الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

المخرج محمد الصغير فى حوار لـ«روزاليوسف»: كلاسيكيات شكسبير منحتنى مرونة فى اللعب بــ«الكوميديا دى لارتى»

المخرج محمد الصغير
المخرج محمد الصغير

حوار- هند سلامة



الساخر الصغير الذى تمكن من اكتشاف ملكاته فى السخرية والتهكم منذ نعومة أظافره.. من اللعب بالنكتة إلى السخرية بالنقد والمحاكاة على من حوله تارة يحاول تقليد الجيران ثم الحيوانات، ومع تقدم العمر أصبح أكثر وعيًا بفن التقليد ليبدأ فى تقليد إسماعيل ياسين ومحمد عبد الوهاب، من هذه الملكات بدأ يرسم المخرج محمد الصغير ملامح عالمه بفن الكوميديا، هجر فيها الشكل التقليدى وانتهج من النقد والسخرية عقيدة بأعماله، لتفتح له «الكوميديا دى لارتى» عالمًا أرحب وأوسع مما كان يظنه عن صناعة الضحك قال محمد الصغير فى هذا الحوار.. 

■ يعتمد عملك فى الكوميديا على فن الارتجال أحد أهم العناصر بـ” الكوميديا دى لارتى” كيف كانت بدايتك معه؟

- فى نفس سنة الالتحاق بالمعهد توجهت للاشتراك بالدفعة الأولى من ورشة مركز الإبداع الفنى مع الأستاذ خالد جلال وهو ملك فن الارتجال تعلمت خلال هذه الورشة الكثير، لأن الدفعة نفسها كانت غنية بمجموعة من المواهب الفذة فى هذا المجال كما أن خالد جلال ينتقى الأشخاص القادرين على لعب الارتجال بمهارة واحتراف.

■ هل هناك محددات أو مواصفات لممارس هذا الفن؟

- الارتجال يحتاج إلى خيال وسرعة بديهة، أن يمتلك الممثل القدرة على التعامل مع أى موقف يحدث له على الهوا أثناء مواجهة الجمهور، كيف يتمكن من الدخول والخروج فى الشخصية والعرض بسهولة، لذلك من لديهم القدرة على التفوق بالارتجال قليلون للغاية، مثلًا فى مسرح مصر حمدى الميرغنى هو الأمهر فى هذا الفن يشبه الفنان سمير غانم.

■ بعد احترافك التمثيل بالجامعة كيف اكتشفت نفسك بمجال الإخراج؟

- الفضل يعود للنجم سامح حسين هو السبب فى توجهى نحو الإخراج واكتشاف أشياء فىَّ لم أكن أعلمها، وقتها كان المخرج إسلام إمام سيقوم بإخراج عرض بكلية الآثار وسامح حسين كان يدعمه فى عروضه بالجامعة، لكن إسلام اعتذر لارتباطه بالسفر إلى بعثة الأكاديمية المصرية بروما رشحنى وقتها أحد الزملاء، وسامح حسين قال لى أننى أرى فيك مخرجًا لديك حس وحساسية من نوع خاص، كان يرى أن لدىَّ خيالًا مختلفًا يستحق أن استغله بالإخراج، قدمت تجربة بشرط ألا تزيد على ساعة أو نصف الساعة كنت قد قرأت «الغريب» لمحمود دياب ورأيت فيها كوميديا موقف ملفتة للغاية.

■ متى اكتشفت عالم الكوميديا دى لارتي؟

- عندما سافرت إلى المغرب مع الجامعة بعرض «أرض لا تنبت الزهور» للمخرج شادى سرور، نجح هذا العمل نجاحًا كبيرًا بعد حصولنا على المركز الأول على مستوى الجمهورية، سافرنا المغرب للمشاركة بمهرجان المسرح هناك، شاهدت عددًا كبيرًا من العروض, تقدم «الكوميديا دى لارتي» ممثلين يلعبون مع الجمهور بالأقنعة وبلا ديكور شغل مصنوع بالأقمشة، انجذبت لهذا النوع من الفن الساحر ولم أكن مطلعًا عليه قط، وجهنى أصدقائى لقراءة مجموعة من الكتب عن هذا الفن, ثم تحدثوا معى عن مدارسه، بدأت تمتزج خبراتى مع القراءة فى فن الارتجال بالدراسة فى ورشة مركز الإبداع حيث قدمنا «هاملت» فى إطار كوميدى ساخر لعبت فيه دور الكلاون كانت رؤية جديدة ومجنونة لمسرحية «هاملت».

