السبت 6 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد
مختار نوح الذى أعرفه

مختار نوح الذى أعرفه

مختار نوح ليس هو ذلك الاسم الذى تتقاذفه الحكايات، ولا تلك الصورة التى شوّهها الإخوان، بل هو إنسان عرفته عن قرب، فرأيته كما لا يُرى فى عيون الناقمين عليه، ولا حتى المحبين له، فقد رأيت مختار الذى يجهلونه، رأيته قلبًا يسبق خطاه، وعقلًا لا ينحني، وروحًا تأبى أن تُختزل فى شعار أو تُحبس داخل إطار.



هذا هو مختار نوح الذى لم يكن يومًا صدى لغيره، ولا تابعًا فى قافلة، بل كان دائما صاحب نبرة خاصة، حتى حين سار بين الجموع، كان رجلًا إذا تحدث شعرت أن كلماته خرجت تنبض بالحياة من تجربة لا من محفوظات، وإذا اختلف لم يخاصم، وإذا آمن بشيء مضى إليه ولو سار وحده.

عرفته صادقًا حد القسوة على نفسه، نقيا حد الاصطدام بما حوله، لا يُجيد المواربة ولا يرضى بأنصاف المواقف. كان يرى الحياة أوسع من أن تُختصر فى تنظيم، وأعمق من أن تُقاس بالولاء، فاختار أن يكون وفيا لما يعتقد، لا لما يُملى عليه.

لم تكن تجربة مختار نوح داخل جماعة الإخوان مجرد محطة عابرة فى سيرة رجل، بل كانت اختبارا حقيقيا لفكرة كبرى: هل يذوب الإنسان فى التنظيم، أم يظل التنظيم مجرد إطار يخضع لقيم الإنسان وضميره؟

انضم مختار نوح إلى الجماعة عام 1979، بعد اقتراب فكرى سبق ذلك بسنوات. لكن دخوله لم يكن دخول التابع، بل دخول صاحب الشخصية المستقلة. لم يخلع ذاته عند الباب، ولم يقبل أن يُعاد تشكيله وفق القوالب الجاهزة. ظل كما هو: مثقفًا واسع الأفق، محبا للفن، عازفًا للعود، دارسا للمقامات الموسيقية، مؤمنا بأن الجمال جزء من الإيمان، وأن الإنسان لا يكتمل إلا بتوازنه بين العقل والروح والوجدان.

هذه الاستقلالية لم تكن ترفا شخصيا، بل انعكست فى مسيرته المهنية والحقوقية. فقد نذر نفسه لقضايا الحريات، وترافع عن المظلومين بلا أجر، معتبرًا أن العدالة ليست مهنة تُمارس، بل قيمة تُصان. وفى نقابة المحامين، حيث لم يكن للجماعة حضور يُذكر، استطاع أن يؤسس لها وجودًا مؤثرًا، وينقلها من الهامش إلى قلب الفعل النقابي، وليته ما فعل، فقد كان لا يدرى وقتها أن شجرة الإخوان خبيثة، وأنها تحوِّل الفرد الإخوانى إلى مسخ مشوه، ولكنه عرف ذلك حين رأى المسوخ تتكالب عليه.

نعم لم تكن الإشكالية الجوهرية فى البدايات، بل فى المسار، فمع مرور الوقت، بدأت تتكشف أمامه تناقضات لا يمكن التعايش معها: أخطاء تُرتكب باسم الدعوة، وقرارات تُبرر تحت لافتة التنظيم، وممارسات تمس الوطن قبل أن تمس الخصوم. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل يمكن إصلاح الخلل من الداخل، أم أن بعض البُنى تُعيد إنتاج أزماتها مهما حسنت النوايا؟

ظن مختار نوح، فى البداية واهما أن الإصلاح ممكن. وأن العمل من داخل الجماعة قد يُعيدها إلى جادة الصواب، لكنه اصطدم بواقع مختلف: تنظيم يميل إلى تبرير أخطائه، ويضيق بالنقد، ويُقدّم الولاء على الكفاءة، والانتماء على المصلحة الوطنية.

وجاءت اللحظة الفاصلة مع واقعة اللقاء الإخوانى الذى عُقد فى النادى السويسرى بإمبابة مع عدد من السفراء الأجانب. بالنسبة له، لم يكن الأمر مجرد خطأ سياسي، بل تجاوزا يمس مفهوم السيادة الوطنية ذاته. وهنا لم يعد الخلاف تنظيميا، بل تحوّل إلى مسألة مبدأ.

فكتب إلى مأمون الهضيبى معتذرا عن الاستمرار فى الجماعة، فى محاولة أخيرة لفتح باب المراجعة. لكن الرد لم يتجاوز حدود التهدئة الشكلية، دون معالجة جذرية للأزمة، ثم جاءت واقعة أخرى كشفت عمق الخلل: حين صرّح، فى حوار صحفى بأنه سيختار فى أى انتخابات نيابية المرشح الأكفأ حتى لو كان من الحزب الوطني، فى مواجهة مرشح إخوانى يفتقد الكفاءة أو النزاهة. هذا التصريح، الذى يبدو بديهيا فى أى سياق ديمقراطي، اعتُبر داخل التنظيم خروجا عن الصف، فتم استدعاؤه للتحقيق. والمفارقة أنه لم يُستدعَ لمناقشة الوقائع التى أثارها عن اجتماع الاخوان بسفراء أوروبا فى النادى السويسري، بل لمحاسبته على رأى عبّر عنه. وهنا تتجلى طبيعة الأزمة: حين يتحول الرأى إلى تهمة، والنقد إلى جريمة، يصبح بقاء الإنسان داخل هذا الإطار انتقاصا من حريته قبل أن يكون اختلافا سياسيا وسُحب منه ملف المحامين، فى إشارة واضحة إلى أن المسألة لم تعد حوارا، بل إقصاء. عندها حسم موقفه، وأعلن استقالته، محافظا على ما هو أهم من أى موقع: استقلاله وكرامته.

لكن الخروج من التنظيم لم يكن نهاية الصراع، بل بدايته. فقد تعرض لحملات تشويه واغتيال معنوي، فى محاولة لشيطنة صورته أمام جمهور الإخوان وأمام الرأى العام. وهى ممارسة تكشف، فى جوهرها، عن أزمة أعمق، وهى عجز الإخوان عن تقبل الاختلاف، أو الاعتراف بخطأ.

ورغم ذلك، لم ينزلق مختار نوح إلى دائرة الرد بالمثل. لم يُسخّر قلمه لتصفية حسابات، بل التزم بخط واحد، كشف ما يراه حقيقة، دون مبالغة أو ادعاء، فهذه أيها الإخوان بضاعتكم الفاسدة، وتحذير الشعب منها ضرورة إيمانية ووطنية.

لقد اختار مختار نوح أن ينحاز إلى ضميره، حتى لو دفع ثمنًا باهظا من سمعته وراحته. وهذا الاختيار، فى ذاته، هو جوهر الحكاية.

وحين أكتب عنه اليوم، فإن السؤال الحقيقى ليس: لماذا ترك الجماعة؟ بل: كيف استطاع أن يحتفظ بنفسه داخلها، ثم يخرج منها دون أن يفقدها؟

تلك ليست سيرة رجل فقط، بل حُجة قائمة: أن الضمير، حين يستيقظ، لا يقبل المساومة.