الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

عمال مصر القديمة

حقوق عادلة أنتجت حضارة عظيمة

تكشف صفحات التاريخ المصرى القديم عن صورة مغايرة لما قد يتصوره البعض عن طبيعة العمل فى تلك الحقبة، إذ تؤكد الشواهد الأثرية أن حقوق العمال كانت جزءًا أصيلًا من منظومة المجتمع، وأن العامل المصرى القديم تمتع بحقوق واضحة وأجور عادلة، خاصة فى المشروعات القومية الكبرى مثل بناء الأهرامات والمعابد، فى نموذج مبكر لفكر العدالة الاجتماعية والتنظيم المهنى.



هذه الحقائق أكدت عليها كنوز أثرية كثيرة، وهو ما أشار إليه الدكتور حسين عبدالبصير مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، حيث قال: إن العمال فى مصر القديمة كانوا يحصلون بانتظام على أجور تنوعت ما بين مواد غذائية مثل الحبوب والبيرة وبين المال اللازم والقانونى، وكان للعمال كامل الحق فى الاعتراض إذا ما تأخرت أجورهم عن مواعيدها المحددة، ويحق لهم الاحتجاج للمطالبة بحقوقهم، مثلما حدث فى عهد رمسيس الثالث، عندما طالب عمال دير المدينة بأجورهم المتأخرة، وتمت حينها الاستجابة لمطالبهم.

فى مشهد آخر يعكس عمق التنظيم الاجتماعى، يبرز بناء الأهرامات كمثال بارز على تمتع العمال فى مصر القديمة بحقوقهم التامة، إذ يشير الباحثون إلى أن الملك خوفو يعتبر أول من وضع نظام تأمين للعمال ضد البطالة، وقد حصل كل العمال الذين شاركوا فى بناء الأهرامات على أجرهم بالكامل، خاصة أنه لم يتم إكراه أى منهم على العمل.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يتم العثور على مدينة للعمال المشاركين فى بناء الأهرامات على مختلف تخصصاتهم، وقد تم توفير كل مستلزمات الحياة والمعيشة لهم، لتصبح هذه المدينة أول مدينة عمالية فى التاريخ تبنى بطريقة الإسكان الجاهز أو سابق التجهيز، حيث تم توحيد نماذج تصميم المساكن لمختلف طبقات العمال والفنيين.

 

 

 

وكان هناك نظام دقيق لتنظيم العمل لتحديد الأجور من خلال «أوستراكا» من عهد رمسيس الثانى بالمتحف البريطانى، خاصة برئيس العمال، وسجل بها عدد العمال 43 عاملًا وأيام الغياب عن العمل والعذر بالمداد الأحمر سواء للمرض أو العدوى أو لدغات العقارب أو أمور طارئة بالمنزل، و«الأوستراكا» هى قطعة من الفخار والأحجار.

وفى امتداد لهذه الصورة، أشار خبير الآثار الدكتور عبدالرحيم ريحان إلى أن الملك خوفو هو أول من أمن العمال ضد البطالة فى التاريخ، حيث استفاد من أوقات البطالة البعيدة عن موسم الحصاد والرى والزراعة، وهى مواسم العمل فى مصر القديمة، ليقوم العمال بأعمال قومية عظيمة وأعمال إنتاجية ساهمت فى الازدهار الاقتصادى فى كل مناحى الحياة.

وأوضح أن بناء الهرم كان مشروعًا قوميًا، وأنه وغيره من بيوت العبادة فى مصر القديمة نُفذت طبقًا للقواعد التى أرساها إيمحتب معبود الطب والهندسة وأول من استعمل الحجر فى البناء ووضع نظرياته الإنشائية، وكان يتم تقديم القرابين والذبائح كتموين وإعاشة للعمال كنوع من التكافل الاجتماعى، ومساهمة كل الشعب فى المشاريع القومية بوازع دينى وحب لهذا الإنجاز، حيث كان ينظر للعمال باحترام، وهو ما أشار إليه نص لأحد القضاة من الأسرة الخامسة بقوله: «جميع من عملوا فى هذه المقبرة نالوا أجرهم بالكامل من خبز وجعة وملابس وزيت وقمح بكميات كبيرة، كما أننى لم أُكره أحدًا على العمل».

ويضيف الدكتور ريحان أنه قبل البدء فى بناء الهرم قامت الحكومة ببناء مدينة للعمال والفنيين وسوقًا للتموين ومخبزًا ومخازن للغلال، حيث إن مدينة عمال بناء الهرم تعد أول مدينة عمالية فى التاريخ تبنى بطريقة الإسكان الجاهز أو سابق التجهيز، وتم توحيد نماذج تصميم المساكن لمختلف طبقات العمال والفنيين بتوحيد الأبعاد القياسية والأبواب والشبابيك والأسقف ليسهل تركيبها وفكها، وبعد انتهاء بناء الهرم أُهديت هذه الوحدات للعمال لتركيبها لهم فى قراهم، وهو ما وصفه مؤرخو عصر الأهرام بنهضة تعمير القرى.

وفى الدولة الحديثة، يوضح ريحان أهمية دير المدينة، وهى المدينة التى كانت محاطة بسور وتضم 70 منزلًا من الطوب اللبن، وكانت أسماء أصحاب المنازل وألقابهم عند الأبواب، وكانت مخصصة لطائفة العمال والفنانين الذين خصصهم امنحتب الأول لنحت مقابر الملوك بالبر الغربى من طيبة «الأقصر».

أيضا كان لهم نظام دقيق فى العمل حيث يقسمون إلى قسمين، كل قسم له رئيس عمال مع مجموعات الفنانين والنحاتين والرسامين، وهذا يشبه أعمال الحفائر حديثًا من وجود رئيس للعمال ووجود عمال فنيين خبرة فى الحفائر وعمال عاديين لنقل الأتربة وتسوية المصاطب.

 

 

 

كما يشير إلى نظام دقيق يؤكد حرص المصرى القديم على تنظيم العمل لتحديد الأجور من خلال أوستراكا من عهد رمسيس الثانى بالمتحف البريطانى، خاصة برئيس العمال «الريس»، سجل بها عدد العمال 43 عاملًا وأيام الغياب عن العمل والعذر بالمداد الأحمر سواء للمرض أو العدوى أو لدغات العقارب أو أمور طارئة بالمنزل، وهو ما نفعله حديثًا فى حساب أجر عمال الحفائر عن طريق سركى تسجل فيه أيام العمل الفعلية وأيام الغياب لحساب الأجر بدقة.

العمال يحصلون على أوقات للراحة من العمل، وهو من الحقوق الأصيلة فى مصر القديمة، وكانوا يقضون أوقات الراحة فى الكتابة والرسم على كسرات وشقفات الأحجار، والتى تسمى الأوستراكا، ومنها مجموعة ضخمة فى المتحف المصرى بالتحرير، حيث تم العثور عليها فى مقابر وادى الملوك فى طيبة بالأقصر، وتم نقلها للعرض فى المتحف.

كان العمال الذين يعملون فى نحت وبناء المقابر الملكية فى أوقات الفراغ والراحة يلهون، وذلك بجمع شظايا وقطع الأحجار الجيرية ويرسمون عليها، وكانت تتنوع الرسومات حسب مزاجهم وحالتهم حينها، كما أنهم كتبوا عليها أيضًا أشعارًا من نظمهم، مما يجعلها بمثابة سجل موثق لشكل وطبيعة الحياة فى وقت كتابتها، ومصدرًا مهمًا لدراسة ومعرفة كثير من التفاصيل عن الحضارة المصرية القديمة عامة.