الخميس 25 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصر تتربع على عرش الطاقة النظيفة فى 2030

تمضي الدولة بخطى متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للطاقة النظيفة، مدفوعة برؤية طموحة تستهدف أن يصل نصيب الطاقة المتجددة إلى 45% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2028، في واحدة من أبرز التحولات الهيكلية فى تاريخ قطاع الطاقة، إذ أن هذ التوجه لا يأتي فقط استجابةً للمتغيرات العالمية المتسارعة في ملف الطاقة، بل يمثل أيضًا ركيزة أساسية لتعزيز الاستدامة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري — وهو مصدر طاقة قديم ومهم، لكنه غير متجدد — بما ينعكس بشكل مباشر على خفض فاتورة الاستيراد وتحقيق وفر سنوي يُقدَّر بنحو 7 مليارات دولار من الغاز الطبيعي.



وتستهل مصر عام 2026 بخطوة قوية نحو تحقيق مستهدفاتها، مع إعلان الحكومة إضافة قدرات جديدة من الطاقة المتجددة تصل إلى 2500 ميجاوات، في إطار خطة متكاملة لزيادة مساهمة مصادر الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة الوطني، لتعكس هذه الإضافات تسارع وتيرة تنفيذ المشروعات الكبرى، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما يعزز من قدرة الشبكة القومية على استيعاب إنتاج متزايد من الكهرباء النظيفة.

«شمس لا تغيب»

تُعد محطة بنبان للطاقة الشمسية أحد أبرز رموز التحول نحو الطاقة النظيفة، حيث تُصنَّف كواحدة من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم، وتمثل المحطة نموذجًا ناجحًا للشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وتُسهم بشكل فعال في تغذية الشبكة القومية بالكهرباء النظيفة، وتقليل الانبعاثات الكربونية.

«طاقة نووية مستدامة»

وفي إطار تنويع مصادر الطاقة، يأتي مشروع محطة الضبعة النووية كأحد أعمدة استراتيجية الطاقة، حيث يوفر مصدرًا مستقرًا ونظيفًا للطاقة على المدى الطويل، ويدعم استقرار الشبكة الكهربائية، خاصة مع التوسع في إدماج مصادر الطاقة المتجددة المتغيرة.

«بوابة إلى المستقبل»

ولا تتوقف طموحات مصر عند حدود الطاقة التقليدية والمتجددة، بل تمتد إلى آفاق أكثر تقدمًا عبر مشروعات الهيدروجين الأخضر، التي تمثل مستقبل الطاقة عالميًا، وتسعى مصر إلى أن تصبح مركزًا إقليميًا لإنتاج وتصدير هذا النوع من الوقود النظيف، مستفيدة من موقعها الجغرافي المتميز ووفرة مصادر الطاقة الشمسية والرياح.

«مزيج طاقة متوازن»

يعكس التوجه نحو تنويع مزيج الطاقة رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق التوازن بين مصادر الطاقة المختلفة، بما يعزز من أمن الطاقة ويقلل من المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية، حيث يؤكد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن الدولة تمضي بخطى متسارعة نحو تحقيق تحول استراتيجي في مزيج الطاقة، يستهدف الوصول إلى نحو %45 من إجمالي الإنتاج من مصادر الطاقة المتجددة، تشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية، وذلك بحلول عام 2030. ويوضح أن مصر تمتلك مقومات قوية في مجال طاقة الرياح، مع تنفيذ مشروعات في مواقع واعدة، مثل: جبل الزيت، إلى جانب مشروعات «أبيدوس 1 و2»، مؤكدًا أن البنية التحتية المتطورة تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية، ما يدعم جهود الدولة لاحتواء أزمة الغاز، ناهيك عن أن إنتاج مصر من الغاز يبلغ نحو 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل احتياجات تصل إلى 7 مليارات قدم مكعب، بعجز يُقدَّر بنحو 3 مليارات قدم مكعب، متوقعًا أن يسهم التوسع في الطاقة المتجددة في تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال عام.

«الصحراء الغربية»

وفيما يتعلق بالطاقة الشمسية، يشير إلى أن محطة بنبان للطاقة الشمسية تمثل نموذجًا عالميًا ناجحًا، حيث تُعد من أكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم باستثمارات تُقدَّر بنحو 2.5 مليار دولار، وبقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 2.3 جيجاوات، إلى جانب مشروعات أخرى يجري تنفيذها في مناطق مختلفة، خاصة في الصحراء الغربية.

وعلى صعيد الطاقة النووية، يلفت راغب إلى أن محطة الضبعة النووية، التي تُنفذ بالشراكة مع روسيا، تمثل خطوة محورية نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، موضحًا أنه من المتوقع بدء الإنتاج خلال الفترة المقبلة بقدرات تصل إلى نحو 800 ميجاوات في المرحلة الأولى، مشيدًا بجهود الدولة في إعداد الكوادر البشرية من خلال إنشاء مدارس متخصصة بالتعاون مع شركاء دوليين، على غرار التجربة الفرنسية التي ضخت استثمارات تتجاوز 80 مليار دولار في الطاقة النووية.

