قانون الأسرة هل يحقق التوازن الحقيقى فى الحقوق والواجبات؟
محمود محرم
من الخطبة والشبكة، وتعريفهما مرورا بالهدايا ومصيرها والاتفاق على المهر، واسترداد المهر عند العدول عن الخطبة، أو الوفاة قبل الزواج، إلى عقد الزواج وملحقه، وإعداد مسكن الزوجية، وليس نهاية بالطلاق الشفهى وتوثيقه، وحماية الأطفال فى حال إتمام الطلاق أو الخلع، إلى رؤية الأطفال ومسكن الحاضنة، ونفقة المطلقة ومصروفات التعليم، نصوص جوهرية تضمنها مشروع قانون الأسرة الجديد، لكنها تحتاج إلى حوار مجتمعى لتصل إلى الغاية الأساسية من المشروع وفق توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس الجمهورية بأن يحقق القانون التوازن الأسرى بين حقوق وواجبات كل أفراد الأسرة.
«روزاليوسف» تحاول تسليط الضوء على أهم ما جاء فى مشروع القانون قبل إقراره فى مجلس النواب، كما تفتح نقاشا مجتمعيا للوصول إلى الغاية من تعديلات القانون.
أكد برلمانيون وخبراء فى تصريحات خاصة لـ«جريدة روزاليوسف» أن مشروع الأسرة الذى تقدمت به الحكومة يقوم على رؤية متكاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين أطراف الأسرة، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وصون حقوق الأب والأم بشكل متكافئ دون تغليب طرف على آخر.
النائبة فاطمة عادل تؤكد أن مشروع قانون الأسرة الجديد الذى تقدمت به الحكومة يتطابق مع مشروع القانون الذى تقدمنا به وينطلق من فلسفة تشريعية متكاملة تستهدف إعادة ضبط العلاقة بين أطراف الأسرة على أسس أكثر توازنا وعدالة، بما يضمن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل باعتبارها أولوية مطلقة، وفى الوقت ذاته صون حقوق كل من الأب والأم دون إخلال بأى طرف على حساب الآخر.
النائبة توضح أن من أبرز ملامح هذا التوازن استحداث نظام «الاصطحاب» بدلا من مصطلح «الاستضافة»، باعتباره أكثر انضباطًا ووضوحًا من الناحية القانونية، حيث يتم تطبيقه وفق ضوابط محددة تضمن مصلحة الطفل واستقراره، لافتة إلى أن مشروع القانون يتضمن كذلك آلية تنفيذية حاسمة من خلال تفعيل دور «شرطة الأسرة»، لتكون جهة مختصة بضمان تنفيذ أحكام الاصطحاب والرؤية، ومسئولة عن تسليم وتسلم الأطفال.
«عادل» تشير إلى أن مقترح سن الحضانة عند تسع سنوات، مع ترك سلطة تقديرية للقاضى وفقا لظروف كل حالة، موضحة أن الفلسفة العامة تقوم على مبدأ «اقتسام سنوات الرعاية» بين الأب والأم، بحيث يقضى الطفل تسع سنوات مع كل طرف، بما يحقق له تنشئة متوازنة نفسيا واجتماعيا، وليس شكليًا كما هى الحال فى نظام الرؤية الحالى.
وتشدد النائبة على أهمية إنشاء «صندوق دعم الأسرة»، كآلية بديلة لضمان حصول الزوجة والأطفال على النفقة فى حالات تهرب الزوج أو تعثره أو حبسه، حيث يتولى الصندوق سداد النفقة المستحقة، على أن تسجل كدين على الزوج يلزم بسداده لاحقًا عند تحسن أوضاعه المالية، مؤكدة أن المشروع سيعالج أيضا إشكالية إثبات الحقوق المالية من خلال استحداث «ملحق لعقد الزواج»، يتضمن الاتفاق المسبق على عناصر أساسية مثل مسكن الزوجية والنفقات والالتزامات المالية، ليكون وثيقة تنفيذية يعتد بها أمام القضاء، وهو ما يسهم فى تقليل النزاعات المستقبلية ويحقق قدرا أكبر من الوضوح والشفافية بين الطرفين منذ البداية.
