مصلحة الطفل أولا
خبراء: لا قدسية لترتيب الحاضنين والتقدير النهائى للقاضى وفق مصلحة المحضون
محمد السيد
تعود قضية الحضانة إلى واجهة النقاش مجددًا مع قانون الأسرة الجديد، الذى يستهدف إعادة تنظيم العلاقات الأسرية بما يحقق قدرًا من التوازن بين أطراف النزاع، ويعزز استقرار الأسرة باعتبارها النواة الأساسية للمجتمع، إذ يأتى هذا التوجه فى إطار محاولة معالجة إشكالات ممتدة داخل قضايا الحضانة والرؤية والاستضافة، حيث تتداخل الاعتبارات القانونية والاجتماعية والنفسية، فى مشهد معقد ينعكس بشكل مباشر على الطفل والأبوين معًا، بينما تؤكد الاتجاهات التشريعية أن الهدف هو تحقيق العدالة بين جميع الأطراف دون الإضرار بمصلحة الطفل، تظل الأسئلة مطروحة حول قدرة أى تنظيم قانونى جديد على تحقيق هذا التوازن داخل الواقع العملى.
بين عناد الآباء، وقلة الحيلة يقف الأطفال نتاج الزيجات الفاشلة، حائرين فى المنتصف فى انتظار تشريع قانونى يحميهم من قسوة الحياة، ومنهم محمد يوسف، طفل فى المرحلة الابتدائية يعيش بين منزلين بعد انفصال والديه، يتم نقله بشكل متكرر بين الأب والأم تنفيذًا لأحكام الحضانة والرؤية، ومع الوقت، بدأ يظهر عليه تراجع فى التحصيل الدراسي، وصعوبة فى التركيز، إلى جانب حالة من الانطواء داخل المدرسة، بحسب تقارير نفسية أولية.
أحمد علي، أب حصل على حكم قضائى برؤية أطفاله أسبوعيًا، لكن التنفيذ تعطل بسبب امتناع الطرف الحاضن عن الالتزام المتكرر بمواعيد الرؤية، وبرغم اتخاذ الإجراءات القانونية، بقى الأطفال بعيدين عن أحد والديهم لفترات طويلة، ما فتح بابًا لصراع قانونى ممتد داخل محكمة الأسرة.
هبة مجدي، أم احتفظت بالحضانة بعد الطلاق، لكن زواجها لاحقًا أثار نزاعًا جديدًا حول استقرار الطفل فى البيئة الجديدة، تقدمت دعوى لنقل الحضانة، ودخلت القضية فى جدل قانونى بين مصلحة الطفل واستمرار الحضانة، دون حسم سريع.
القانون المقترح يقدم حلولًا لقضية الرؤية ويضع أولوية الحضانة للأم فالأب، ويضع ضوابط حاكمة للرؤية.
من جانبه، يؤكد الدكتور حامد جاب الله، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، أن فلسفة التشريعات المرتقبة للأحوال الشخصية تقوم فى مقامها الأول على إحداث التوازن بين جميع الأطراف لضمان تماسك المجتمع والأسرة، موضحًا أن الحضانة فى الشريعة الإسلامية هى حق خالص للمحضون قبل أن تكون حقا للحاضن، وفى حال تعارض حق الأم أو الأب مع مصلحة الصغير، تقدم مصلحة الطفل شرعًا لأن الحضانة شرعت لنفعه ووقايته لا لتطييب خاطر الأبوين.
وحول المرجعية القانونية عند غياب النص المنضبط، أشار إلى أن الأصل هو الاستناد إلى أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة، ومع ذلك، كاشفا عن وجود أساس أصولى متين يُجيز للقاضى الانتقال إلى مذهب فقهى آخر، وهو «قاعدة المصلحة المرسلة والسياسة الشرعية»، حيث يُمنح القاضى سلطة اختيار الرأى الأرفق بالصغير من المذاهب الأربعة إذا كان فى ذلك تحقيق لمصلحته الفضلى.
وفيما يخص الجدل حول سقوط حضانة الأم بزواجها، أوضح أستاذ الفقه المقارن، أن العلة فى الحضانة تدور مع مصلحة الطفل وجودًا وعدمًا، فإذا كان فى بقائه مع أمه المتزوجة أمان واستقرار له، جاز للقاضى الإبقاء على حضانتها قياسًا على مقاصد الشريعة فى حفظ النفس والنسل، مبينًا أن الاستضافة لها أصل معتبر فى الفقه قياسًا على حق الرؤية وصلة الرحم، والهدف منها هو تمكين الطفل من معايشة الطرف غير الحاضن أيامًا كاملة لتعزيز الروابط الأسرية، بشرط توفر الضوابط الشرعية التى تضمن أمن الصغير وعدم استخدامه كأداة للضغط بين الطرفين.
