الأربعاء 24 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أيمن عبد المجيد

مصلحة الطفل أولا

خبراء: لا قدسية لترتيب الحاضنين والتقدير النهائى للقاضى وفق مصلحة المحضون

تعود قضية الحضانة إلى واجهة النقاش مجددًا مع قانون الأسرة الجديد، الذى يستهدف إعادة ‏تنظيم العلاقات الأسرية بما يحقق قدرًا من التوازن بين أطراف النزاع، ويعزز استقرار الأسرة ‏باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، إذ ‏يأتى هذا التوجه فى إطار محاولة معالجة إشكالات ممتدة داخل قضايا الحضانة والرؤية ‏والاستضافة، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والاجتماعية والنفسية، فى مشهد معقد ينعكس ‏بشكل مباشر على الطفل والأبوين معًا، بينما تؤكد الاتجاهات التشريعية أن الهدف هو تحقيق ‏العدالة بين جميع الأطراف دون الإضرار بمصلحة الطفل، تظل الأسئلة مطروحة حول قدرة ‏أى تنظيم قانونى جديد على تحقيق هذا التوازن داخل الواقع العملى.



بين عناد الآباء، وقلة الحيلة يقف الأطفال نتاج الزيجات الفاشلة، حائرين فى المنتصف فى ‏انتظار تشريع قانونى يحميهم من قسوة الحياة، ومنهم محمد يوسف، طفل فى المرحلة الابتدائية يعيش بين منزلين بعد انفصال والديه، يتم ‏نقله بشكل ‏متكرر بين الأب والأم تنفيذًا لأحكام الحضانة والرؤية، ومع الوقت، بدأ ‏يظهر عليه تراجع فى ‏التحصيل الدراسي، وصعوبة فى التركيز، إلى جانب حالة من ‏الانطواء داخل المدرسة، بحسب ‏تقارير نفسية أولية.‏

أحمد علي، أب حصل على حكم قضائى برؤية أطفاله أسبوعيًا، لكن التنفيذ تعطل ‏بسبب امتناع ‏الطرف الحاضن عن الالتزام المتكرر بمواعيد الرؤية، وبرغم اتخاذ ‏الإجراءات القانونية، بقى ‏الأطفال بعيدين عن أحد والديهم لفترات طويلة، ما فتح بابًا ‏لصراع قانونى ممتد داخل محكمة ‏الأسرة.‏

هبة مجدي، أم احتفظت بالحضانة بعد الطلاق، لكن زواجها لاحقًا أثار نزاعًا جديدًا ‏حول ‏استقرار الطفل فى البيئة الجديدة، تقدمت دعوى لنقل الحضانة، ودخلت القضية ‏فى جدل قانونى ‏بين مصلحة الطفل واستمرار الحضانة، دون حسم سريع.‏

القانون المقترح يقدم حلولًا لقضية الرؤية ويضع أولوية الحضانة للأم فالأب، ويضع ضوابط حاكمة للرؤية.

من جانبه، يؤكد الدكتور حامد جاب الله، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن فلسفة ‏التشريعات ‏المرتقبة للأحوال الشخصية تقوم فى مقامها الأول على إحداث التوازن بين ‏جميع الأطراف ‏لضمان تماسك المجتمع والأسرة، موضحًا أن الحضانة فى الشريعة ‏الإسلامية هى حق خالص ‏للمحضون قبل أن تكون حقا للحاضن، وفى حال تعارض ‏حق الأم أو الأب مع مصلحة ‏الصغير، تقدم مصلحة الطفل شرعًا لأن الحضانة ‏شرعت لنفعه ووقايته لا لتطييب خاطر ‏الأبوين.‏

وحول المرجعية القانونية عند غياب النص المنضبط، أشار إلى أن الأصل هو الاستناد ‏إلى ‏أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة، ومع ذلك، كاشفا عن وجود أساس ‏أصولى متين ‏يُجيز للقاضى الانتقال إلى مذهب فقهى آخر، وهو «قاعدة المصلحة ‏المرسلة والسياسة ‏الشرعية»، حيث يُمنح القاضى سلطة اختيار الرأى الأرفق بالصغير ‏من المذاهب الأربعة إذا ‏كان فى ذلك تحقيق لمصلحته الفضلى.‏