توازن بين الحقوق والواجبات
الدكتورة هبة واصل، الأمين العام لحزب المصريين الأحرار، تؤكد أن مشروع قانون الأسرة الذى يطرحه الحزب ينطلق من فلسفة تشريعية مختلفة، قوامها تحقيق توازن حقيقى بين الحقوق والواجبات، دون الانحياز لأى طرف على حساب الآخر، مشددة على أن جوهر هذا التوازن يتمثل فى وضع مصلحة الأبناء فى صدارة كل الأحكام والإجراءات، باعتبارها الحلقة الأهم والأكثر تأثرا بأى خلل فى العلاقة الأسرية.
«واصل» توضح أن القانون لا يتعامل مع الأسرة باعتبارها ساحة نزاع، بل ككيان يجب حمايته من التفكك قبل وقوعه، وهو ما ينعكس فى تبنى مبدأ «الوقاية قبل النزاع» إلى جانب «التنفيذ الفعال».
ولفتت إلى أن أبرز ملامح هذه الفلسفة يظهر فى استحداث أدوات تنظم العلاقة منذ بدايتها، وفى مقدمتها فكرة «ملحق عقد الزواج»، والتى ثمنت ما طرحه وزير العدل، بشأنها، حيث يقوم هذا الملحق على الاتفاق المسبق بين الزوجين على المسكن والالتزامات المالية، ويعتد به كوثيقة تنفيذية أمام المحكمة، بما يضمن استقرار الأوضاع حال حدوث خلاف أو انفصال، ويحافظ على حقوق الأبناء دون الدخول فى نزاعات مطولة.
«واصل» تشير إلى أن مشروع القانون يرسخ كذلك مبدأ الحفاظ على المستويين المعيشى والتعليمى للأبناء بعد الانفصال، بحيث لا يتأثرون سلبًا بالخلافات بين الوالدين، إلى جانب وضع مدد زمنية محددة للفصل فى القضايا الأسرية، بما يحقق العدالة الناجزة، فضلا عن إنشاء منظومة رقابية وتنفيذية متكاملة داخل محاكم الأسرة، تشمل لجان حماية الأبناء من متخصصين، وسجلا أسريا رقميا موحدا، ومنظومة تنفيذ إلكترونى تضمن سرعة إنفاذ الأحكام ومنع التحايل عليها.
وفيما يتعلق بحقوق الطفل، تلفت «واصل» إلى أن القانون وضع تصورًا متوازنًا يحدد بوضوح من يتولى كفالته ومسئوليات كل طرف، حيث تبقى الحضانة للأم كأصل عام، باعتبارها الأقدر على الرعاية اليومية، مع ضمان كامل لحقوقها فى إدارة شئون الطفل دون مساس بمسكن الحضانة، فى مقابل التزام الأب بالنفقة بجميع عناصرها من مسكن وتعليم وعلاج ومعيشة. وفى الوقت ذاته، لا يغفل القانون حق الأب فى الرؤية والتواصل المنتظم مع أبنائه، ويتم تنظيم ذلك قضائياً فى بيئة آمنة تحقق مصلحة الطفل، مع إمكانية تنظيم «الاصطحاب» أو تقييده حال ثبوت ضرر، وذلك تحت رقابة قضائية ولجان متخصصة تضع مصلحة الأبناء فوق أى اعتبار.