ويوضح الدكتور عادل عامر، أستاذ القانون العام، أن مسألة الحضانة فى مسودة قانون الأسرة الجديد تعد من أكثر الملفات حساسية وجدلًا، والفلسفة الحاكمة للمسودة تنطلق من إعادة التوازن بين حقوق الأب والأم، مع ترسيخ مبدأ أن مصلحة الطفل هى المعيار الأعلى الحاكم لكل القرارات، موضحا أن المسودة أبقت على الأصل المستقر بحضانة الأم فى السنوات الأولى، لكنها فى المقابل اتجهت إلى تقليل الجمود فى ترتيب الحاضنين، ومنحت المحكمة مساحة أوسع لتقدير الأصلح للمحضون وفق ظروف كل حالة، بدلًا من الالتزام الحرفى بترتيب جامد قد لا يحقق مصلحة الطفل.
وفيما يتعلق بسن الحضانة، أشار إلى أن الاتجاه الغالب داخل المسودة هو الإبقاء على سن 15 عامًا، كما هو معمول به حاليًا، مع تخيير الطفل بعد ذلك بين الأب والأم حتى سن الرشد، ومقترحات خفض السن طُرحت للنقاش لكنها لم تستقر بصورة نهائية، مضيفا أن من أبرز الإضافات النوعية فى المسودة النص صراحة على الاستضافة كحق أصيل للأب، بدل الاكتفاء بساعات الرؤية المحدودة، بما يسمح بفترات أطول قد تمتد ليوم أو أكثر وربما خلال الإجازات، وهو ما يعزز العلاقة الطبيعية بين الأب والطفل ويحقق التوازن الأسري.
وبين «عامر»، أن المسودة شددت على إمكانية نقل الحضانة أو إسقاطها حال إخلال الحاضن بمصلحة الطفل، أو تعمده منع الطرف الآخر من الرؤية أو الاستضافة، مؤكدًا أن المعيار لم يعد مجرد ترتيب شكلي، بل تقدير واقعى لمصلحة المحضون، لافتا إلى أن تنظيم سفر الطفل للخارج يعد من النقاط الجديدة المهمة، حيث لا يجوز السفر دون علم وموافقة الطرف الآخر أو بإذن من المحكمة، منعًا لحدوث نزاعات أو وقائع خطف للأطفال تحت غطاء الحضانة.
وفيما يخص مسكن الحضانة، أوضح أن المسودة أبقت على حق الحاضنة فى مسكن الحضانة أو أجر مسكن، مع وضع ضوابط أكثر دقة لمنع إساءة استخدام هذا الحق، بما يضمن تحقيق الغاية الاجتماعية منه دون تعسف، مؤكدًا أن المسودة تمثل تحولا من مفهوم حق الحاضن إلى حق الطفل فى رعاية متوازنة من الأبوين، علاوة على أن هذه الأحكام لا تزال فى إطار مسودة ولم تصدر بصورة نهائية ملزمة حتى الآن.
وقال إن الخطوبة لا تُعد زواجًا مكتمل الأركان من الناحية القانونية، وبالتالى لا يترتب عليها أثر مباشر فى مسائل الحضانة، إلا إذا ثبت تأثيرها السلبى على مصلحة الطفل، موضحًا أن التفرقة بين الخطوبة والزواج أمر جوهرى فى التطبيق القضائي، حيث إن تغيير الحضانة لا يتم إلا إذا وُجد ضرر فعلى على الطفل، وليس بناءً على الوضع الاجتماعى وحده، والتقدير النهائى فى هذه الحالات يظل للقاضى وفق تقارير الخبراء الاجتماعيين داخل محكمة الأسرة
المستشار أحمد السداوى، محامٍ، يوضح أن سقوط الحضانة عن الأم لا يحدث تلقائيًا، بل يرتبط بثبوت أسباب محددة مثل الإهمال الجسيم، أو فقدان الأهلية، أو وجود ضرر فعلى واقع على الطفل، كما أن النصوص القانونية فى ظاهرها منضبطة، لكنها تترك مساحة تقديرية واسعة للقاضى، وهو ما يفتح الباب لاختلاف الأحكام فى وقائع متشابهة تبعًا لظروف كل أسرة وتقارير الخبراء الاجتماعيين، موضحًا أن حصول الأب على الحضانة ليس أمرًا يسيرًا، إذ يتطلب إثباتًا دقيقًا بأن بقاء الطفل مع الأم يسبب ضررًا واضحًا، وليس مجرد خلاف بين الطرفين.
«السداوى» يوضح، أن معيار مصلحة الطفل يظل هو الأساس فى جميع الأحكام، وأكثر الأسباب العملية التى تؤثر فى مسار القضايا تتمثل فى التقارير الاجتماعية وسلوك الطرفين أثناء النزاع، وليس الادعاءات المتبادلة فقط.
