الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

بين الهرمونات والضغوط

اكتئاب ما بعد الولادة العدو الصامت

«البكاء المستمر كان رفيقى، ولم أجد أى دعم من زوجي»، بتلك الكلمات عبرت «بسمه كل.ع»، 24 عامًا، عن رحلتها الصعبة ما مرض « اكتئاب ما بعد الولادة»، ففى الوقت الذى كانت تبحث فيه عن شريك لها فى رحلتها لتجاوز الأزمة النفسية التى تمر به، تخلى عنها الجميع وتركوها «فريسة» للأوهام، حيث بدأت الأزمة خلال الحمل، بمشاكل صحية منها التهابات شديدة وحصوات فى المرارة، اضطرتها لإجراء عملية استئصال المرارة، حتى وصل الأمر لاتهامها بـ«التمارض»، لكن بفضل الدعم الذى وجدته من والدتها عبرت الأزمة.



«بسمة» لم تكن قصة منفردة، بل هناك غيرها الكثيرات، اللائى يخضن «معارك» مع ذلك العدو الصامت، ففى حياة الكثير منهن، تبدأ القصة بحلم بسيط: «بيت مستقر، زواج هادئ، وطفل يملأ الدنيا بهجة»، لكن فى أحيان كثيرة لا تسير الأمور كما نتمناها، فبين دقائق انتظار المولود، ولحظة احتضانه، قد يتسلل مرض«اكتئاب ما بعد الولادة»، أزمة لا تُرى بالعين لكنها تُثقل القلب والعقل معًا.

أزمة تمر بها بعض السيدات فى أكثر أوقاتهن فرحا، فبعد أن تبدأ حياتهن الزوجية، مرورا بإنجاب أطفالهن، يحدث ما يسمى بتغير الهرمونات، والتى تسبب الإصابة بالاكتئاب ما بعد الولادة.

الأسباب الطبية

يقول الدكتور أمجد جبر، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر الشريف، إن هناك حالات اكتئاب تحدث فى بعض السيدات ما بعد الولادة، موضحًا أن نسبة كبيرة قد تصل إلى حوالى 70٪ من السيدات بعد الولادة يدخلن فى كآبة ما بعد الولادة.

 ويضيف أن الأعراض الخفيفة تمر بشكل طبيعى مع الدعم الأسرى من المحيطين، ومع الوقت تبدأ الأعراض فى التراجع، إلا أن بعض الحالات تتزايد فيها الأعراض حتى يتم تشخيصها كاكتئاب ما بعد الولادة.

ويرجع السبب، حسب قوله، إلى التغير السريع الذى يحدث فى الهرمونات بعد الولادة، حيث لا يستطيع المخ أحيانًا تحمل هذا التغيير المفاجئ، ما يؤدى إلى اضطراب فى التوازن الكيميائى للنواقل العصبية داخل الدماغ.

ويشير أستاذ الطب النفسى إلى أن الأعراض تبدأ فى اليوم الثالث أو بعد الأسبوع الأول من الولادة، وتزداد تدريجيًا حتى تصل إلى الذروة فى الأسبوع الثالث أو بنهاية الشهر الأول. وتتنوع الأعراض من حيث الشدة بين اكتئاب خفيف ومتوسط وشديد، حيث تظهر فى صورة وجدان حزين، أو نوبات بكاء بدون أسباب واضحة، وسرعة الاستثارة والعصبية أو النرفزة الشديدة.

كما تشمل الأعراض فقدان الشهية، واضطرابات النوم، وعدم القدرة على رعاية النفس أو المولود، بالإضافة إلى الشعور بالذنب المرضى، وصعوبة التركيز، وصعوبة العناية الذاتية. وفى بعض الحالات، قد تصل الأمور إلى امتناع الأم عن الأكل نتيجة شعورها بالذنب وعدم قدرتها على أداء دورها كأم، وقد تظهر أفكار انتحارية أو أفكار بإيذاء الطفل، وهو ما يمثل خطورة كبيرة تستدعى التدخل الفورى.