«الألواح الشمسية»

ويوضح أن الشبكة القومية للكهرباء أصبحت قادرة على استيعاب قدرات تصل إلى نحو 2000 جيجاوات، في ظل الشراكات مع شركات عالمية مثل «سكاتيك» النرويجية، مشيرًا إلى أن البنية التحتية شهدت تطويرًا كبيرًا يجعلها مؤهلة لاستيعاب التوسع في إنتاج الطاقة، مختتمًا بالتأكيد أن مصر تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتصدير الطاقة النظيفة، من خلال مشروعات الربط الكهربائي، وعلى رأسها الربط «المصري – السعودي»، إلى جانب مشروع الربط «المصري – الإيطالي» الجاري دراسته وتنفيذه عبر كابلات بحرية بقدرة تصل إلى 3 جيجاوات، بما يعزز من دور مصر كمحور إقليمي للطاقة في المنطقة.

وفي ظل تسارع التحول نحو الطاقة النظيفة، يؤكد الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة، أن مصر تمضي بخطوات محسوبة وطموحة لتعزيز قدراتها في مجالات الطاقة المتجددة، مع تحقيق توازن دقيق بين الطموح والواقعية الزمنية للمشروعات.

وفي السياق الاستراتيجي، يلفت إلى أن الهدف السابق كان الوصول بنسبة الطاقة النظيفة إلى 42% من إجمالي إنتاج الكهرباء بحلول عام 2030، موزعة بين 30% من مصادر متجددة، مثل: الشمس والرياح، و12% من الطاقة النووية، ورغم أن الطاقة النووية تمثل ركيزة مهمة في مزيج الطاقة، فإن مساهمتها ستتدرج زمنيًا، مع توقع بدء تشغيل أول وحدة في أواخر عام 2028.

«رؤية أكثر جرأة»

من هنا، فإن رفع سقف الطموح إلى 45% من الطاقة المتجددة بحلول 2028 يعكس رؤية أكثر جرأة، لكنه يتطلب تسريع وتيرة التنفيذ وزيادة مساهمة المصادر المتجددة بنحو 15 نقطة مئوية خلال فترة قصيرة، وهو تحدٍّ قابل للتحقق في ظل النجاحات السابقة والخبرات المتراكمة.

وضرب سلماوي مثالًا ناجحًا بمحطة بنبان للطاقة الشمسية، التي أصبحت نموذجًا استثماريًا رائدًا على مستوى الدول النامية، وحظيت بإشادة من المؤسسات الدولية بفضل وضوح التشريعات، وتوافر آليات التمويل، والتوزيع المتوازن للمخاطر بين الدولة والمستثمرين، ويُقصد بتوزيع المخاطر هنا تحديد مسئوليات كل طرف بشكل عادل، بما يقلل من احتمالات الخسارة ويشجع على ضخ الاستثمارات. ووفقًا لاستراتيجية الطاقة في مصر، يقول إن البلاد تحتاج إلى إضافة نحو 25.7 جيجاوات من القدرات الشمسية بحلول عام 2040 «الجيجاوات: وحدة لقياس القدرة الكهربائية تعادل مليار وات»، ما يعادل إنشاء نحو 18 مشروعًا بحجم بنبان، الأمر الذي يعكس حجم الفرص الاستثمارية الكبيرة في هذا القطاع، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تطورًا في نماذج الاستثمار، من خلال التحول من نظام «تعريفة التغذية» إلى «المزايدات العكسية».

«الوقود الأحفوري»

وفيما يتعلق بالطاقة النووية، يوضح أن محطة الضبعة النووية ستبلغ قدرتها الإنتاجية نحو 4800 ميجاوات، مع إنتاج سنوي يُقدَّر بنحو 35 مليار كيلوواط/ساعة، وهي وحدة قياس لكمية الطاقة المنتجة، ومن المتوقع اكتمال تشغيلها بحلول 2030، لتسهم بنحو 12% من إجمالي الكهرباء في مصر.

ويتابع: تحمل المحطة أهمية استراتيجية كبيرة، إذ تسهم في تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، كما توفر ما يُعرف بـ «القدرة المستقرة» أو «القدرة الدوّارة»، وهي قدرة توليد مستمرة تدعم استقرار الشبكة الكهربائية، وتكمن أهميتها في تعزيز ما يسمى بـ «القصور الذاتي للشبكة»، وهو عامل يساعد على الحفاظ على استقرار التردد الكهربائي «50 هرتز» عند حدوث أي اضطرابات مفاجئة.

ويختتم سلماوي بالتأكيد أن مشروع الضبعة لا يمثل فقط إضافة لقدرات التوليد، بل خطوة استراتيجية نحو امتلاك تكنولوجيا نووية متقدمة، بما يفتح آفاقًا واسعة لنقل المعرفة وبناء كوادر فنية وصناعية قادرة على قيادة هذا القطاع الحيوي مستقبلًا، إذ تمثل المحطة خطوة مهمة نحو دخول مصر مجال التكنولوجيا النووية المتقدمة، وهو قطاع لا يزال محدود الانتشار عالميًا، بما يفتح آفاقًا لنقل المعرفة وبناء قدرات فنية وصناعية متقدمة على المدى الطويل.