وفيما يتعلق بالرؤية، أكد أن تنفيذ أحكامها يظل من أكثر الإشكاليات داخل محاكم الأسرة، حيث تصدر الأحكام بانتظام، لكن التنفيذ العملى يواجه عقبات متكررة، مؤكدًا أن القضايا المقامة أمام محكمة الأسرة تظل خاضعة للقانون السارى وقت رفع الدعوى، ما لم ينص التشريع الجديد صراحة على الأثر الرجعى، مشيرًا إلى أن القوانين الأسرية عادة لا تُطبق بأثر رجعى حفاظًا على استقرار المراكز القانونية، مواصلا أن تعديلات قانون الأحوال الشخصية تطبق على القضايا الجديدة فقط، بينما تستمر القضايا المنظورة وفق القواعد القديمة حتى صدور حكم نهائي.
النائب ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى، يؤكد أن الهدف الأساسى من القانون الجديد يجب أن يكون حماية الأسرة المصرية من التفكك، والحفاظ على مصلحة الطفل واستقراره النفسى والاجتماعى، وليس مجرد تنظيم الخلافات بعد الطلاق، كما يجب أن يحقق التوازن بين حقوق الرجل والمرأة، ويعالج أسباب انهيار الأسرة من خلال دعم ثقافة المسئولية والتأهيل قبل الزواج.
رئيس حزب الجيل، يشير إلى أن الحضانة يجب أن تناقش من منظور مصلحة الطفل أولًا، وليس بمنطق الانحياز لطرف ضد الآخر، لأن الأهم من تحديد سن الحضانة هو ضمان استمرار العلاقة الطبيعية والمتوازنة بين الطفل وكل من الأب والأم، بما يحافظ على استقراره النفسى والتربوى، علاوة على أن نظام الرؤية الحالى لم يعد كافيًا، لأنه لا يحقق التواصل الطبيعى بين الطفل والطرف غير الحاضن.
عضو الشيوخ، يلفت إلى أنه يفضل استخدام مصطلح المعايشة الأسرية بدلًا من الاستضافة، بحيث يقضى الطفل يومًا أو يومين أسبوعيًا مع الطرف غير الحاضن، بما يحقق مشاركة حقيقية فى التربية والرعاية ويحافظ على التوازن النفسى للأبناء، لأن قضايا الأسرة تحتاج لمساحة تقديرية للقاضى بسبب طبيعتها الإنسانية الخاصة، لكن مع وجود ضوابط قانونية واضحة تمنع تضارب الأحكام، بما يحقق التوازن بين المرونة وتحقيق العدالة.
وتابع:» أبرز نقاط الخلاف تتعلق بالحضانة، والرؤية أو «المعايشة الأسرية»، وحقوق الأب والأم بعد الانفصال، بالإضافة إلى قضايا النفقة وتنفيذ الأحكام»، مؤكدا أن المطلوب هو الوصول إلى صيغة متوازنة تضع مصلحة الطفل فوق أى اعتبار، مواصلا أن القانون يجب أن يجمع بين ثوابت الشريعة الإسلامية ومتطلبات الواقع الاجتماعى الحديث، لأن الهدف هو حماية الأسرة وتحقيق الاستقرار والعدل، مع مراعاة التغيرات التى يشهدها المجتمع المصرى.
الدكتورة ماسية فضل، أستاذ علم النفس التربوي، تقول إن تثبيت الحضانة حتى سن 15 عامًا يعزز شعور الطفل بالأمان والاستقرار فى مرحلة عمرية شديدة الحساسية، ويقلل من القلق المرتبط بفكرة الانتقال أو التهديد المستمر بتغيير محل إقامته، محذرة من أن التخيير المفاجئ بعد هذه المرحلة قد يضع الطفل فى صراع ولاءات مؤلم، ويولد لديه شعورًا بالذنب تجاه الطرف الذى لم يختره، علاوة على أن الاستضافة الممتدة مع الأب تسهم فى تحقيق توازن انفعالى صحى، وتدعم ارتباط الطفل بكلا الوالدين، ما يحسّن صورة الأب فى وعيه ويمنع تشوه العلاقة بمرور الوقت، إلا أن هذه الاستضافة تتحول إلى مصدر ضغط نفسى إذا ظلت الخلافات قائمة بين الأبوين، فيشعر الطفل أنه ينتقل بين ساحتين للصراع لا بين بيتين.
أستاذ علم النفس التربوى، تؤكد أن مصلحة الطفل نفسيًا تُقاس بشعوره بالأمان والراحة، واستقراره السلوكى والدراسى، وقدرته على التواصل مع والديه دون خوف أو توتر داخلى، وشددت على أن أخطر نقطة تظل فى وضع الطفل أمام اختيار مؤلم بين من يحبهم، داعية إلى تحييده تمامًا عن النزاع، وتقديم أى قرار باعتباره تنظيمًا للحياة لا اختبارًا لمشاعره، منوهة بأن الأمان النفسى للطفل لا يرتبط بمن يعيش معه، بل بشعوره أنه محبوب ومقبول من والديه دون شروط أو صراع.