الأمين العام لحزب المصريين الأحرار توضح أن القانون حدد الحالات التى يكون فيها الزوج بلا مصدر دخل أو يثبت عجزه عن الوفاء بالتزاماته، من خلال آليات دقيقة تضمن عدم الإضرار بالزوجة والأبناء، حيث يتم تقدير النفقة وفق «القدرة الحقيقية» من خلال الربط الإلكترونى وقواعد البيانات المختلفة، بما يكشف أى مصادر دخل غير معلنة، مع عدم الاعتداد بالادعاءات الصورية كما يتيح القانون للحاضن الرجوع قانونا بما أنفقه نيابة عن الأب، بالتوازى مع التزامه بتوفير بيئة معيشية كريمة للأطفال، فضلًا عن استحداث «وثيقة التأمين الأسري» كحل مبتكر، تضمن دعمًا ماليًا مستقرًا للزوجة والأبناء فى حالات الطلاق أو الوفاة أو التعثر المالى وفق تعبيرها مشددة على أن القانون ليس نصوصا جامدة، بل إطار قابل للتطوير وفق متغيرات المجتمع، لكنه فى صورته الحالية يؤسس لمعادلة واضحة: حقوق يقابلها واجبات، وتنفيذ حاسم يمنع التحايل، ورقابة تضمن التطبيق، وكل ذلك تحت مظلة هدف واحد هو حماية الأبناء والحفاظ على استقرار الأسرة.
نحو عدالة أكثر
المهندس ياسر قورة، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس الشيوخ، يؤكد أن مشروع قانون الأسرة الجديد المقدم من الحكومة، والذى وافق عليه مجلس الوزراء برئاسة مصطفى مدبولي، وأُحيل إلى مجلس النواب تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، يمثل خطوة جادة نحو تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة المصرية، من خلال إعادة تنظيم ملف الأحوال الشخصية بصورة أكثر عدالة وفاعلية.
“قورة” يشير إلى أن مشروع القانون الحكومى يتقاطع مع رؤية حزب الوفد فى تحقيق «العدالة الأسرية الناجزة»، حيث يتلاقى العديد من المواد بين المشروعين رغم اختلاف الصياغات، بما يعكس توافقًا تشريعيًا متزايدًا حول ضرورة إصلاح هذا الملف الحيوي، وبما يدعم استقرار الأسرة المصرية ويعزز التوازن بين أطرافها كما يلفت أن من أبرز ملامح هذا التوافق الاتجاه نحو تغليب الحلول الودية وتقليل النزاعات القضائية، عبر تبسيط الإجراءات وتوسيع نطاق التسويات الأسرية، وهو ما يسهم فى تخفيف حدة الخلافات، ويحقق سرعة الفصل فى النزاعات، ويقلل من الضغوط الواقعة على المحاكم.
قورة يوضح أن المشروع يضع «مصلحة الطفل» فى صدارة الأولويات، باعتبارها الركيزة الأساسية لأى تشريع أسري، مع توفير ضمانات حقيقية لحمايته نفسيًا واجتماعيًا، بما يضمن نشأته فى بيئة مستقرة بعيدًا عن تداعيات النزاعات بين الأبوين كما لفت إلى أن القانون يتبنى آليات حديثة لتنظيم الرؤية والاستضافة، من بينها الرؤية الإلكترونية باستخدام الوسائل التكنولوجية، بما يضمن استمرار التواصل الإنسانى بين الطفل ووالديه، ويواكب فى الوقت ذاته التطور المجتمعى والتكنولوجى.
إعادة هندسة الأسرة
تقول نهى الجندى، المتخصصة فى قضايا الأسرة، إن مشروع قانون الأسرة الجديد لا يمكن قراءته كبنود منفصلة أو تعديلات إجرائية فقط، لكنه فى جوهره محاولة لإعادة هندسة العلاقة الأسرية من نقطة التأسيس، وليس من لحظة الانفصال والفكرة هنا ليست فى حل النزاع بعد وقوعه، بل فى تقليل احتمالات نشوئه من الأساس، عبر أدوات قانونية تلزم كل طرف بأن يكون واضحا منذ البداية، ومسئولا طوال الوقت.