إلى ذلك، يرى الخبراء أن التوجيهات الحكومية تمثل نقطة انطلاق حقيقية نحو تعميم استخدام الطاقة المتجددة في مختلف القطاعات، وأن القرار الحكومي لم يكن مجرد إجراء إداري، بل خطوة استراتيجية تحمل أبعادًا اقتصادية وبيئية عميقة، في ظل ضغوط متزايدة على موارد الطاقة التقليدية، وارتفاع فاتورة استيراد المنتجات البترولية التي تلامس 20 مليار دولار سنويًا.

«تحقيق عوائد سريعة»

ويتفق الخبراء على أن تنفيذ توجيهات الحكومة يتطلب استثمارات تتجاوز 40 مليار دولار، لكنها في المقابل تحقق عوائد سريعة، من خلال خفض استهلاك الوقود وتقليل الضغط على العملة الأجنبية، مؤكدين أن البترول والغاز سيظلان جزءًا من مزيج الطاقة خلال المرحلة الانتقالية، خاصة مع استمرار الاكتشافات الجديدة، لكن الاعتماد عليهما سيتراجع تدريجيًا لصالح المصادر النظيفة.

في هذا السياق، يؤكد الدكتور محمد صلاح السبكي، الرئيس التنفيذي الأسبق لهيئة استخدام الطاقة الجديدة والمتجددة، أن التوجه نحو الطاقة الجديدة والمتجددة لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بمستقبل الاقتصاد المصري، وقدرة الدولة على تحقيق الاستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

«السبكي» يشير إلى أن الدولة وضعت أسس التحول الطاقي منذ عقود، من خلال حزمة متكاملة من التشريعات، بدأت بالقانون رقم 102 لسنة 1986 بإنشاء هيئة تنمية واستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة، مرورًا بقانون البيئة رقم 4 لسنة 1997، وقوانين الاستثمار وتنظيم مرفق الكهرباء.

وشهد عام 2014 طفرة تشريعية مهمة، مع صدور القانون رقم 203 لتنمية إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة، إلى جانب إطلاق نظام تعريفة التغذية الكهربائية، الذي شجع القطاع الخاص على الدخول بقوة في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح.

«اتجاهات عالمية»

ويوضح «السبكي» أن المجلس الأعلى للطاقة أطلق استراتيجية الطاقة المتكاملة والمستدامة منذ عام 2015، وتم تحديثها مرات عدة، كان آخرها في أغسطس 2024، مع تسريع تنفيذها خلال عامي 2025 و2026، وتستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء إلى 42% بحلول عام 2030، على أن تتجاوز 60% بحلول عام 2040، ما يعكس طموحًا كبيرًا يتماشى مع الاتجاهات العالمية.

وبشأن السنوات الأخيرة، فيشدد على أنها شهدت تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى في مجال الطاقة المتجددة، أبرزها محطات الطاقة الشمسية العملاقة ومزارع الرياح، إلى جانب مشروعات قيد التنفيذ وأخرى مخطط لها ضمن الإطار الزمني للاستراتيجية، مشيرًا إلى أن التوسع في هذه المشروعات يسهم في تعزيز أمن الطاقة، وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء، مع الحفاظ على الموارد البترولية للاستخدامات ذات القيمة الأعلى.

ويطرح «السبكي» مجموعة من الحلول العملية لتقليل فاتورة استهلاك المنتجات البترولية، تشمل: التوسع في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، والاعتماد على معدات وتكنولوجيا عالية الكفاءة، ودعم التحول نحو الأنظمة اللامركزية في إنتاج الطاقة.

«شمس مصر»

وتتلاقى هذه الرؤية مع ما طرحه المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، حيث يؤكد أن مبادرة «شمس مصر» تمثل حلًا وطنيًا متكاملًا لدعم التحول نحو الطاقة النظيفة، من خلال حوافز اقتصادية وتشريعات مرنة وتمويل ميسر، منوهًا إلى أن مبادرة «شمس مصر» تمثل ترجمة عملية لتوجيهات الحكومة، حيث تستهدف نشر محطات الطاقة الشمسية اللامركزية في القطاعات المختلفة، مؤكدًا أن نجاح هذه الرؤية يرتبط بتوفير حوافز اقتصادية واضحة، مثل: الإعفاءات الضريبية والجمركية، إلى جانب استقرار التشريعات بما يضمن جذب الاستثمارات.

ويشدد حاتم توفيق، نائب رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية، على أن مبادرات الحكومة تحتاج إلى دعم مالي مرن، من خلال برامج تمويل ميسرة وفترات سداد طويلة، بما يسهم في تسريع تنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية، مقترحًا إنشاء صندوق لدعم التحول الطاقي، لضمان استدامة التمويل وتحقيق الأهداف الاستراتيجية، مؤكدًا أهمية التمويل في تسريع تنفيذ المشروعات، إلى جانب دعم توطين الصناعة وخلق فرص عمل مستدامة.