■ لماذا توجهت إلى تحويل كلاسيكيات شكسبير واللعب فيها بـ” الكوميديا دى لارتى”؟

- هناك عروض متعددة شاركت بالمهرجان التجريبى قدمت «هاملت» بالكلاون، والكثير من الأعمال الإنجليزية سخرت من وليم شكسبير بأكثر من منهج، أما بالنسبة لى فكانت النقلة الكبرى بعرض «روميو وجوليت» عام 2008 الذى قدمته مع فريق كلية الحقوق جامعة عين شمس فى «روميو وجوليت» قدمت أكثر من مدرسة جمعت مناهج متعددة لأننى لم أكتف بالقراءة بل شاهدت عروضًا، وشاركت فى إحدى الورش التى أقيمت بالقاهرة عن فن «الكوميديا دى لارتى» لفرقة إيطالية جاءت مصر كى تعرض يومين، نجم الفريق قدم ورشة يشرح فيها طريقة وتكنيك اللعب بالجسد فى «الدى لارتى»..

■ كيف حولت هذه المأساة إلى مسخرة؟

- عندما قرأت «توم هورجان» رأيت أن تكنيك العمل بـ” الدى لارتى” يعتمد على السخرية بالأساس وعلى «الجروتسيك» التشويه المبالغ فيه، وبالتالى روادتنى فكرة أن السخرية من شىء قاتم أقوى من السخرية على ما كُتب للكوميديا بالأساس بمعنى أننى جربت العمل على «موليير» أو «خادم سيدين» وهو نص كُتب للكوميديا دى لارتى، لكننى لم أشعر أننى سوف أخرج منها بما أريد، بينما التراجيديا تمنحنى رؤية ساخرة بشكل أعمق وأقوى كثيرًا، وجدت أن «روميو وجوليت» قريبة جدًا بما يراودنى عنه خيالى حول الكوميديا، الـ«دى لارتى» حدوتة بسيطة، وهنا نحن أمام قصة حب مأساوية لأننى عادة أسخر من القصص شديدة الرومانسية، وبالتالى كان مغريًا بالنسبة لى تقديمها بهذا الشكل فككت العرض بصورة ساخرة عكس صورته الأصلية، ولأنهم طلبة جامعة وحديثى العهد بهذا الشكل فى اللعب بالكوميديا قمنا بعمل ورشة لمدة ثلاثة أشهر، حتى يفهمون اللعبة ويسهل عليهم الاندماج، بدأت فى توجيههم كيف نصنع الضحك من الجد بإعادة رسم كل شخصية ووضع لازمة صوتية وحركية لها, وبالتالى أشخاص مثل حمدى الميرغنى وأنور المعتادين على الكوميديا اللفظية لم يستمران بالعرض واعتذرا عنه.

■ هل الكوميديا دى لارتى تحتاج لكوميديان من نوع خاص؟

- تحتاج إلى ممثل من نوع خاص وليس شرطًا أن يكون كوميديان بالأساس لأننا هنا نصنع الضحك من الجد.

■ وما الفارق؟

 - التراجيديان يصدق دوره ويلعبه بجهد شديد، بينما الكوميديان لو لم يصدق ما نفعله وانقلب الأمر لديه أن المسألة مجرد هزار حول روميو وجوليت سيخرج الموضوع بشكل أضعف من الممثل الذى يرى جدية ما يقوم به، لذلك فى عرض «السيرة الهلامية» ستجدين مصطفى سعيد هو الأقوى من بينهم لأنه شديد الجدية والصدق فى التعامل مع دوره، وفى هذا العرض أيضًا بذلت جهدًا كبيرًا حتى يدخل الممثلون معى فى خيال الشخصيات بدأت استغل تمارين حرفية الممثل مثل الشغل بالمرايا وظفته بالدراما.