وعن طرق العلاج، يوضح الدكتور أمجد جبر أن العلاج يتم من خلال مضادات الاكتئاب، وهى أدوية يمكن إعطاؤها خلال فترة الرضاعة، مع مراعاة الحالة الصحية. وفى الحالات التى تمثل خطرًا شديدًا، قد يُنصح بإبعاد الطفل مؤقتًا عن الأم، أو تقديم الرضاعة تحت إشراف الأسرة، لضمان عدم تعرض الطفل للأذى.

كما أن بعض الحالات قد تستدعى الحجز فى المستشفى لفترة مؤقتة لحماية الأم والمولود، خاصة إذا كانت الحالة مصحوبة بأفكار ذهانية أو هلاوس، حيث يتم إعطاء أدوية مخصصة لهذه الأعراض.

عوامل نفسية واجتماعية

ومن زاوية أخرى، تشير الدكتورة بسمة سليم، إخصائية علم النفس الإكلينيكى وتعديل السلوك، إلى أن الأسباب لا تقتصر على التغيرات الهرمونية فقط، بل تشمل أيضًا عوامل نفسية واجتماعية.

وتوضح أن هرمونى الإستروجين والبروجسترون يصلان إلى أعلى مستوياتهما خلال فترة الحمل، ثم يحدث انخفاض حاد بعد الولادة، وهو ما يصاحبه تقلبات مزاجية تظهر فى صورة أعراض ما بعد الولادة.

وتضيف أن معدل انتشار هذه الحالات أصبح أكثر وضوحًا فى الوقت الحالى، مقارنة بالسنوات الماضية، حيث كانت الأسرة والأقارب يحيطون بالسيدة بعد الولادة، ويوفرون لها الدعم والمساندة، ما يقلل من احتمالات الشعور بالاكتئاب. أما الآن، خاصة مع السيدات المغتربات مع أزواجهن، فقد تجد السيدة نفسها بمفردها دون دعم، مع وجود مسئولية طفل جديد، وهو ما يزيد من حدة الأزمة.

وتؤكد ضرورة تفعيل دور التوعية من خلال الدورات التثقيفية والإرشاد النفسى داخل المستشفيات والوحدات الصحية، إلى جانب أهمية المتابعة مع إخصائى نفسى خلال فترة الحمل، للحد من الوصول إلى مراحل متقدمة مثل الأفكار الانتحارية.

كما تشدد على أهمية التوعية والجانب المعرفى للسيدة، لما له من دور كبير فى التعامل مع الحالة، بالإضافة إلى ضرورة تناول الفيتامينات، وممارسة الرياضة، والحصول على الدعم الأسرى، مع تجنب الضغط النفسى عليها.

وتلفت إلى أنه فى حال استمرار الأعراض لأكثر من أسبوعين، يجب التوجه إلى مختص، حيث يأتى دور الأسرة والمحيطين فى دعمها وتوجيهها للعلاج، مؤكدة أن وعى الأم الذاتى يلعب دورًا مهمًا فى تجاوز هذه المرحلة.

وتوضح أن الأعراض قد تأتى فى صورة العزلة، وفقدان الأمل، والإحساس المبالغ فيه بالمسئولية، إلى جانب فقدان الشهية أو الشراهة فى الأكل، واضطرابات النوم.

وتوجه رسالة إلى الأسرة، تؤكد فيها أن الفتاة تمر بمراحل متعددة من التغيرات الهرمونية بدءًا من المراهقة، مرورًا بالدورة الشهرية، ثم الحمل وما بعد الولادة، وهو ما يستدعى تفهم الأسرة لهذه التغيرات.

كما تشدد على ضرورة عرض السيدة على طبيب نفسى عند تفاقم الأعراض، مع أهمية وجود إخصائى نفسى فى كل مستشفى ووحدة صحية، لضمان تقديم الدعم فى سرية تامة ومنع تطور الحالة إلى أفكار انتحارية.

الدمج بين العلاج الدوائى والمعرفى

فى السياق ذاته، تؤكد الدكتورة دينا الجهينى، إخصائية أمراض النساء والتوليد، ضرورة رفع الوعى المجتمعى بالفروق بين «كآبة النفاس» و«اكتئاب ما بعد الولادة»، محذرة من الخلط بينهما، لما قد يسببه ذلك من تطور خطير فى بعض الحالات.