وترى “الجندى” أن أهم ما جاء به المشروع هو نقل عقد الزواج من كونه إجراء شكليا إلى كونه «عقد تأسيس أسرة» بالمعنى الحقيقي، وملحق عقد الزواج الاختياري، فى تقديرها، هو أخطر وأذكى أداة تشريعية فى القانون، لأنه ببساطة يحول المسكوت عنه إلى مكتوب، ويجعل الاتفاقات التى كانت تدار بالعرف أو النية الحسنة، خاضعة لنص ملزم وقابل للتنفيذ الفورى كما تشير إلى أن إنشاء صندوق دعم الأسرة المصرية يعكس إدراكا واضحا بأن النفقة ليست مسألة نزاع بين زوجين، بل حق أصيل للطفل لا يجوز تعليقه على قدرة الأب أو التزامه وأن الفلسفة هنا تقوم على الفصل بين استحقاق النفقة وتنفيذها.
وتتوقف عند واحدة من أعقد الإشكاليات، وهى حالة عجز الأب عن النفقة، موضحة أن القانون وضع شبكة أمان متعددة المستويات تبدأ بصندوق دعم الأسرة، الذى يضمن الحد الأدنى من المعيشة للطفل دون تأخير، ثم تمتد إلى إلزام الأقارب القادرين، وفقا للترتيب الشرعي، بالمساهمة فى النفقة كما تؤكد الجندى أن الرسالة واضحة: النفقة لا تسقط، لأنها ليست دينا بين أفراد، بل التزاما تجاه طفل.
التطيبق الحاسم
ويرى عصام كمال الخبير القانونى أن التوازن فى مشروع قانون الأسرة الجديد قائم بالفعل، لكن التطبيق هو الذى سيحسم نجاحه أو تعثره؛ فالإفراط فى تغليب الخصوصية قد يدفع إلى ما يشبه «الطائفية القانونية»، بينما المبالغة فى فرض المساواة قد تؤدى إلى إهدار خصوصية العقائد داخل المجتمع.
ويشير إلى أن البنود الجديدة تحمل تأثيرًا مباشرًا فى حياة الأسرة، وعلى رأسها إدراج الأب فى المرتبة الثانية للحضانة، بما يضمن استمرارية دوره بعد الانفصال بدلًا من غيابه، إلى جانب إقرار نظام الاستضافة يومين أسبوعيًا مع إمكانية المبيت، وهو ما يمثل نقلة نفسية مهمة للأطفال وينهى فكرة حصر العلاقة فى ساعات محدودة كما أن إلزام توثيق الطلاق خلال 15 يومًا يضع حدًا لمشكلة الطلاق الغيابي، بينما يوفر صندوق دعم الأسرة ضمانا فوريا لصرف النفقة، مع استردادها لاحقا من الزوج كذلك، تعيد الولاية التعليمية المشتركة للأب دوره كشريك فى قرارات تعليم الأبناء.
ومن جانب آخر يقول ميشيل حليم المحامى إن الحكومة اتجهت اتجاهًا سليمًا لتحقيق الموازنة بين الأب والأم لمصلحة الصغير، وكان من أهم الضوابط والمعايير تقنين الاستضافة أو الاصطحاب، وكان ذلك بأحقية الأب فى استضافة الصغير فى حالات معينة حتى يتسنى للصغير التأهيل النفسي، وهو ما كان غير مقنن وما سكتت عنه القوانين السابقة، ما أهدر فى ذلك حق الأب وحقوق الصغار.
ويضيف ميشيل حليم: أولًا لا بد من إضافة تحليل المخدرات لمن له الحق فى الاستضافة مع بيان الحالة الجنائية قبل الحكم له بهذا الحق، ويجب ألا يقل سن الصغيرة عن خمس سنوات حتى لا يكون هناك انتقاص من حق الأم فى حضانة صغيرها، مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية والمادة الثانية من الدستور المصرى.