 ■ كيف استقبل الجمهور «روميو وجوليت»؟

- عرضت أول مرة بمهرجان الجامعة ووقتها كان الأبطال يبكون من صعوبة العرض، وهناك تفاصيل فُقدت لأننى أدخلت الكثير من شغل الإيقاعات بالعمل، يومها استدعانى رئيس لجنة التحكيم للتحدث معى عن هذا الشكل الجديد الساخر الذى قدمت عليه العرض وطلب منى أحد الأعضاء تسجيلًا للعرض حتى يقوم بتدريسه للطلاب بالمعهد، دمجت مدارس تمثيل فى مزيج واحد لعبت بنمط التمثيل فى الـ” دى لارتى” مع منهج «جروتوفسكي» فى عمل الديكوروالإيقاع بأجساد الممثلين كل هذا جمعته ومزجته فى عرض واحد، ووقتها حصل العرض على جائزة أفضل عمل مناصفة مع المخرج خالد جلال بالمهرجان القومى للمسرح وحصلت على أفضل مخرج صاعد.

■ ما المعنى الذى أردت تقديمه بالسخرية من مآسى وليم شكسبير؟

- فى «روميو وجوليت» كان الهدف السخرية من قصة الحب والعادات والتقاليد لم أحذف شيئًا من النص على العكس قدمت نفس الكلام، واستفدت وقتها من تقديم الدكتور سناء شافع لنفس العمل بشكل كلاسيكى فأصبح الجمهور يقارن بين العرضين، جيل يسخر من الرومانسية وآخر يحتفظ بها، ثم قدمت «ماكبث» بنفس الأسلوب, لكن لعبت على الصراع على العرش، شاركنا بالقومى ونافسنا على أفضل عرض، وقسمت ماكبث إلى شخصين واحد شرير والآخر الجزء الإنسانى فيه.

■ وماذا عن «السيرة الهلامية»؟

- «هاملت».. تعمدت النيل بالسخرية من كل القواعد والبطل التراجيدى الذى ينتقم، البطل فى السيرة الهلالية هو البطل المعروف أبو زيد الهلالى، بينما البطل هنا هلامى ليس له حضور قوى، هوجمت بشدة بسبب الشكل الذى قُدم عليه العرض, الكثيرون لم يفهموا ما وراء هذه السخرية والمعانى التى أردنا الإشارة إليها, بينما شجعتنى وقتها الدكتورة منى صفوت قالت: إننى أقدم شيئًا عظيمًا، هناك فرقة فى فرنسا تدعى «الكيتش» تسخر من أى شيء وكل شيء بلا هدف وشجعتنى على الاستمرار، وكذلك قدمت «لير» فى الفلاحين دى لارتى كوميدى وركزت فيها بشكل أكبر على عقوق الوالدين، ميزة وليم شكسبير أنه مرن فى تحويله يمنحنا مساحة وشخصية واضحة تمكنك من إخراج ما بداخلها.

■ من خلال هذه الأعمال الكلاسيكية الناجحة صنعت لنفسك منهجًا خاصًا لماذا توقف هذا المشروع ولم تستكمله؟

- لدىَّ إحباطات عديدة للأسف، خشيت أن يحصرنى الناس فى هذا الشكل ولا يرون أننى أستطيع تقديم أنماط مسرحية أخرى, وهو ما حاولت إثبات عكسه فيما بعد بأكثر من عمل، كما أن هذا المشروع مرهق للغاية يحتاج دائمًا رحلة من البحث لاكتشاف رؤى وزوايا جديدة نعيد تقديم وقراءة هذه النصوص من خلالها، كان حلمى تأسيس فرقة بينما حتى يتحقق هذا فى ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة شيء مرهق يحتاج إلى نظام كامل ومكان مخصص للتدريب والعمل لأن هذه النوعية من الأعمال تحتاج إلى تدريب مستمر.

■ قدمت «شيزلونج» وهى نمط آخر من الكوميديا مغاير للـ” دى لارتى”؟

- «شيزلونج» كانت نقلة أخرى، لأنه ارتجال أيضًا بينما من واقع الحياة، شارك فى بطولته وقتها مصطفى خاطر، وأنور وحمدى الميرغني.. اخترعت لهم شخصية «زيطة وزمبلايطة» هما شخصيتان كارتونيتان تعلقان على الأحداث بشكل ساخر فى مساحة من الارتجال،  قدمنا العرض قبل الثورة ثم بعد الثورة أصبح ساخنًا وأعلى كثيرًا لأنه كان مواكبًا للأحداث اليومية، فى النهاية أفضل كوميديا صناعة الضحك بالحركة والصورة أعلى وأقوى من الأفيه اللفظى لا أميل للأفيه اللفظى فى العمل على الإطلاق..