وفيما يخص الجدل حول سقوط حضانة الأم بزواجها، أوضح أستاذ الفقه المقارن، أن ‏العلة فى ‏الحضانة تدور مع مصلحة الطفل وجودًا وعدمًا، فإذا كان فى بقائه مع أمه ‏المتزوجة أمان ‏واستقرار له، جاز للقاضى الإبقاء على حضانتها قياسًا على مقاصد ‏الشريعة فى حفظ النفس ‏والنسل، مبينًا أن الاستضافة لها أصل معتبر فى الفقه قياسًا ‏على حق الرؤية وصلة الرحم، ‏والهدف منها هو تمكين الطفل من معايشة الطرف غير ‏الحاضن أيامًا كاملة لتعزيز الروابط ‏الأسرية، بشرط توفر الضوابط الشرعية التى ‏تضمن أمن الصغير وعدم استخدامه كأداة ‏للضغط بين الطرفين.‏

ويوضح الدكتور عادل عامر، أستاذ القانون العام، أن مسألة الحضانة فى مسودة قانون الأسرة ‏الجديد تعد من أكثر الملفات حساسية وجدلًا، والفلسفة الحاكمة للمسودة تنطلق من إعادة ‏التوازن بين حقوق الأب والأم، مع ترسيخ مبدأ أن مصلحة الطفل هى المعيار الأعلى الحاكم ‏لكل القرارات، موضحا أن المسودة أبقت على الأصل المستقر بحضانة الأم فى السنوات ‏الأولى، لكنها فى المقابل اتجهت إلى تقليل الجمود فى ترتيب الحاضنين، ومنحت المحكمة ‏مساحة أوسع لتقدير الأصلح للمحضون وفق ظروف كل حالة، بدلًا من الالتزام الحرفى ‏بترتيب جامد قد لا يحقق مصلحة الطفل.‏

وفيما يتعلق بسن الحضانة، أشار إلى أن الاتجاه الغالب داخل المسودة هو الإبقاء على سن 15 ‏عامًا، كما هو معمول به حاليًا، مع تخيير الطفل بعد ذلك بين الأب والأم حتى سن الرشد، ‏ومقترحات خفض السن طُرحت للنقاش لكنها لم تستقر بصورة نهائية، مضيفا أن من أبرز ‏الإضافات النوعية فى المسودة النص صراحة على الاستضافة كحق أصيل للأب، بدل الاكتفاء ‏بساعات الرؤية المحدودة، بما يسمح بفترات أطول قد تمتد ليوم أو أكثر وربما خلال ‏الإجازات، وهو ما يعزز العلاقة الطبيعية بين الأب والطفل ويحقق التوازن الأسري.‏

وبين «عامر»، أن المسودة شددت على إمكانية نقل الحضانة أو إسقاطها حال إخلال الحاضن ‏بمصلحة الطفل، أو تعمده منع الطرف الآخر من الرؤية أو الاستضافة، مؤكدًا أن المعيار لم ‏يعد مجرد ترتيب شكلي، بل تقدير واقعى لمصلحة المحضون، لافتا إلى أن تنظيم سفر ‏الطفل للخارج يعد من النقاط الجديدة المهمة، حيث لا يجوز السفر دون علم وموافقة الطرف ‏الآخر أو بإذن من المحكمة، منعًا لحدوث نزاعات أو وقائع خطف للأطفال تحت غطاء ‏الحضانة.‏

