الثلاثاء 23 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

قراءة فكرية فى كتب وشهادات أفوكاتو الإرهابية المنشق

مختار نوح: العنف لم يكن «عرضًا» إخوانيًا بل حتمية لأفكار سيد قطب

مختار نوح
مختار نوح

تعد مؤلفات وشهادات ومراجعات المحامى والنقابى المنشق عن جماعة الإخوان مختار نوح «رؤية» كاشفة للتنظيم الإرهابى، حيث استطاع من خلالها تفكيك الأطروحات المركزية لأبناء البنا وتقديم «نقد» حقيقى من داخل صناديق الجماعة السوداء ليس بلسان الخصم، لكن بلسان العضو الذى فهم وأدرك تطرف الأفكار وفساد المنظومة.



 فمؤلفه الموسوعى «العنف فى الحركات الإسلامية.. 50 عامًا من الدم» ليس مجرد سرد، لتاريخ التطرف والعنف داخل الجماعات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان، بل تشريح فكرى للدين الذى حوله الإخوان لأداة لتحقيق غايتهم وبرنامجهم السلطوى، كما طرحت الموسوعة إشكالية التنظيم الذى يقدس الأشخاص أكثر من «الأفكار» وتطويع النصوص الدينية لخدمة القرار السياسى للمرشد، والذى حول الجماعة إلى مؤسسة شمولية ترفض النقد.

كما تشرح الموسوعة بنيوية فكرة «تسييس الدين» وتحولها إلى أداة للقتل، ويرصد التحولات داخل الجماعة من «الدعوة» إلى «الصدام»، بداية من حقبة السبعينيات التى شهدت صعود الجماعات الراديكالية كمجوعة الفنية العسكرية وجماعة التكفير والهجرة وصولًا إلى ذروة العنف فى التسعينيات، وانتهاءً بما جرى بعد ثورة 30 يونيو 2013. 

​ويؤكد «نوح» فى موسوعته أن العنف لدى الإخوان ليس «عرضًا جانبيًا»، بل هو نتيجة حتمية لأدبيات متطرفة تعتمد على عزل المجتمع وتكفيره، وأن «المظلومية» لدى الإرهابية مبرر لاستباحة الدماء، وأن الشباب مجرد أداة استغلال للقيادات للزج بهم فى مواجهات خاسرة مع الدولة والمجتمع، وأن مشكلة الجماعة الكبرى هى تحويل الدين من «رسالة أخلاقية» إلى «برنامج سلطوى».

​كما اعتبر أن جذور العنف ليست رد فعل بل هى متأصلة فى فكر «الحاكمية» وسيد قطب وأن الجماعات المسلحة وعلى رأسها الجهاد والجماعة الإسلامية هى «تطور طبيعى» وليست «انحرافًا مفاجئًا» عن فكر الإخوان الذى ينقسم العنف لديهم إلى قسمين الأول التفجيرات والاغتيالات والثانى العنف الرمزى القائم على تكفير المجتمع وتخوين المخالفين، والاستعلاء بالإيمان.

​ كما تطرق «نوح» ​من خلال شهاداته إلى ​اقتصاديات الجماعة واختراق النقابات المهنية وكيف تُدار الموارد المالية وكيف يستخدم «المال السياسى» لضمان الولاء، مما حول الحركة الدعوية إلى «إقطاعية اقتصادية» وكيف استطاع الإخوان اختراق النقابات المهنية وخاصة الأطباء والمحامين وكيف كان هدفهم تحويل تلك النقابات إلى «أدوات ضغط» سياسية، وهو ما سماه «تسييس المهنيين»، وأن الجماعة كانت تموج بالصراعات المالية والقيادية، وأن الشعارات الدينية كانت دائما غطاءً لصراعات نفوذ شخصية، وأن «السمع والطاعة» داخل الجماعة يتم استخدامه لإلغاء عقل الفرد لصالح «مكتب الإرشاد»، كما أن القرارات داخلها لا تُبنى على الشورى الحقيقية، بل على رؤى ضيقة لمجموعة من القطبيين الذين يسيطرون على مفاصل التنظيم.

​ وعن سبب انشقاقه أوضح فى شهاداته، أن الجماعة فقدت بوصلتها الأخلاقية والوطنية حين فضلت مصلحة التنظيم الخاص على مصلحة الوطن، وهو ما جعله يصل إلى قناعة باستحالة الإصلاح من الداخل، خاصة وأنه كان يعانى صراعًا داخليًا بين واجبه كرجل قانون يؤمن بالحريات، وبين التزامه التنظيمى الذى كان قيدًا يفرضه الإخوان عليه وعلى كل أعضاء التنظيم،​ وعن مراجعاته الشخصية اعتبر أن انجذابه للصحوة الإسلامية فى السبعينيات فى الجامعات، كان بحثًا عن الهوية، لكنه كان على خطأ وأستعرض فى شهاداته مرارة كيف تم استقطاب الكفاءات من الأطباء والمحامين لخدمة أهداف تنظيمية ضيقة. 

واعتبر أن «الدولة الوطنية» هى البديل الوحيد والشرعى لوهم «الخلافة التنظيمية»، وأن الاندماج فى الدولة المدنية بمرجعيات أخلاقية هو الحل، وليس محاولة القفز على السلطة لتطبيق نموذج أحادى، لأن العمل السرى الذى تعمل به جماعة الإخوان الإرهابية يخلق مجتمعًا موازيًا يكره الدولة وهو ما يجب أن يفهمه الشباب حتى يتم تحصينهم من الوقوع فى فخ التنظيمات السرية، لأن «السرية» هى العدو الأول للحق والشفافية.

​وبذلك يكون مختار نوح قد لخص تجربته داخل جماعة الإخوان الإرهابية فى أن العنف يفشل دائمًا فى تحقيق الاستقرار السياسى ويؤدى إلى تدمير النسيج الاجتماعى وإعاقة أى مشروع إصلاحى حقيقى وأن أى عمل دينى يتدثر بالسرية هو بالضرورة مشروع «انقلابى» أو «إرهابى» مؤجل، وعلى المرء ألا يسلم عقله لقيادة تدعى العصمة أو الحق الإلهى فى التوجيه، وأن «الوطن» هو الوعاء الذى يجب أن ينصهر فيه الجميع، وأن أى ولاء لتنظيم عابر للحدود هو انتقاص من الوطنية.