وتوضح أن «كآبة النفاس» حالة شائعة تصيب نحو 80٪ من الأمهات، وتظهر خلال الأيام الأولى بعد الولادة فى صورة تقلبات مزاجية وبكاء وتوتر، لكنها تختفى تلقائيًا خلال أسبوعين.

أما «اكتئاب ما بعد الولادة»، فهو اضطراب نفسى قد يستمر لعدة أشهر، ويتميز بفقدان الشغف، وصعوبة الارتباط بالطفل، واستمرار الأفكار السلبية، ما يستدعى التدخل الطبى الفورى.

وتشير إلى أن الأسباب ترجع إلى مزيج من العوامل، أبرزها الانخفاض الحاد فى هرمونى الإستروجين والبروجسترون، إلى جانب قلة النوم، والضغوط النفسية والاجتماعية، فضلًا عن دور العوامل الوراثية.

وتؤكد أن العلاج يشمل العلاج السلوكى المعرفى أو العلاج الدوائى تحت إشراف متخصص، بما لا يتعارض مع الرضاعة الطبيعية.

وتضع «الجهينى» خطة للوقاية تشمل بناء شبكة دعم اجتماعى، وتجنب العزلة، والتحدث عن المشاعر، والحصول على قدر كافٍ من النوم، وممارسة الأنشطة البدنية، والتعرض لضوء الشمس، مع تقبل التغيرات الجسدية والنفسية، وعدم السعى نحو الكمال.

تجارب واقعية

وبين الرأى الطبى والتجارب الواقعية، تظهر قصصًا حقيقية تعكس عمق هذه الأزمة.

تقول «إسراء. ع. م»، 28 عامًا، إنها تزوجت منذ 3 سنوات، وبعد رحلة علاج استمرت حوالى عام، كانت تتمنى أن يرزقها الله بالذرية ورغم معاناتها من تعليقات العائلة بسبب تأخر الإنجاب، إلا أن خبر الحمل كان بالنسبة لها بداية جديدة.

لكنها خلال فترة الحمل واجهت ضغوطًا ومشاكل عديدة، حتى فكرت فى الطلاق، ومع الولادة لم تتحسن الأمور، بل ازدادت الضغوط، إلى أن اكتشفت إصابتها بالاكتئاب، واستمرت حالتها نحو شهرين قبل أن تتحسن.

أما «دعاء ا.ج»، 32 عامًا، فتروى أنها عاشت 5 سنوات من الزواج، وأنجبت طفلين، لكنها عانت من مشاكل عائلية أدت فى النهاية إلى الانفصال، وخلال حملها الأخير، عاشت فترة طويلة فى بيت أسرتها بسبب الخلافات.

وبعد الولادة، لم تجد الدعم من زوجها، بل زادت الضغوط، ما أدى إلى إصابتها بالاكتئاب، لكنها لم تتمكن من زيارة طبيب نفسى بسبب نظرة المجتمع. وكان دعم شقيقها وخروجها للتنزه وزيارة الأقارب سببًا فى تعافيها.

وتحكى «مروة ر.ا»، 35 عامًا، عن تجربتها مع الاكتئاب، مشيرة إلى أن أغلب الحالات تظهر بعد الزواج، حيث عانت من كثرة النوم وفقدان الشهية والعزلة، نتيجة خلافات مالية بين زوجها وشقيقها، انتهت لاحقًا بعد تدخل كبار العائلة.

أما «بسمه كل.ع»، 24 عامًا، فتسرد رحلة صعبة، بدأت بمشاكل صحية خلال الحمل، منها التهابات شديدة وحصوات فى المرارة، اضطرتها لإجراء عملية استئصال المرارة.

وتؤكد أنها لم تجد الدعم من زوجها أو أسرته، بل تعرضت لاتهامات بالتمارض، حتى فى ولادتها القيصرية لم يتم توفير وسائل لتخفيف الألم، ما زاد من معاناتها النفسية.

وتضيف أن البكاء المستمر كان رفيقها فى تلك الفترة، إلى أن ساعدتها والدتها من خلال دعمها النفسى ومشاركتها تجاربها، حتى تمكنت من تجاوز الأزمة.