إلى بؤر لتداول وتعاطى المواد المخدرة بدلًا من علاجها.
الانتحار.. نتيجة مأساوية
وكانت، قد أكدت منظمة الصحة العالمية الاضطرابات وعلى رأسها القلق والاكتئاب، تُعد ثانى أكبر سبب للإعاقة طويلة الأمد، مع ارتفاع معدلات الإصابة بين النساء مقارنة بالرجال، ما يعكس اتساع حجم الظاهرة وتشابك أبعادها الصحية والاجتماعية، مشيرة إلى أن هناك تداعيات خطيرة لهذه الأزمة، وأن الانتحار لا يزال من أبرز نتائجها المأساوية، حيث أودى بحياة نحو 727 ألف شخص خلال عام واحد، خاصة بين الشباب.
ولفتت إلى أن التقدم العالمى فى الحد من الانتحار لا يزال محدودًا، حيث لن يتجاوز 12% بحلول عام 2030، بدلًا من الهدف الأممى البالغ خفضه بمقدار الثلث، ناهيك أنه على الصعيد الاقتصادى، تتحمل الدول خسائر ضخمة، حيث تتسبب اضطرابات القلق والاكتئاب وحدهما فى خسائر تُقدر بنحو تريليون دولار سنويًا، نتيجة تكاليف العلاج وفقدان الإنتاجية.
وفى ضوء ذلك، شددت المنظمة على أن أسباب تفاقم الأزمة تعود إلى فجوات كبيرة فى إتاحة خدمات الصحة النفسية وضعف الاستثمار واستمرار الوصم المجتمعى، رغم تحسن بعض السياسات فى عدد من الدول، مطالبة بتحرك عاجل يقوم على زيادة التمويل وتوسيع نطاق الخدمات وتعزيز التوعية المجتمعية ودمج الصحة النفسية ضمن أولويات النظم الصحية، مؤكدة أن الاستثمار فى هذا القطاع هو استثمار مباشر فى الإنسان والاقتصاد، وأن الرعاية النفسية يجب أن تُعامل كحق أساسى للجميع لا كخدمة ثانوية.