وفيما يخص مسكن الحضانة، أوضح أن المسودة أبقت على حق الحاضنة فى مسكن الحضانة ‏أو أجر مسكن، مع وضع ضوابط أكثر دقة لمنع إساءة استخدام هذا الحق، بما يضمن تحقيق ‏الغاية الاجتماعية منه دون تعسف، مؤكدًا أن المسودة تمثل تحولا من مفهوم حق الحاضن إلى ‏حق الطفل فى رعاية متوازنة من الأبوين، علاوة على أن هذه الأحكام لا تزال فى إطار مسودة ‏ولم تصدر بصورة نهائية ملزمة حتى الآن.‏

وقال إن الخطوبة لا تُعد ‏زواجًا مكتمل الأركان من الناحية القانونية، وبالتالى لا يترتب ‏عليها ‏أثر مباشر فى مسائل الحضانة، إلا إذا ثبت تأثيرها السلبى ‏على مصلحة الطفل، موضحًا أن ‏التفرقة بين الخطوبة والزواج أمر جوهرى فى ‏التطبيق القضائي، حيث إن تغيير الحضانة لا ‏يتم إلا إذا وُجد ‏ضرر فعلى على الطفل، وليس بناءً على الوضع الاجتماعى ‏وحده، والتقدير ‏النهائى فى هذه الحالات يظل للقاضى ‏وفق تقارير الخبراء الاجتماعيين داخل محكمة الأسرة

المستشار أحمد السداوى، محامٍ، يوضح أن سقوط الحضانة عن الأم لا يحدث تلقائيًا، ‏بل يرتبط ‏بثبوت أسباب محددة مثل الإهمال الجسيم، أو فقدان الأهلية، أو وجود ضرر ‏فعلى واقع على ‏الطفل، كما أن النصوص القانونية فى ظاهرها منضبطة، لكنها ‏تترك مساحة تقديرية واسعة ‏للقاضى، وهو ما يفتح الباب لاختلاف الأحكام فى وقائع ‏متشابهة تبعًا لظروف كل أسرة ‏وتقارير الخبراء الاجتماعيين، موضحًا أن حصول الأب على الحضانة ليس أمرًا يسيرًا، إذ ‏يتطلب إثباتًا دقيقًا بأن ‏بقاء الطفل مع الأم يسبب ضررًا واضحًا، وليس مجرد خلاف بين ‏الطرفين.

«السداوى» يوضح، أن ‏معيار مصلحة الطفل يظل هو الأساس فى جميع الأحكام، وأكثر ‏الأسباب ‏العملية التى تؤثر فى مسار القضايا تتمثل فى التقارير الاجتماعية وسلوك ‏الطرفين ‏أثناء النزاع، وليس الادعاءات المتبادلة فقط.

وفيما يتعلق بالرؤية، أكد أن تنفيذ أحكامها يظل من أكثر الإشكاليات داخل محاكم ‏الأسرة، ‏حيث تصدر الأحكام بانتظام، لكن التنفيذ العملى يواجه عقبات متكررة، مؤكدًا أن القضايا ‏المقامة أمام محكمة الأسرة تظل ‏خاضعة للقانون السارى وقت رفع الدعوى، ما لم ينص ‏التشريع ‏الجديد صراحة على الأثر الرجعى، مشيرًا إلى أن القوانين ‏الأسرية عادة لا تُطبق بأثر ‏رجعى حفاظًا على استقرار المراكز ‏القانونية، مواصلا أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية ‏تطبق على القضايا ‏الجديدة فقط، بينما تستمر القضايا المنظورة وفق القواعد القديمة ‏حتى ‏صدور حكم نهائي.

النائب ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى، يؤكد أن ‏الهدف الأساسى من القانون ‏الجديد يجب أن يكون حماية الأسرة المصرية من ‏التفكك، والحفاظ على مصلحة الطفل ‏واستقراره النفسى والاجتماعى، وليس مجرد ‏تنظيم الخلافات بعد الطلاق، كما يجب أن يحقق ‏التوازن بين حقوق ‏الرجل والمرأة، ويعالج أسباب انهيار الأسرة من خلال دعم ثقافة المسئولية ‏والتأهيل ‏قبل الزواج.‏

