الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

العميد درويش أحمد ضابط أعاد تعريف المعركة فى سماء أكتوبر

فى الحروب لا يصنع النصر بالقوة وحدها بل بعقول تعرف متى تفكر تحت الضغط، ومتى تغيّر قواعد اللعبة، هنا تبدأ حكاية العميد مهندس أ.ح درويش أحمد درويش ابن محافظة بورسعيد الذى لم يكن مجرد ضابط دفاع جوى فى حرب أكتوبر بل عقلًا هندسيًا صنع فارقًا حقيقيًا فى لحظة كانت فيها كل ثانية تكتب بالدم.



التحق بالكلية الفنية العسكرية عام 1965 وتخرج عام 1970 مهندسًا متخصصًا فى توجيه صواريخ الدفاع الجوى فى وقت كانت فيه مصر تعيش واحدة من أصعب مراحلها خلال حرب الاستنزاف، فلم تكن ملامح الحرب القادمة واضحة، لكن اليقين بحدوثها كان حاضرًا فى كل تدريب وكل تحرك، بين مواقع متعددة، داخل كتيبة صواريخ، تشكل وعيه العسكرى على قاعدة بسيطة: الاستعداد الدائم لمواجهة مجهول قد يأتى فى أى لحظة.

وفى ظهيرة السادس من أكتوبر 1973، جاءت اللحظة التى غيّرت كل شىء، صدرت الأوامر أولًا بتقييد النيران، فى مشهد بدا غريبًا وسط توتر متصاعد، ثم امتلأت السماء فجأة بطائرات مصرية تعبر القناة على ارتفاع منخفض، لحظات من الذهول سبقت الحقيقة قبل أن يأتى الأمر الحاسم: النيران حرة، هنا فقط، أدرك الجميع أن الحرب بدأت وأن ما تدربوا عليه لسنوات صار واقعًا حيًا.

داخل أجواء الاشتباك لم يتوقف العميد درويش عند حدود التعليمات  بل بدأ يفكر كمهندس داخل المعركة كانت القواعد تقضى بإطلاق ثلاثة صواريخ لكل هدف لكنه قرر الانتظار حتى تدخل الطائرة منطقة التدمير المؤكد مستغلًا لحظة ضعفها أثناء المناورة، وقبل كل إطلاق، كان يردد فى يقين: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾، ثم يطلق الصاروخ بثقة كاملة، لم يكن ذلك مجرد أداء قتالى بل تحول إلى فلسفة جديدة داخل الاشتباك تقوم على الدقة بدل الكثافة وعلى التفكير بدل التكرار.

النتيجة جاءت لافتة ، عدد محدود من الصواريخ حقق إصابات كبيرة فى الطائرات المعادية وهو ما دفع إلى تعميم هذا الأسلوب لاحقًا داخل الوحدات، فيما يمكن وصفه بـ”اقتصاد النار”، أحد أبرز ملامح التطوير الميدانى الذى وُلد من قلب المعركة لا من صفحات الكتب.

فى تلك الأيام، كان حائط الصواريخ هو الدرع الحقيقية للعبور، الحصن الذى حمى القوات وهى تعبر إلى سيناء، وفرض معادلة جديدة على الطيران الإسرائيلى. 

لم يكن الأمر مجرد مواجهة عسكرية بل صراع عقول  كان فيه الابتكار جزءًا من السلاح.

وراء هذا المشهد القتالى، كانت هناك حكاية إنسانية لا تقل عمقًا، أسرة بعيدة لا تعلم شيئًا عن مصير ابنها، بعد أن تم تهجيرها عقب عام 1967، ربما ظنوا أنه لن يعود، لكنه عاد بعد النصر، ليبدأ حياة جديدة، تزوج عام 1974، وأنشأ أسرة وأنجب أبناءً وأحفادًا، حاملًا معه ذاكرة معركة لم تغادره يومًا.

 

تكريم المشير أحمد بدوى للعميد درويش
تكريم المشير أحمد بدوى للعميد درويش

 

واصل مسيرته العلمية والعسكرية، حتى حصل على دورة أركان حرب تخصص دفاع جوى وفى عام 1980 تم تكريمه من المشير أحمد بدوى  وزير الدفاع بعد حصوله على المركز الأول على الدورة فى لحظة جسدت تقديرًا حقيقيًا لعقل جمع بين العلم والميدان.

ورغم استدعائه لاحقًا لنقل خبراته إلى الأجيال الجديدة فإن إصابة فى العمود الفقرى حالت دون ذلك ليبقى حلمه معلقًا بأن يروى تفاصيل ما عاشه تلك التفاصيل التى لا تُكتب فى الكتب بل تُصنع فى قلب المعركة.

يقول بهدوء يحمل خبرة السنين: النصر ليس سلاحًا فقط، بل عقل يفكر وإيمان لا يتغير، وقدرة على التطوير فى أصعب الظروف.