رئيس حزب الجيل، يشير إلى أن الحضانة يجب أن تناقش من منظور مصلحة الطفل ‏أولًا، ‏وليس بمنطق الانحياز لطرف ضد الآخر، لأن الأهم من تحديد سن الحضانة هو ‏ضمان ‏استمرار العلاقة الطبيعية والمتوازنة بين الطفل وكل من الأب والأم، بما ‏يحافظ على استقراره ‏النفسى والتربوى، علاوة على أن نظام الرؤية الحالى لم يعد كافيًا، لأنه لا يحقق التواصل ‏الطبيعى بين ‏الطفل والطرف غير الحاضن. ‏

عضو الشيوخ، يلفت إلى أنه يفضل استخدام مصطلح المعايشة ‏الأسرية بدلًا من الاستضافة، ‏بحيث يقضى الطفل يومًا أو يومين أسبوعيًا مع ‏الطرف غير الحاضن، بما يحقق مشاركة ‏حقيقية فى التربية والرعاية ويحافظ على ‏التوازن النفسى للأبناء، لأن قضايا الأسرة تحتاج ‏لمساحة تقديرية للقاضى بسبب طبيعتها ‏الإنسانية الخاصة، لكن مع وجود ضوابط قانونية ‏واضحة تمنع تضارب الأحكام، بما ‏يحقق التوازن بين المرونة وتحقيق العدالة.‏

وتابع:» أبرز نقاط الخلاف تتعلق بالحضانة، والرؤية أو «المعايشة ‏الأسرية»، ‏وحقوق الأب والأم بعد الانفصال، بالإضافة إلى قضايا النفقة وتنفيذ ‏الأحكام»، مؤكدا أن المطلوب ‏هو الوصول إلى صيغة متوازنة تضع مصلحة الطفل فوق ‏أى اعتبار، مواصلا أن القانون ‏يجب أن يجمع بين ثوابت الشريعة الإسلامية ‏ومتطلبات الواقع الاجتماعى الحديث، لأن الهدف ‏هو حماية الأسرة وتحقيق الاستقرار ‏والعدل، مع مراعاة التغيرات التى يشهدها المجتمع ‏المصرى.‏

الدكتورة ماسية فضل، أستاذ علم النفس التربوي، تقول إن تثبيت الحضانة حتى سن 15 عامًا ‏يعزز شعور الطفل بالأمان والاستقرار فى مرحلة عمرية شديدة الحساسية، ويقلل من القلق ‏المرتبط بفكرة الانتقال أو التهديد المستمر بتغيير محل إقامته، محذرة من أن التخيير ‏المفاجئ بعد هذه المرحلة قد يضع الطفل فى صراع ولاءات مؤلم، ويولد لديه شعورًا بالذنب ‏تجاه الطرف الذى لم يختره، علاوة على أن الاستضافة الممتدة مع الأب تسهم فى تحقيق توازن ‏انفعالى صحى، وتدعم ارتباط الطفل بكلا الوالدين، ما يحسّن صورة الأب فى وعيه ويمنع ‏تشوه العلاقة بمرور الوقت، إلا أن هذه الاستضافة تتحول إلى مصدر ضغط نفسى إذا ظلت ‏الخلافات قائمة بين الأبوين، فيشعر الطفل أنه ينتقل بين ساحتين للصراع لا بين بيتين.‏

أستاذ علم النفس التربوى، تؤكد أن مصلحة الطفل نفسيًا تُقاس بشعوره بالأمان والراحة، ‏واستقراره السلوكى والدراسى، وقدرته على التواصل مع والديه دون خوف أو توتر داخلى، ‏وشددت على أن أخطر نقطة تظل فى وضع الطفل أمام اختيار مؤلم بين من يحبهم، داعية إلى ‏تحييده تمامًا عن النزاع، وتقديم أى قرار باعتباره تنظيمًا للحياة لا اختبارًا لمشاعره، منوهة ‏بأن الأمان النفسى للطفل لا يرتبط بمن يعيش معه، بل بشعوره أنه محبوب ومقبول من والديه ‏دون شروط أو صراع.